صفحة جديدة لا زال القابضون على جمر الثبات في محنة السجون يتفيؤون ظلال العزة الوارفات فقد مضت عزائمهم نحو الجهاد في سبيل الله مهما كان الثمن غاليا كيف لا وقد علموا أن المحبوس من…
لا زال القابضون على جمر الثبات في محنة السجون يتفيؤون ظلال العزة الوارفات، فقد مضت عزائمهم نحو الجهاد في سبيل الله مهما كان الثمن غاليًا، كيف لا، وقد علموا أنَّ" المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه"1 فالظمأ والمخمصة في سبيل الله راية عز تخفق في السماء العالية، ومقاومة الأسير سجانه ولو بالمعدة الخاوية، ضرب من ضروب الجهاد والمقاومة والاستعلاء، التي يمكن أن نجد لها تأصيلاً سائغًا، فيما ورد من قصص الصحابة والتابعين والصالحين من الأمم السابقة، مما ورد في الكتاب أو السنة.
هؤلاء المجاهدون المعتقلون من أبناء فلسطين والأمة العربية، الذين تمارس دولة البغي إسرائيل ضدهم كل أصناف العذاب، وفيهم العلماء الشرعيون، وأساتذة الجامعات، والقضاة والمحامون، والبرلمانيون والنواب، ورؤوس العشائر وكرام الخلق، هؤلاء العظماء، تجردهم إسرائيل من ثيابهم، رجالاً كانوا أو نساءً، وتفتش بالأيدي والأجهزة العورات، وتمنعهم من قضاء الحاجة منفردين، فتقهرهم على قضائها بشكل جماعي، أو في دلو بزاوية الزنزانة الضيقة، أو في الثياب، وتحرمهم النوم أيامًا وأسابيع، وتضربهم وتعلقهم، وتشبحهم الأيام والليالي الطوال، وتضطهد كل معاني الإنسانية فيهم، فتطعمهم إذا شاءت ثم تمنعهم الخلاء، حتى تضطرهم إلى قضاء الحاجة في ثيابهم، وتجعلهم في حواشر ضيقة لا تزيد على حجم الإنسان، وتبردها حتى تتجمد الأوصال، وفيها يتبول على نفسه ويتغوط، ويسجد ويركع في المكان نفسه، ويحرم من الاغتسال الشهر والشهرين والثلاث.
فلم يبق والله لهؤلاء الكرام خيار، فليس ثمة إلا أن تفتح المعركة على مصارعها، مهما كانت النتائج، ومهما عظمت التكاليف، فلعله يلتف حولهم الكرام في الوطن العربي الكبير، يتداعون لإثارة قضيتهم، فيقوم علماء الأمة بدورهم في نصرة الأسرى والمعتقلين المستضعفين، وأن تجري الأدعية في الصلوات لهم، لا سيما من أئمة الحرمين الشريفين، رجاء بركة الدعاء في الأماكن المقدسة الطاهرة، وليحمل همهم إلى البلاد الإسلامية المترامية مؤمنون مخلصون، وأن تخصص الخطب في المساجد لمؤازرتهم والوقوف معهم، وليكون العلماء على رأس من يحمل قضايا المستضعفين في الأرض، يتأسى بهم الإعلاميون من بعد، ويكون جهدهم قدوة الناس في بقية المجتمعات، فيستجيب لهم من يزعمون حمل هموم المحرومين من الحرية في أي مكان.
وفي تاريخ أمتنا المجيد منارات خير ودلائل حق يستأنس بها المجاهدون الثابتون وراء القضبان، وفي حياة الصحابة خاصة أسوة حسنة، فقد" وجه عمر جيشا إلى الروم2، فأسروا عبد الله بن حذافة السهمي، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا إن هذا من أصحاب محمد، فقال هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال" لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع مُلك العرب، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين" قال إذا أقتلك. قال أنت وذاك، فأمر به، فصُلِب، وقال للرماة ارمُوهُ قريبًا من بدنه، وهو يَعْرِضُ عليه ويأبى، فأنزله، ودعا بقدر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما، فألقي فيها، وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى، ثم بكى، فقيل للملك إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال ردوه، ما أبكاك؟ قال قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في الله، ثم جعلوا له في بيت معه الخمرَ ولحمَ الخنزير ثلاثًا لا يأكل، فاطلعوا عليه، فقالوا للمك قد انثنى عُنُقُه، فإن أخرجته وإلا مات، فأخرجه، وقال ما منعك أن تأكل وتشرب؟ قال أما إنَّ الضرورة قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أُشمتك بالإسلام، فقال له الطاغية هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبد الله وعن جميع الأسارى؟ قال نعم فقبل رأسه. وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه"3
ودلالة الخبر على الامتناع عن أكل الحلال، والإضراب عنه واضحة، فإن عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، أضرب عن الخمر ولحم الخنزير، وهو يعلم أن الضرورة قد أحلتها له، كما قال، لكنه كره شماتة الأعداء في الإسلام، وهذا الباب، يشبه ما يعانية المسلمون في المعتقلات الإسرائيلية، فإنَّ شماتة العدو بهم، تستدعي أن يضربوا عن الطعام كما فعل عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، فكيف وأمر المعتقلين في السجون الإسرائيلية أكبر من الشماتة، إذ فيه التعرض لهتك العرض، وفيه التعري، والإكراه على قضاء الحاجة أمام سائر المعتقلين، والسجانين.
إن فقه عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، لا يمثل حادثة خاصة، أو فقه صحابي فحسب، فمن المعلوم عند أهل أصول الفقه، أن مثل هذه الحادثة لا تأخذ صفة عمل الصحابي الواحد، فدلالة الإجماع فيها بينة، فقد علم الصحابة بالقصة، كما رواه لعمر رضي الله عنه حين قَبَّلَ رأسَه، وهذا مشعر بإجماع الصحابة على جواز فعله من ترك الطعام وقد حل له، إذ لم ينكر عليه عمر أو أحد الصحابة، وهذا تأصيل كريم، من أصل عظيم لتسويغ الإضراب عن الطعام، حتى تنثني الرقبة، أو الموت، كما دلت على ذلك قصة عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، أو يستجيب السجان مرغمًا.
ولقد وقع في الأسر علماء مسلمون، فأبوا أن يشمتوا السجان فيهم في أي مرحلة من مراحل اعتقالهم، وقبلوا التعرض للمحنة؛ من الضرب والتعذيب والرسف في الحديد، لكنهم لم يقبلوا المساومة على دينهم أو كرامتهم، وفي التاريخ من هذا القبيل ألف قصة حبيبة جميلة؛ فإن من سمات العلماء الفحول التضحية بالمهج والأرواح في سبيل إعلاء معاني الدين العظيم، فهذا الإمام يوسف بن يحيى المصري البويطي، تلميذ الشافعي وملازمه، يمتحنه السلطان في مصر، ويرجوه أن يقول بالسر كلمة ترضى عنه الطاغية، لكنه يأبى، ثم يحمل إلى بغداد، يروي الربيع بن سليمان طرفًا من قصته فيقول" رأيته على بغل في عنقه غِلٌ، وفي رجليه قيدٌ، وبينه وبين الغِل سلسلة فيها لَبِنَةٌ طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول" لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم"4 فبهم اليوم يتأسى الصالحون، حين تطحن المحنة أجسادهم، فيقولون" ادفنوني في قيودي، فإني مخاصم"5.
ومما يجدر أن يذكر به العلماء، ما كان يقوم به العلماء السابقون، كابن تيمية رحمه الله، فإنه كان يخرج في فكاك الأسرى إن استطاع الوصول إليهم، فقد خرج رحمه الله، في شهر رجب سنة699 إلى مخيم بولاي، أحد قادة التتار، وخاطبه في أسرى المسلمين والمسيحيين واليهود، واستنقذ أكثرهم من يد التتار6.
ومما أثر عن ابن تيمية أيضًا، رسالته التي عرفت باسم الرسالة القبرصية7 وفيها مخاطبته" سرجوان عظيم أهل ملته، ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين، والرهبان، والأمراء، والكتاب، وأتباعهم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد... وقد عرف النصارى كلهم، أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم غازان، وقطلوشاه، وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له بل جميع من معك من اليهود والنصارى، الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيرًا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى ما شاء الله" ثم كلمه في الأسرى المسلمين في قبرص، وقال له" ثم في فكاك الأسير، وثواب العتق من كلام الأنبياء والصديقين، ما هو معروف لمن طلبه، فمهما عمل الملك معهم وجد ثمرته".
فهذه الرسالة التي يخاطب فيها ابن تيمية رئيس قبرص آنذاك، تدل على باب أغفله كثير من العلماء المسلمين اليوم، وهو باب مخاطبة الساسة، والقادة، ورؤساء الأمم، فما ظَنُّ العلماء المسلمين لو أنهم تواصلوا مع هيئة الأمم، ومنظمات حقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني، والحكام، والأمراء، من العرب وغيرهم، وأثاروا قضية الأسرى المسلمين في سجون يهود وغيرهم، نعم، قد يقول قائل لا فائدة من ذلك، ولكنها والله حجة العاجز القاعد، فمطلوب العمل والمتابعة، لا أن نقعد بحجة أنهم لن يستجيبوا لنا، فما سجل لنا التاريخ أن أمير قبرص قد استجاب لابن تيمية، لكنه سجل أن ابن تيمية، لم يترك بابًا من أبواب فكاك الأسير إلا طرقه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع