في أعقاب غزوة مؤتة حيث اجتمعت القبائل العربية الموالية للرومان ضد المسلمين فشعر الرسول صلى الله عليه وسلم بمسيس الحاجة إلى عمل يوقع الفرقة بينها وبين الرومان كي يستشعروا قوة المسلمين…
في أعقاب غزوة مؤتة حيث اجتمعت القبائل
العربية الموالية للرومان ضد المسلمين، فشعر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمسيس
الحاجة إلى عمل يوقع الفرقة بينها وبين الرومان كي يستشعروا قوة المسلمين فيرتعبوا
ويحسبوا للمسلمين ألف حساب، لذا فقد اختار (صلى الله عليه وسلم) لتنفيذ هذه المهمة
عمرو بن العاص رضي الله عنه، فبعثه إليهم في جمادي الآخرة سنة 8 هـ، وعقد (صلى الله
عليه وسلم) لعمرو لواءً أبيض, وجعل معه راية سوداء، وبعث معه ثلاثمائة من المهاجرين
والأنصار، ومعهم ثلاثون فرساً، فسار رضي الله عنه الليل وكمن النهار فلما قرب من
القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً فانحاز إلى ماء يسمى السلاسل بأرض جذام بينها وبين
المدينة عشرة أيام، وبعث إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) يستمده، فبعث إليه (صلى
الله عليه وسلم) أبا عبيدة بن الجراح في مائتين فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما،
وأمره أن يلحق بعمرو، وأوصاه أن يكون جميعاً ولا يختلفا، فلما وصل أبو عبيدة أراد
أن يؤم الناس، فقال عمرو إنما قدمت عليَّ مدداً, وأنا الأمير، فقال المهاجرون بل
أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو إنما أنتم مدد لي، فلما رأى
ذلك أبو عبيدة وكان رجلاً ليناً سهلاً عليه أمر الدنيا، قال تعلم يا عمرو أن آخر
ما عهد إلىَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن قال إن قدمت إلى صاحبك فتطاوعا،
إنك إن عصيتني لأطيعنك، فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو. وسار عمرو بالجيش حتى وطئ
بلاد قضاعة فدوخها حتى أتى أقصى بلادهم ولقي في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم فهربوا في
البلاد وتفرقوا، وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع، وكان يبعث بأصحاب الخيل فيأتون
بالشاه والنعم فكانوا ينحرون ويذبحون.
وفي هذه الغزوة وقعت عدَّة حوادث مهمة حري بنا أن نقف عليها لنرى مدى سلاسة الطاعة
والانقياد للأمير الذي عينه الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهذه الغزوة، فقد انصاع
المهاجرون لأوامر عمرو - الذي لم يمض على إسلامه سوى ثلاثة أشهر- وعلى رأسهم أبو
بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم جمعاً فكان لإجماع الكلمة ووحدة الصف
السبب الرئيسي في انتصار المسلمين في تلك الغزوة.
يروى أن عمرو بن العاص أمرهم أن لا يوقدوا ناراً رغم شدة البرد، فأنكر ذلك عمر رضي
الله عنه، فقال أبو بكر دعه فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يبعثه علينا
إلاّ لعلمه بالحرب، فسكت عنه، وفي رواية أنه قال لا يوقد أحد منكم ناراً إلا قذفته
فيها، فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم فلما انصرفوا ذكروا ذلك
للنبي (صلى الله عليه وسلم) فسأله فقال كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى
عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد، فحمد أمره (صلى الله عليه وسلم).
وحدث أن عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فقال فأشفقت إن
اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح. فذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله
عليه وسلم) فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟! قال فأخبرته بالذي منعني من
الاغتسال، وقلت إني سمعت الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم
رحيماً)النساء 29، فضحك النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يقل شيئاً.
ويروى أن عمرو قال بعثني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جيش ذات السلاسل وفي
القوم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا
لمنزلة لي عنده، فقال فأتيته حتى قعدت بين يديه، قلت يا رسول الله من أحب الناس
إليك، قال عائشة، قلت إني لست أسألك عن أهلك، قال فأبوها، قلت ثم من؟ قال عمر،
قلت ثم من؟ حتى عدد رهطاً. قال قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا . وفي رواية فسكت
مخافة أن يجعلني أخرهم والحديث متفق عليه.
وأما إخلاص عمرو فقد روي عنه أنه قال بعث اليَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
فقال خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم أتني، فأتيته، وهو يتوضأ، فصعَّد فيَّ النظر، ثم
طأطأ، فقال إني أريد أن أبعثك على جيش سرية ذات السلاسل فيسلمك، ويغنمك، وأرغب لك
المال رغبة صالحة فقلت يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما أسلمت من أجل هذا،
ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقال صلى
الله عليه وسلم يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح، رواه ابن حبان وصححه
الألباني.
إن تولية الرسول (صلى الله عليه وسلم) عمراً ليكون أميراً على المهاجرين الأولين !!
إنها عظمة هذا الإسلام الذي يربي النفوس على الطاعة والانقياد، وهل يمكن أن يكون
عمرو أميراً وهو ابن ثلاثة أشهر في الإسلام على من له عشرون عاماً في الدعوة أمثال
أبي بكر وعمر وأبي عبيدة !! ثم لا يرضى أن يكون تبعاً لأبي عبيدة أمين هذه الأمة!!
فيكون جواب أبي عبيدة له لأن عصيتني لاطيعنك ثم يسلم إمرة الجيش لعمرو الذي كان
قبل ثلاثة أشهر يخطط لضرب عنق الرسول صلى الله عليه وسلم في الحبشة . إنه الرعيل
الأول ، إنها القاعدة الصلبة ، إنه الإيثار ، إنه جمال الطاعة وسلاسة الانقياد
لإتاحة الفرصة أمام الطاقة الجديدة ، أمام الشباب أصحاب الكفاءات المخبوءة ليأخذوا
دورهم في القيادة تحت سمع وبصر وتوجيه الرعيل الأول الذين وهبوا أنفسهم لله سبحانه
وتعالى .
لقد أدرك أمين هذه الأمة أن أيَّ اختلاف بين المسلمين سيودي إلى الفشل وذهاب القوة
، ومن ثم ستكون الغلبة للعدو ، لهذا سارع رضي الله عنه إلى قطع الخلاف والنزاع
ليكون جندياً مخلصاً طائعاً تحت إمرة عمرو امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم لا تختلفا . ولقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " الأنفال
45-46 .
يقول الشهيد سيد قطب في ظلاله معقباً على هذه الآية 3 / 1528 " وأما طاعة الله
ورسوله فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء ، فتبطل أسباب النزاع التي
أعقبت الأمر بالطاعة ، فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه ،
وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار ، فإذا استسلم الناس لله
ورسوله انتفى السبب الأول الرئيس للنزاع بينهم .. ومن ثمَّ هذا التعليم بطاعة الله
ورسوله عند المعركة .. إنه من عمليات الضبط التي لا بد منها في المعركة .. إنها
طاعة القيادة العليا فيها ، التي تنبثق من طاعة الأمير الذي يقودها ، وهي طاعة
قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد لله "
لقد ظن عمرو أن إمرته على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة أنه أفضل منهم مما جعله يسأل
رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك ؟ وكان يتوقع أن يكون الجواب هو ،
ولكن يفاجئ بأن أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عائشة ، ثم يسأل مرة
أخرى ثم من ؟ فيقول أبو بكر ، ثم يقول ثم من ؟ فيقول عمر ، ثم أبو عبيدة وعدد
صلى الله عليه وسلم رهطاً من الصحابة واستحيا حتى توقف عن السؤال خشية أن يكون آخر
هم .
لقد تلقى عمرو هذا الدرس التربوي الشديد العظيم من الرسول صلى الله عليه وسلم كي
يفهم الفرق بين المهمة المحدودة التي كلف بها ، وبين مكانة الرعيل الأول الذين
حملوا الدعوة يوم تخلى عنها الناس وبذلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الله .
عمرو يتصور هذا وهو الذي رزق الإيمان والصدق والإخلاص وأحب ملازمة الرسول صلى الله
عليه وسلم حين قال ما أسلمت من أجل المال ، ولكن أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون
معك فقال صلى الله عليه وسلم يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح .
لذا فلم يكن تصوره أو اجتهاده من اجل الدنيا أو الجاه أو السلطان وإنما كان يظن
بهذه الإمارة أنه أفضل من كبار الصحابة ، فكان الدرس الكبير لعمرو من معلم البشرية
جمعاء (محمد صلى الله عليه وسلم) فلم يغضب رضي الله عنه ولم تتحرك كوامنه الجاهلية
في صدره بل أصبح لاحقاً بهذا الرعيل الأول يجلّهم ويحترمهم ويقدمهم في كل شئ .
إن الحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى فهم هذا الدرس العميق في سبر أغوار أبنائها ،
وتقديم القيادة تلو القيادة في شتى الميادين ، وعلى هذه القيادة المختارة لأمر ما
ألاّ يأخذها العجب والغرور فتنسى في غمرة الأحداث ونشوتها من تربوا على أيديهم من
الرعيل الأول الذين أمضوا حياتهم في سبيل الله وأحسب أن الحركة الإسلامية في فلسطين
قد خطت خطوات كبيرة في ترسيخ هذه المعاني التي أرسى قواعدها شيخ الأمة الإمام أحمد
ياسين رحمه الله .
وما هذا التعاطف والالتفاف الكبير حول الحركة إلا دليل على صحة توجهها ونقاء صفها
وحسن اختيار قياداتها ، رغم هذا فنحن بحاجة إلى مزيد من الطاعة والجندية والانضباط
وأخذ الحيطة والحذر ، والأهم من ذلك أن نكون دائماً على تقوى من الله في أقوالنا
وأفعالنا خاصة أننا نواجه عدواً شرساً متغطرساً لا يمكن أن نقهره بقوتنا ولكن
نستطيع أن ننتصر عليه حين نصدق النية مع الله ونكل الأمر إليه حينها تتدخل إرادة
الله في نصرة المجاهدين الصادقين ليكونوا ستاراً لقدرته سبحانه.