بعد الانتصار الكبير الذي حققه المسلمون على المشركين في غزوة بدر الكبرى حصل خلاف بين المسلمين في الأنفال فقد جاء في تفسير ابن كثير عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي…
بعد الانتصار الكبير الذي حققه المسلمون على المشركين في غزوة بدر الكبرى حصل خلاف بين المسلمين في الأنفال، فقد جاء في تفسير ابن كثير 2/99 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) فشهدت معه بدراً فالتقى الناس فهزم الله تبارك وتعالى العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون فأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يصيب العدو منه غرَّة حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منَّا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخفنا أن يصيب العدو منه غرَّة واشتغلنا به فنزلت "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" الأنفال آية1 فقسمها الله على فواق المسلمين وفي رواية أخرى في تفسير الطبري 9/116 "قال عبادة بن الصامت عن الأنفال فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله تبارك وتعالى من أيدينا فجعله إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقسمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فينا عن سواء أي على سواء".
لقد بدأ القرآن الكريم السورة بعتاب الصحابة رضي الله عنهم بسبب اختلافهم في مسألة الغنائم، وكان من المتوقع في منظور البشر وتصوراتهم أن تبدأ السورة بالإعلان عن النصر المؤزر في بدر، فإن كان هناك ثمة أخطاء فيمكن تداركها فيما بعد، أو ربما تجاوزها أمام عظمة الانتصار الكبير الذي سماه الله بيوم الفرقان، إلا أن منهاج القرآن الكريم الذي يربي النفوس ويعدها كي تجابه الباطل المتغطرس له تصور آخر في تربيتها على التقوى والطاعة والارتقاء بها إلى أعلى درجات الإيمان لتبلغ مرادها في تحقيق النصر أو نيل الشهادة يقول الشهيد سيد قطب في ظلاله 3/1473 معقباً على هذا الحادث "لقد كان الهتاف لهذه القلوب التي تنازعت على الأنفال هو الهتاف بتقوى الله ، وسبحان الله خالق القلوب، العليم بأسرار القلوب، إن قلبناً لا يتخلق بالله يخشى غضبه ويتلمس رضاه، لا يملك أن يتخلص من ثقله الأعراض ولا يملك أن يرف شاعراً بالانطلاق، إن التقوى زمام هذه القلوب التي يمكن أن تقاد منه طائفة ذلولة في يسر وفي هوادة، وبهذا الزمام يقود القرآن هذه القلوب إلى إصلاح ذات بينهم"
ويقول صاحب الرحيق المختوم 249 " وحول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال وهذه السورة تعليق إلهي إن صح هذا التعبير على هذه المعركة يختلف كثيراً عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقوَّاد بعد الفتح إن الله لَفت أنظار المسلمين أولاً إلى بعض التقصيرات الأخلاقية التي كانت بقيت فيهم، وصدر بعضها منهم ليسعوا في تحلية نفوسهم بأرفع مراتب الكمال، وفي تزكيتها عن هذه التقصيرات"
إن هذه التربية الربانية لأفضل جيل عرفته البشرية لتؤكد حقيقة ستظل ماثلة للعيان إلى قيام الساعة أن التقوى، وصلاح ذات البين وطاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهي أكبر من النصر على المشركين، هو الأكبر في ميزان الله إذا ما صلحت النفوس وآمنت بالله حق الإيمان ومن ثمَّ يريد الله أن يعلِّم الصحابة والأجيال المؤمنة من بعدهم أن الجهاد إذا لم ينشأ على تقوى من الله فليس جهاداً يستحق النصر من عند الله سبحانه.
لقد بدأت السورة بموضوع الأنفال واختلاف الصحابة في ذلك ثم أعقب المولى سبحانه ذلك بأربع آيات عالجت بها نفوس المؤمنين وتطهيرها من الخلاف الذي قد ينشأ عن حب المال والتطلع إلى الدنيا فقال " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " الأنفال 2، 423
ولما اقتربت ساعة الصفر دخل الرسول صلى الله عليه وسلم العريش الذي نصب له ، وبدأ يجأر إلى الله بالدعاء قائلاً اللهم نصرك الذي وعدت اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس ، فقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ، وقال قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض حينئذٍ قال عمير بن الحمام بخٍ بخٍ ( كلمة تقال لتفخيم الأمر وتعظيمه ) فقال صلى الله عليه وسلم ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ ، قال لا ، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها ، قال فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ، ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل .
وكذلك سأله عوف بن الحارث _ ابن عفراء _ فقال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسراً ، فنزع درعاً كانت عليه فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل .
إن هؤلاء الصحابة الكرام الذين أخلصوا النية لله عز وجل فخاضوا المعركة بصدق فنظروا أمامهم فرأوا الجنة ، رأوا الحور العين في استقبالهم فما قيمة الدنيا إذن أمام هذا الإكرام الرباني لهم ، لقد هانت عليهم الدنيا فقذفوا بأنفسهم في حمم الموت وهم مطمئنون راضون بما أعد الله لهم من النعيم المقيم جزاءً بما كانوا يعملون " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " آل عمران.
لذا فلا عجب اليوم أن نرى شباباً يافعاً يحمل روحه على كفه في سبيل الله فيفجرها راضياً مطمئناً ليلقى الأحبة محمد وصحبه ، هذا العمل الاستشهادي البطولي هو الذي أقض مضاجع العدو الصهيوني وخلق توازن الرعب في غياب توازن القوى هذا العمل المنظم الذي وقف العدو عاجزا عن عمل أي شئ ، وقف مذهولاً وهو يقول ماذا أصنع لرجل يريد أن يموت !! .
إن لفتات بدر التربوية كثيرة لا تعد ولا تحصى ، ولكنني سأختم مقالي بهذه الفتة الإيمانية ، فبعض المسلمين حين ينظرون إلى قوة الكافرين فيروا أنها أكبر عدداً وعدة من المسلمين فينهزموا ويخالجهم الشك في النصر ويتصورن أن على المسلمين أن ينتظروا حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية ، ويغيب عن خاطرهم أن هناك قوة أخرى ترجح الكفة ألا وهي سلاح الإيمان والعقيدة !! وفي بدر نرى عكس ما يتصورون .. فالغزوة تحكي قصة انتصار الفئة المؤمنة القليلة على الكثرة الكاثرة ، وقد حسمت المعركة لصالح العقيدة التي رسخت في نفوس المؤمنين الصادقين قال تعالي " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" آل عمران .
ويروى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً من أصحابه ، فلما انتهى إليها قال اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، ففتح الله له يوم بدر ، فانقلبوا حين انقلبوا ، وما منهم رجل إلا وقد رجع بحمل أو حملين واكتسوا وشبعوا ".
رواه أبو داوود في سننه 5 / 525 وحسنه الألباني .
إن ما وقع في شمال غزة من اندحار الصهاينة مهزومين مخذولين رغم ما يملكون من قوة ما دية وتكنولوجية إمام إخواننا المجاهدين وعلى رأسهم كتائب الشهيد عز الدين القسام ليدل دلالة واضحة أن سلاح الإيمان والعقيدة مع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله هو الأقوى في ميزان المعركة ، وأن درس بدر يمكن أن يتكرر إن صدقنا النية لله عز وجل، لذلك فأملنا بالله كبير أن تحقق المقاومة نصراً مؤزراً على الصهاينة في ذكرى غزوة بدر الكبرى وما ذلك على الله بعزيز " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع