جدول عادي خرج عبد الرحمن مع صديقه خربوش من مهرجان وفاء الأحرار جذلا سعيدا تكاد قدماه تطيران به من الفرح شهداء أحياء بعثوا من جديد حطام جديد لأنفة العدو الزائفة حلقة جديدة من حلقات…
خرج عبد الرحمن مع صديقه خربوش من مهرجان وفاء الأحرار جذلا سعيدا، تكاد قدماه تطيران به من الفرح، شهداء أحياء بُعثوا من جديد، حطام جديد لأنفة العدو الزائفة، حلقة جديدة من حلقات انتصارات ربانية، تثبت أننا على الجادة، انتفاضة قيم جديدة تجدد شباب المقاومة، وتمنحها الثقة وتزيدها بهاء... كانت الخواطر الجميلة تنثال على ذهن عبد الرحمن، لكنه انتبه إلى تنهيدة حارقة ينفثها صدر صاحبه، فقال مستغرباً:
- مالي أراك مهموماً في مثل هذا اليوم الرائع؟!
- ما زال صديقنا أحمد أسيراً، وما زال ابن خالي في المعتقل!
- الفرحة كبيرة، والأمل بخروجهم جميعا صار اليوم أكبر!
- هيهات!
- "وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً"(الإسراء: 51)
- لكن الناس يتحدثون عن إمكانية أفضل!
- الأفضل من كل هذا أن تتحرر فلسطين!
- ولم لا؟!
- لكن الدنيا تُؤخذ غلابا، ولا تتكئ على الحلم الساكت، المكتفي بحسن النوايا! والطريق الطويل لا يتعارض فيه "الفرح بقفزة نوعية" مع "الفرحة الكبرى باستكمال الطريق"... ألا تقرأ جيداً الحديث النبوي الشريف: "للصائم فرحتان..." ؟!
- دائما تفلسف الأمور!
- ليست فلسفة! إنها بدهيات منطقية! ليس من المنطقي أن يزايد أحد على تضحيات عظيمة...
- مهلاً! مهلاً! أسمع بكلمة مزايدات كثيرا ولا أفهم ما يُقصد بها!
- المزايدة جاءت من أخلاق السوق، فالدلال يعرض بضاعة ويضع لها سعرا مبدئياً، ويزيد الراغبون في شرائها على السعر المقترح، ويتنافسون في الزيادة حتى حد معين يسكت فيه الجميع، ويبقى السعر الأخير...!
- لا أحب أن يُذكر هذا المصطلح مع هؤلاء الأبطال!
- المصطلح ليس عيبا في حق الرجال الأمناء الأبطال الذين دفعوا الثمن من دمائهم ومن جهاد أسطوري بذلوه، لكن المصطلح يأتي في حق أصحاب المنطق الزائف، الذين لا يمتلكون ذرة من الثمن الباهظ، بل يقفون من أجل إهدار ذلك الثمن وعرقلته والاعتراض عليه وإضاعة العشرات من الفرص المناظرة له، ثم يأتون ليتقولوا على الإنجاز العظيم تحت شعار "لو كان الأمر كذا لكان أفضل...!".
- مهلا يا عبد الرحمن! أنت من دعاة الحرية!
- لا أدعو لشيء لا أمارسه! من حقه أن يقول، ومن حقي أن أعترض على قوله!
- لكن...
- يا أخي ليس من المنطق أن تفسد علينا فرحتنا! إن وفاء الأحرار حدث سياسي نادر وإنساني فريد، ينبغي أن نقول "شكراً" كبيرة تمتد من الأفق إلى الأفق، وتتدلى من جانبي الكرة الأرضية لأياد بيضاء تتقن الأعمال العظيمة بصمت لا نظير له، إن ما يحدث على أيديهم كرامات ينكرها الجاحدون ويراها -بل يؤمن بها- المنصفون.
- ألم تقرأ ما كتب صاحبك الشاعر؟! إنه يحكي كما تحكي ويرى ما تراه: "إذا ما المجد حدّث في انبهارِ، فقد شهد الحماسَ على المدارِ. رأى الأعمالَ تحكي دون لغوٍ، وتمشي في السماءِ خطى الكبار. نجوم الكون تخشع من خطاهم، وتمضي إن رأتهم في دُوارِ. عمالقةٌ إذا انتصبَ الصراعُ، وعشاقٌ لتحقيق انتصار. وأطفال إذا ما الفجر صلّى، ترى الدمعات تجري في انهمار. ملائكةٌ وهل في الكون أنقى، من الروح المعفّر بالغبار. غبارٌ من طريق القدس هذا، غبارٌ من بُراقٍ في الجوار. على ثقة مضت فيه خطاهم، على درب الأحبةِ في الإسار. على المعراج تنتصب الحكايا، لأجيالٍ مضت نحو المسار. بطولاتٌ توالت في انهمارٍ، تقيلُ الناس مِن وهن العثار. إذا ما الليل أحكم قبضتيه، على الأسرى وأمعن في الدمار، تفجرت المآذنُ صادحاتٍ، لتبعثَ في الصغارِ هوى الكبار. فترتجف الحدود من الرجال، وتبتلع الجنودَ بلا انكسار. وتخفيهم على عين الأعادي، وتمضي في مقاومة الحصار. فلا الرادار يرصد مبتغاه، ولا الزنّانة الحمقا تباري. ولا المليار تُرصد في فخاخٍ ، ولا حربٌ تهدد باندثار. تعملق في الوجود ضميرُ شعبٍ، يكفكف بالصمود أذى الضواري. مضي الليلُ المؤطّرُ بالسوادِ، وجاء الفجر مزهوّ الإطارِ".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع