تمر علينا اليوم ذكرى أليمة تحزن الأنفس وتبكي القلوب وتعقد الألسن فكان حزن النفس كأنه لهيب الشمس يبخر الذكريات من القلب ليسمو بها الى عليائه فتجيبه العيون بنثر مائها علها تطفئ لهيب…
تمر علينا اليوم ذكرى أليمة....تُحزن الأنفس.. وتُبكي القلوب... وتَعقد الألسن..، فكان حزن النفس كأنه لهيب الشمس... يبخِّر الذكرياتِ من القلب ليسمو بها الى عليائه فتجيبه العيون بنثر مائها علّها تطفئ لهيب الذكريات..., ولما كان بكاء القلب في هذه الذكرى على رحيل رجلٍ ليس كباقي الرجال، وحبيبِ ليس كأيّ حبيب؛ فمن الطبيعي جداً أن يشعل رحيلهم في القلب ناراً ليس للهيبها حدود..., لا يحسها الا من اكتوى بها.., ولا يشعر بها الا من كان له قلب، ومن الطبيعي ايضاً ان نقف عاجزين –كل عام- عن وصف مشاعرنا في ذكرى وداعه فتخرج الحروف والكلمات مبعثرةً، تصطف تلقائياً في لوحةٍ من المشاعر يستميت الفنانون لرسمها ولا يستطيعون...، فهل عرفتم لمن تلك الذكرى؟؟ انها ذكرى استشهاد محمد رداد
محمد رداد... ذلك الشاب الحافظ لكتاب الله..كان فارساً من فرسان جامعة النجاح... ذا نفسيةٍ متواضعةٍ وهمةٍ عالية، حسنَ الخلق،قليلَ الكلام، كثيرَ العمل، لا تفارق البسمة محيّاه، جريئاً عند الشدائد، محبوباً في أهله وبلدته وجامعته، فقد نشأ في طاعة الله - في كنف اسرة ملتزمة ومتعلمة - فعُرف عنه الالتزام منذ الصغر فكان قلبه معلقا في المساجد، ولا يزال صوته الندي يصدح في الذاكرة حين كان يؤم الناس في التراويح في مساجد نابلس وطولكرم، وكان محباً للعلم والعلماء فكان من المتفوقين في كليته "الشريعة" التي درس بها، كما عُرف عنه رفضه للظلم والظالمين فدفع حياته ثمناً لذلك، فاغتيل بدم بارد على أرض جامعة النجاح في أحداث الثلاثاء الحمراء المؤسفة بتاريخ 24/7/2007م.
لن نخوض في ما حدث قبل اربع سنوات، فجميعنا يعلم ان ظلماً كبيراً قد وقع، لكن ألا يحق لنا هنا ان نتساءل ما اذا كان هناك ظلم يُمارس – بعد رحيل رداد- حتى الآن ام لا ؟ فلنحاول أن نرتب الاحداث قليلاً منذ اربع سنوات ونستعرض سريعاً الوقائع التي حدثت حتى يومنا هذا....
في البداية... رداد قتل داخل جامعته ( أو بالاحرى تم اعدامه اعداماً) على مرأى ومسمع من الجميع، فبعد اعدامه بطريقة همجية، تم التستر بشكل فاضح على من قتله، ونُشرت روايةٌ كرتونيةٌ سخيفة –أشبه بالاساطير- عن رصاصةٍ سحريةٍ انطلقت من خارج أسوار النجاح فاخترقت المباني الطويلة صعوداً ونزولاً حتى استقرت في رأسه الطاهر فسقط شهيداً، ثم تُدارُ الامورُ بطريقةٍ ظالمة , فيُفصل من يُفصل من الطلاب وتُهان الطالبات داخل الجامعة ثم تُفتح لجنة تحقيق في الحادثة، فبرأت من برأت... وأدانت من أدانت وأوصت ما أوصت فلا يؤخذ بكلامها ولا بنتائجها ولا بتوصياتها , فينحازُ الجميع لطرفٍ دون آخر انحيازاً فاضحاً مكشوف الأهداف.
ثم تتوالى الاحداث فيفتح باب الاعتقال السياسي ويُغلق الجميع أعينهم وكأن شيئاً لم يكن ثم تدور عجلة الزمان فبعد عامٍ واحدٍ على رحيل رداد يرتقي الى العلا فارس آخر من فرسان النجاح هو الشهيد اياد خنفر اثر عملية اغتيال جبانة نفذها الاحتلال الصهيوني , فيخرجُ من يخرجُ في جنازته , ثم يُمنع من اقامةِ بيتِ عزاءٍ للشهيد داخل جامعته فيُظلم كما ظُلم اخوه من قبل. ثم تأتي بعد ذلك مواسم الانتخابات فيُضيَّقُ على الطلابِ في ممارسةِ حقهم الديمقراطي على مدار ثلاث سنوات، فينتجُ من خلال هذه الفترة فراغٌ اجتماعي قاتل يصاحبه مشاكل أكاديمية وحياتيه خانقة لا مجال لذكرها الان. ثم تبدأ الحفلات الهابطة والراقصة بغزو حياتنا الجامعية لِتعبثَ بعقولٍ الاجيالٍ الجديدة محاولةً طمسها وحرفها عن قِيَمَها الأصيلة.
أما اليوم وبعد اربعة اعوام فلم يتغير شيء , فها هو ابراهيم سرحان فارسُ اخر من فرسان النجاح يرتقي الى العلا شهيداً أثناء ذهابه لصلاة الفجر فيسمى شهيدَ الفجر تكريماً له، وكما ظُلمَ أخويهِ من قبل –يُظلم اليوم ابراهيم أيضاً- فقد جاءنا مطربُ مشهور في نفس اليوم ليغلقَ مسامعنا بأغانيه ويصرف أبصارنا عن أخينا ابراهيم، فبدلاً من نعيهِ وتكريمهِ وفتحِ بيت عزاءٍ له داخل جامعته يرقصُ الجميعُ على قبره وتُعزَفُ ألحانُ اللؤمِ والشقاء في ذلك اليوم وكأن شيئاً لم يكن.
ووفقَ كلَّ ما سبق.. يتبادر هذا السؤال الى أذهاننا إلى متى سيبقى هذا الظلم ؟ ومتى سيكون باستطاعتنا التغيير؟
مما لا شك فيه ان لم نبدأ بالتغيير الآن، فلن نجتاز هذه المرحلة الصعبة، وستبقى الغفلةُ ملتصقةً بنا، ومع طوفان المادة لن نشعر بجريان الزمن ولا بتتابعِ الايام والشهور الا عندما تطرقُ مسامعنا الاحداثُ المؤلمة أو عندما نقفُ على أعتاب فاجعةٍ جديدة..، فنعيد النظرَ في تلك الصور الحزينة التي رسمناها، نستيقظ بعدها من سباتٍ عميق كان يلفنا طول تلك المدة فندرك بعدها حالنا ولا ينفع عندها الندم، فإن لم نأخذ على عاتقنا زمام المبادرة فسنبقى نشكي الماضي ونخاف المستقبل، وستبقى سفينة التغيير متوقفةً دون حراك تنتظر من يقودها ولا تجد، ومن يظن ان سفينة التغيير لا تنطلق الا به فهو واهم وليعلن استقالته على الملأ، فإخوة رداد وخنفر وسرحان لن يسمحوا لأحدٍ بأن يخرقها , كما أنهم لن يقبلوا بأن تبقى في مكانها، فبالايمان الراسخ والصبر العظيم والثقة المتجددة سيتحرر واقعنا الأليم فلا يأس ولا احباط اليوم، فإن تصبروا وتتقوا لا يضّركم كيدهم شيئاً، ولكن.... ان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا امثالكم