الإصلاح السياسي المنشود

الإصلاح السياسي المنشود

أ‌. د. نزار عبد القادر ريان
2004-08-29

عضو القيادة السياسية لحركة حماس من الحكايات العربية المشهورة أن امرأة كانت لا تملك شيئا يسد أود صغارها فوضعت على النار قدرا فيه ماء وحصى وهم جلوس حول أمهم يبكون ويتضاغون وهي تسكتهم…

عضو القيادة السياسية لحركة حماس

من الحكايات العربية المشهورة أن امرأة كانت لا تملك شيئاً يسد أود صغارها، فوضعت على النار قِدراً فيه ماء وحصى، وهم جلوس حول أمهم يبكون ويتضاغَوْن، وهي تسكتهم بالحلم والأمل الجميل، وتلهيهم بالنار والحجر، وكأنه في القدر شهي الطعام.هذه الحقيقة المُرَّةُ يا بلادي؛ هذه صورتك التي يحيى بها شعبنا؛ حلم وأمل، لكنه نار وحجر، فمنذ أوسلو قبل سنوات عشر عجاف، ونحن نُهَدْهَدُ لنتعشى نضيج الحنظل والحجر، تحت نار العدو والصديق.

كان يجب التنادي للإصلاح من زمن غائر بعيد، فليس شيء أحب إلى الله من الإصلاح، ولا أبغض إليه من الفساد، فإنَّ ما يجري لبلادنا المغتصبة خلال الفترة الماضية يثير الإشفاق والحزن والأرق، فمنذ الستينيات تشكلت مؤسسات مهمة مثل المجلس الوطني الفلسطيني، والصندوق القومي، ومركز الأبحاث، ومؤسسة رعاية أسر الشهداء، ودائرة التخطيط، ودائرة شئون اللاجئين، وغيرها؛ بيد أن هذه المؤسسات لم تتمكن من تنمية دورها؛ بل على العكس فإن الخط البياني لأنشطتها وتأثيرها شهد هبوطاً كبيراً وانحسارًا عظيمًا، خصوصاً بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية.هذه المؤسسات، التي لو قدر لها أن تدار بغير عقلية الحزب الواحد، والاستغلال للمنصب والمكان، لكانت اليوم أعظم من دول كثيرة قائمة، لكنه الفساد الذي أكل كل شيءٍ في حياة الشعب والوطن، فأين كان الإصلاح والمصلحون الذين تتعالى أصواتهم الآن؟

وهاك صورة نكره أن نذكرها، وهي أن الكثير من المؤسسات الاجتماعية في دولة الاغتصاب؛ إسرائيل، مثل الشرطة، والكيبوتسات ، والهستدروت، وبرامج الصحة والخدمات الاجتماعية، قد أنشئت قبل قيام دولة الاغتصاب، لكنها في زمن الدولة المغتصبة ازدهرت وازدادت مكانتها، بينا مؤسساتنا تذوي وتذوب وتنطفئ شمعتها، بسب الفساد والإفساد المتعمد المقصود.وهذه النداءات التي تدعوا اليوم للإصلاح، كانت إلى عهد قريب تقوم بأعباء السلطة التنفيذية داخل بلادنا فلسطين، فلم لم تصدح بالإصلاح آنذاك، إذن لكفتنا هذه المظاهرات والمسيرات والاضطرابات، لأن الاعتماد على الإصلاح العاطفي أو المبني على ردود الفعل سيؤدي بالضرورة إما إلى الإفراط أو التفريط، وهو فساد يناقض دعوة الإصلاح.

كانت المؤامرة في أوسلو أكبر من الذين وقعوا عليها آنذاك، وقد تفطن لهذا الفساد كثيرون؛ منهم إدوارد سعيد الذي زار لندن بعد توقيع الاتفاقية المشئومة، وألقى محاضرة يطالب السلطة الوطنية الفلسطينية أن تبادر بشجاعة وتعلن على الملأ عجزها عن مواصلة الطريق المظلم الذي قادت إليه أهل فلسطين، وأن تبادر إلى احترام شعبها، وتنشئ حواراً داخليّاً للخروج من مأزق الحل الهزيل، الذي أصبح وصمة عار في مسيرة القضية الفلسطينية.وإدوارد سعيد لم يكن أصوليًا متطرفًا، أو عدوًا للسلام العالمي، لكنه كان يعلم الصورة التي آل إليها حال الشعب الفلسطيني، وهو يتجرع الصبر ويجتر الهوان ليلة بعد ليلة، فقام ينادي بالإصلاح من تلك الساعة، لكنها صيحة في واد، ونفخة في رماد.   يومها كان دعاة الخير والإصلاح مغلوبون في شتى البقاع، فالمنادي للإصلاح يلقى في الزنازين العتيقة والجديدة، ويطاف به في كل المعتقلات المبنية من زمن الإنجليز الأسود إلى زمن السلطة الفلسطينية، وحين يطلب المعتقل ماء الشرب والوضوء يراود على الاعتراف على أنه قتل أبا بكر بن الخطاب، ذلك أن المحقق لم يكن يعرفهما معا؛ التاريخ والنسب.

الإصلاح ليس موضة سياسية، ولا كرسيًا في حديقة عامة، يقعد عليه ريثما تلتقط الأنفاس والدراهم، إنه مبدأ ودين قبل كل شيء، إنه مهمة الرسل والأنبياء، إنْ أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعت، إنه محاسبة على أخلاقيات وممارسات، وسرقات ورشاوى، وضلال وانحراف، مارسه كثيرون، باسم فلسطين والقضية، تحت سمع الناس وبصرهم، والصورة العربية ماثلة في الأذهان وحاضرة، فكم عانى العرب من ساسة وعسكريين يزعمون أنهم لا يريدون الحكم، وإنما يريدون الإصلاح، وتمر الأيام ويعلم الناس أنهم إنما كانوا يلوحون بقميص عثمان لأمر يريدونه، فلما انقضى الأمر لا صلوا ولا صاموا.

لقد أُكِلَتْ أرزاق الناس وانتهبت أموالهم، ولا زالت حتى الساعة تؤكل وتغتصب، وقد اختلست أموال أسر الشهداء، كما أعلن ذلك يهود يعاري على لسان رفيق النتشة الأسبوع الماضي في قناة التلفزيون الإسرائيلي الثانية1، وحتى ساعتنا هذه، لا يوظف المواطن حتى يمر عبر خرم الإبرة المسمى الموافقة الأمنية، ولا يُمنح ترخيصًا لجمعية، ولا مؤسسة، حتى يوافق عليها الأمن من أجهزة متعددة! فهل من ممارسة للإصلاح أولاً في هذا الباب، حتى يأمن الناس على لقمة صارت في زمن سنغافورة الشرق الأوسط الذي وعدتنا به أوسلو ومهندسوها حجارة في ماء ساخن ونار، عبر اتفاقية باريس، التي تكوي الضلوع منا والأفئدة.

إن على الإصلاحيين أن يذهبوا ليرو كم سجنًا بُني في بلادنا وزنزانة وحاشرة، لا يعدها العاد ولا يحصيها المحصي، وكيف كان الناس يعتقلون؛ من الشوارع والمدارس والمؤسسات، وكيف كانوا يتسورون الجدر فجرًا، والناس في غرفاتهم نائمون! فمن هنا بدأ الفرنسيون الإصلاح، فهدموا الباستيل وحطموا أسواره، وجعلوا ذلك رمزًا للإصلاح السياسي والاجتماعي، فعلى الإصلاحيين أن يبدأوا بهدم الزنازين والحواشر التي اعتقل فيها خيرة أبناء الوطن، وهم يستطيعون ذلك لو أرادوا.

من هنا يبدأ الإصلاح السياسي عند كل الشعوب، فغرسة الإصلاح وفسيلته لا تعرف الترقيع والتلوين؛ فالمصلح يشيد بناءه من أسه العميق على العدل بين الناس، فيستوي أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات، لا أن تعيش طبقة في المعسكرات والحارات الضيقة، وتعيش أخرى في الساحات المنهوبة من الأرض الحكومية، والشقق الموزعة على المعارف، والسيارات المعافاة من الجمارك، لمن يعطي الولاء والطاعة أكثر.الإصلاح أن تنظر سريعًا إلى شاطئ البحر الذي ضاق بالملكيات الخاصة، وصار متنزها لطبقة عليا وحرم منه المواطنون.

الإصلاح أن تحاسب الطبقة التي تثري على حسابنا نحن المهاجرين منذ ستين سنة، الذين نقتات الحنظل في معسكرات اللاجئين، ويسوق علينا الإسمنت المصري بمائة دولار للطن الواحد، بينما مصر تعفيه من الضرائب وتعطيه للسلطة باثنين وعشرين دولار للطن، حتى يبني المستضعفون لأنفسهم بيوتًا عوضًا عن بيوت الإسبست والقرميد، فيزداد ثراء الذي يبيعه لبناء مغتصبة أبو غنيم، والجدار اللعين، ويرقع الإسبست ليعيش زمنًا إضافيًا فوق رؤوس قاذفي الحجارة، وصانعي الانتفاضات.

إن طريق الإصلاح والنهضة إنما يبدأ بالإنسان قبل أي شيء، وإن هذا الإنسان لن يستجيب بسهولة لمحاولات الإصلاح ما لم نخاطب فيه نوازعه الفطرية وخصوصيته الحضارية، ونشعره بتميزه وأصالته، ومهمة الإصلاح تتطلب جهوداً قوية ثابتة دائبة طويلة قد تستمر أجيالاً، المهم أن تكون منظمة على منهج رباني سليم، وسائرة على طريق مستقيم، لا تضطرب بها الأهواء والعواطف، والزعامات والمناصب.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026