جدول عادي كعشب يابس اشتاق لمطر غزير تعيد قطراته إليه اخضرار الحياة هطل الخبر العاجل على قلوب أهالي وذوي الأسرى سيخرجون كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تصفق أرواحهم لفرح كان دائم التأجيل…
كعشبٍ يابس اشتاق لمطرٍ غزير تعيـد قطراته إليه اخضرار الحياة هطـل الخبر العاجل على قـلوب أهالي وذوي الأسـرى :" سيخـرجون" .
كلمـة واحدة كانت كفيلـة بأن تُصفق أرواحهم لفرحٍ كان دائم التأجيل ...وناموا وهـم يحـلمون بتفاصيل الغـد الجميـل مـع أحبـةٍ ظنوا أنهم سيتحولون إلى بقايا صور .
خمسة أعوام وهـم يحـلمون بأن تتفتـح الأبـواب المغلقة كاشفة عن أبطال الحنين وعلى مدار أيام وأشهر الانتظار بقيت أحزانهم ودموعهم الصامتة تتصدر نشـرات الأخبار , ولم تتعب حناجرهم سـاعة من ترديد هتافات الحرية .
كنت معـهم في الخمس العجاف أنصت لألمهم أكتب عن أمنياتهم الحبيسة ولا أنكر أني في بادئ الأمـر تعاملت مع وجعهم كخبر ينتهي بنقطة آخر السطر , غيـر أن زياراتي المتكررة لمقر اعتصامهم في لجنة الصليب الأحمر الدولي صباح كل اثنين علمتني كيف أخلع رداء الصحافة وأستبدله بآخر يناسب حجم قهـرهم ودمـوعهم التي حفظتـها الجدران هناك.
اليـوم ومـع تشرين وفاء الأحـرار ثمـة رسائل سأطيـرها إلى هؤلاء الكبار:
رائــدة مشتــهى
زوجي أنا معك لآخر نبضة في قلبي
معك لآخر حرف
و لآخر صوت
معك إلى الفردوس الأعلى إن لم نلتق".
حتما لن تنسى ذاكرتك ما خطه قلبك ذات حنين , يـومها جمعني بك أول لقاء صحفي وطلبت منك بـرقية تهدينا لزوجك الأسير كختام لحديثك عن رفيق الدرب .
يـوم أن قرأ الناس فصول حكايتك انتابتهم دهشة عدم التصديق وصاروا يسألون كيف لفتاة لم يمضِ سـوى ستة أشهر على زواجها أن تختار طريقا تنبت أشجاره في عالم الخيال فقـط .
وانتظرتِ يا رائدة ...عقـدان من الـزمن وأنت تنتظرين بطـل القصة المحكوم عليه بمدى الحياة ..كنتٍ دوما تبتسمين للسماء بأن أرقـامهم هذه مكتوبة في سجـلاتهم هم لا بسجـلات القدر وأن يـوما ما سيأتي بالغائب البعيد .
وهبطت المعجـزة يا رائـدة وها هو "روحـك" الآن معك ...فهيا ابتسمـي لقـادم الأيام وارجعي بعقارب الحـزن إلى الوراء واكتبي أيتها "العروس" بساعة الـوفاء فصـلا جديدا وثقـي بالله وبمعجزات قادمـة يحملـها "المطر".
أم غازي النمس , أم أيمن الفـار , أم أشرف البعلوجي.
اسم أيمن موجود ؟ ...أمانة يا علا لو عرفتي اشي عن غازي وانو احتمال يطلع بالصفقة أمانة احكيلي ...أشرف في العزل في أخبار جديدة عندكم.؟
نــعم اسم أيمن مـوجود في قائمـة الشرف ونــعم يا أم غــازي سيخرج قـرة عينك , ولدينا أخبار جديدة يا أم أشـرف .
كنت أتمنى لو أحمل باقة ورد وأهديـها لقلوبكنّ وأنا أبارك لكن البشرى , كنتن تحلمن بالسبق الصحفي .
آآآه يا أمهات الثلاثة أسـرى جاء السبق وأتى الخبر العاجل الذي أعياكم انتظاره ..جاء ومقاعدكم فارغة !
غيبكم المـوت قبل أن تصافحن حـلم حياتكن الـوحيد , ونامت أعينكن المـرهقة وهي تسأل :" كيف أحوالهم هناك.؟
الآن فقـط بإمكاني إخباركن بأنهم بخير دون أن أضطر لتهذيب مخارج الحروف ...هم الآن بخيـر لكنهم يفتقدون حضوركم البهّي ...دعاؤكم الصباحي الجميل ...وإلى غداء شهي تخصصـونه فقـط للعائد الحبيب.
عاد شاليطـهم يا أم غازي وعاد أولادنا كما تريدين يا أم أشرف ونجحت صفقة التبادل يا أم أيمن وها هو الحلم يغفـو على وسادة الواقـع .
كأني بكم الآن تطلقن زغاريد الفـرح إلى أن تبح أصواتكن سرورا ...بصبـركنّ هم الآن هـنا فعلى قلوبكنّ السـلام .
زوجة الأسير "نافذ حرز"
يا قِبـلة أعين الكاميرات وأقـلام الصحفيين ..يا أيتها الناطقة دوما بأحزان الأسـرى وذويـهم كيف حالكِ الآن ؟
تسـجدين لله شكـراً على هذه الهـدية وتزرعين عتبات الدار بياسمين الشـوق وتبتسمين بحجم السماء وأكبـر , هي ذات الابتسـامة التي ما غادرت وجهـك أبدا ...كانت تهزم الحزن كلما هاجمك ..هي ذات الابتسامة التي كنت بها تشدين أزر أم الأسير عبد الحليم عبد الله حين يداهمها بكاء الخوف على ولدها وتخشى من موت يغيبها ..وبهـا كنت تقدمين وصفـات الـوفاء لزوجات دخلن للتـو مدارس الحـزن .
فهيا يا أم أحمـد اجلسي بين أولادك وأحفـادك وابتسمي لزوجـك ابتسـامة تمحـو تعب عقـود الانتظار ...وارتاحي الآن فقد آن الأوان لتعتصمي في ممـلكتك الدافئـة وتهتفين باسم :" محررك الحبيب".
أم الأسيـر موسى بدوي وزوجـها
يا أم موسى قري عينا ...ها قد عاد "موسى" فأي افتنان البدايات تخططين , أتذكرين "سر الرايات " ...هيّا املئي جدران بيتكم بـها , ووزعي حـلوى "الفـرح" على القادمين لتهنئتك بالعريس .
أما أنتَ يا "أبا "موسى" : فهيا ..لوّن خارطة الغـد وكيف ترى تفاصيلها الجميلة ستكون ..فلن تضطر بعد اليـوم إلى أن تجادل الإعلاميين ولن تصعد درجات الصليب وتجلس على زاوية أعلاها فيما عيونك تتدفق بحزن تلمع صوبه أعين الكاميرات ...لن تفقد بعد اليـوم إحساسك بالحياة والشعـور بمن حـولك حين يخبرك أحدهم :" لا جديد" .
دونك الشمس الحارقـة والاعتصـام يتبـعه اعتصـام ...سكنت الأمـواج يا آل "بدوي" وأقـلعت سفن الإبحـار .
مقـر الصليب الأحمـر
تبتسـم الآن بجدرانك ...بمقاعدك الخشبية ...بأوراق شجرة الزيتون التي تتوسطـك ...تسلم عليـهم اسما اسما وقلبا قلبا ...وتدعـو لـ"من ينتظـر."
يا أيها المكان الذي احتضن همس أسرار وعلانيـة دموعهم ...ويا صاحب الاثنين والعاشرة صباحا ..كانوا يكسرون صمتك بحضورهم وبأصوات حناجرهم المثقـلة بالحنين وتعب الانتظار.
ويا من على ترابك جلسـوا في كل الفصول ...في لهيب آب وبصقيع كانون ومع تقلب آذار ولسعات تشرين ...افترشوا أرضك وما التفتوا لصداع أو مـرض.
هيـا دعــهم الآن يصمتـون فرحا وردد أنت عنـهم هتافات الحنين وصفق لمن حضـر واصدح مناديا على من في السجن ظلّ يحتضــر .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع