لولاك يا نشأت: رسالة اعتذار متأخرة إلى نشأت الكرمي

لولاك يا نشأت: رسالة اعتذار متأخرة إلى نشأت الكرمي

ماجد الكاتب
2011-10-09

جدول عادي لماذا لم يغادر نشأت فلسطين كما اقترح عليه ضابط المخابرات باحثا عن فرصة تعليم هو جدير بها أو فرصة عمل لا مثيل لها في فلسطين بينما كثير من رفاق دربه قاتلوا في سبيل الرحيل…

لماذا لم يغادر "نشأت" فلسطين كما اقترح عليه ضابط المخابرات، باحثاً عن فرصة تعليم هو جدير بها، أو فرصة عمل لا مثيل لها في فلسطين، بينما كثير من رفاق دربه "قاتلوا" في سبيل الرحيل، ومهروا في اصطياد أول فرصة؟

"نشأت"، كان ذكياً، مثقفاً، قارئاً، بارعاً في بعض أوجه المعرفة في غير تخصصه الأكاديمي، ولو أنه غادر لكان حقاً جديراً بجسر من شهادات يعيده إلى فلسطين "مثقفاً كبيراً" ،أو "أكاديمياً منظوراً" أو "سياسياً نافذا" أو بقي في الخارج متنعماً بمنصب وراتب، أو منظراً مشهوراً، و"نشأت" أصابه من الأذى والبلاء ما يحمله حملاً إلى خارج فلسطين، فلماذا لم يغادر؛ وقد عرضت عليه الفرصة، بينما سعى لها آخرون سعياً مضنياً وما كلوا؟

هل تعب مرة "نشأت"!؟ ومن لا يتعب!؟ لكنه لم يكن مقاتلاً وحسب، بل القتال سبيله إلى الحكمة، وكم من مشتغل بفلسفة أو مدع لحكمة زاد الناس حيرة، وأودع آخرين في ضلال، ولن تجد فيلسوفاً إلا وهو ممزق الضمير، معذب الوجدان، كئيب النفس، مظلم العقل، لكن الحكمة التي اشتغل بها "نشأت" كانت مختلفة في جوهرها، وفي السبيل إليها، وهاكم شيئاً من حكمته التي أداتها من رصاص، وروحها من عرق وتعب وخوف، وصوتها من دم، أترجمها بقلمي، والمسافة بين اللغتين لا تجسر، وبين التجربتين لا توصل، والترجمة دائمة خائنة للأصل، فكيف حينما تكون اللغة من دم، والمعرفة من إصرار على اختيار التعب، بينما الترجمة بقلم من حبر، والمعرفة من على كرسي من جلد؟ كم يعاني الماضي في دروب المعرفة ليشتعل للناس هدى ونوراً وحكمة وبياناً وضياء وبصيرة، فهل يستطيع المترجم استحضار الجهد المضني متعة، والتجريب المتعب لذة في أعصابه؟ والتعبير عن تجربة في الارتحال إلى اليقين؟ والشقاء المريح إلى الراحة بلا شقاء؟ والقلق الدؤوب إلى طمئنينة بلا قلق؟!

"نشأت" يقول: الذي يمضي في طريق، لا بد وأن يتعب، ولو كان يسير للتنزه، فكيف لو كان يطلب اليقين؟! ذلك الذي يتعب قد يرتاح قليلاً ثم يواصل، لكنه لا يحيد عن طريقه، ولا يتراجع إلى الخلف، ولا ينظر إلا مستشرفاً آخر الطريق، لأن النظر إلى جنباته فتنة، فما سار المرء في الطريق إلا ليصل، فمن مضى فيه وبذل ثمن المضي تعباً، لا بد وأن يواصل، لأنه ما تعب إلا لأجل هذا، أما التراجع أو الحيد أو الانتظار الطويل راحة أو بحثاً عن فرصة للاستئناف فهو محض فراغ الرأس وظلام العقل يسمونه بغير اسمه فيقولون: "حكمة وعقلانية"، وما هو إلا: "ضلالاً وجنوناً"، فالعقل أن تقبض ثمن تعبك، لا أن تهدره بحثاً عما هو زائل بلا ريب.

و"نشأت" الذي لم بجرب الراحة، رغم ما قد يتمسح به من عذر يتصور له قوياً وهو ذو السجون المتواصلة والإصابة المؤذية، يقول إذ يمضي بلا راحة: إن الراحة قد تكون حيلة، يحتالها السائر على نفسه، ويتعذر بها أمام الآخرين، ويصورها "القائل" في الطريق ضرورة للاستئناف، وما هي إلا فتنة، أو أول فتنة، فأن تلقى ربك وأنت ماض ليس كأن تلقاه وأنت "قائل" أكانت نيتك استجماع القوة وتبديد التعب، أو كنت متأولاً معذوراً، أو كنت متعذراً للناس وليس لك عند الله عذر! فالمرتاح مفتون "والحي لا تؤمن عليه الفتنة" كما قال ابن مسعود –رضي الله عنه-، والمرتاح ملتفت لا محالة، فمن عدت عيناه عن بقية الدرب ومد عينيه وأطال النظر فيما متّع به غيره من زينة الحياة الدنيا أغفل الله قلبه عن ذكره وأتبعه هواه وجعل أمره فرطاً!: (خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا "، قَالَ: ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: " هَذِهِ السُّبُلُ، وَلَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ " ثُمَّ قَرَأَ:"وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ").

و"نشأت" الذي اختار أول الرجلين الأفضلين: (مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ، فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ)، بل اختار أصلح المعيشة في فلسطين، فرعي الغنم في شعف الجبال أو بطون الأودية خيار صالح في غير فلسطين، ولحال غير حالها، وهو حتماً خيار الضعفاء ممن لا جلد لهم على احتمال متاعب الأولى، ما كان مترجماً لحكم الذي سبقوه بلسان في جوف، او قلم بيد، بل اختار أن يجعل من نفسه "متخذاً" شهيداً على الناس، وشاهداً على صواب حكمته، وبادئاً بنفسه، فمنذا الذي يبقى لفلسطين لو أن كلاً منا اختار رعي الغنم؟ هو اختار أن يفعل، لا أن يقول، وأن يمضي دون أن يتحدث، وأبقى دمه ناطقاً لأولي الألباب: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

و"نشأت" كان من أولي العلم، المذّكرين، أولي الألباب، سمع: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، فأبى رعي الغنم وإن أقام الصلاة في مرابضها وأدى زكاتها وبقي في خير يعبد ربه حتى يأتيه اليقين، لأن رعي الغنم في بلادي صد عن سبيل الله، وأقله فتنة للسالكين، وهو لم ينأ بنفسه نجاة من النار أن يكون فتنة وحسب، بل كان مثالاً آخر يؤنس وحشة السالكين، لأنه وهو الفقيه، علم أن أصحاب المهمات الكبرى يحتاجون زاداً كبيراً؛ حتى الأنبياء أظهر لهم ربهم من آياته الكبرى مداً لليقين في نفوسهم، فاستحال آية كبرى، عظة للذين معه ومن خلفه، ومرة أخرى دون أن يتحدث، فالآية الكبرى مثل نار إبراهيم، وعصا موسى، وإسراء ومعراج محمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وإنطاق هكذا آية صوتاً يفقدها قدراً من إعجازها وعظمتها ويهبط بها إلى ما قد يحسنه أي أحد، نعم؛ هناك مثال آخر، وشيء مختلف، ونعم؛ يمكنك أخي أن تمضي على الطريق دون أن تلتفت لرعاة الغنم الصالحين! وقد أحسن "نشأت" لحظة الإشعاع بالآية الكبرى على الطريق، لأن الطريق كانت خالية، والناس في إحجام عن سلوكها، والصالحون يرعون الغنم في جنباتها، فملأها من نوره الباهر، وجعلها لاحبة مسلوكة منقادة لا تنقطع وقد لحّب فيها بدمه المضيء.

هذا حكيمنا العظيم، وفيلسوفنا المؤمن نشأت الكرمي، حكمته اطمئناناً باليقين، لا عذاباً بالشك، وهذه لا يدركها إلا واحد من ثلاث: نبي أو صديق أو شهيد، وقد كان "نشأت" أحد الثلاثة، أو جمع اثنتين من الثلاثة، وربنا أدرى بحاله، لكن هذا ظننا به، إذ اختار الرفيق الأعلى وهو صاحب العذر والقادر على الاعتذار، وتحرى ذات الشوكة، رغم نعومة ملمس القلم أو الشهادة الجامعية، عن عائشة: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- كَثِيرًا مَا أَسْمَعُهُ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ " قَالَتْ: فَلَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- كَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: " بَلْ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ " قَالَتْ: قُلْتُ: إِذًا وَاللَّهِ لَا يَخْتَارُنَا، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ الَّذِي كَانَ يَقُولُ لَنَا: "إِنَّ نَبِيًّا لَا يُقْبَضُ حَتَّى يُخَيَّرَ"، ولذلك جعل ربنا الصديقين والشهداء في زمرة الأنبياء يوم القيامة، لأنهم ادركوا اليقين مبكراً واختاروا ربهم مع التخيير، لأنهم أدركوا الحق فتصبروا فصبرهم ربهم: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

"نشأت" ليس درساً وحسب، بل هو مدرسة، فيها فصل لإخوانه ورفاق دربه، وفيها فصل للمشتغلين بالكلام دون خجل، وفيها فصل للعامة من الناس، وفيها فصول أخرى.

أعتذر لنشأت، لأني ما نوهت لحكمته إلا متأخراً، ولأني –حتماً- لست على قدر هذه الترجمة المخلة بالمعنى الأصلي، وهذا أوجب للاعتذار، وهل للكلمات إلا أن تنبهر بالنور الغامر، ثم تخجل من تعرضها لعظمة الضياء؟!

" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عز وجل وَالدَّاعِي من فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ ".

و"نشأت" واعظ لله في قلوبنا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026