درس قاس من أسيرة فلسطينية

درس قاس من أسيرة فلسطينية

خالد معالي
2011-07-11

جدول عادي تعاني الأسيرات الفلسطينيات من ظلم الاحتلال بأبشع صوره وهو الأسر فقدان الحرية لوحده كفيل بتعذيب النفس وقهرها إن لم تصبر وتتحمل وإن كان الأسر للنساء فعندها تعجز الأقلام…

تعاني الأسيرات الفلسطينيات من ظلم الاحتلال بأبشع صوره وهو الأسر. فقدان الحرية لوحده كفيل بتعذيب النفس وقهرها، إن لم تصبر وتتحمل؛ وإن كان الأسر للنساء فعندها تعجز الأقلام عن وصف عذاباتها. الأسيرة الفلسطينية أحلام التميمي تغلبت وقهرت كل ذلك بشموخ وكبرياء قل نظيره.

حال الأسيرة أحلام عارف التميمي من رام الله، والتي اعتقلت بتاريخ 14/9/2001 وتقضي حكماً بالسجن المؤبد 16مرة، كحال بقية الأسيرات: سناء شحادة وقاهرة السعدي ودعاء الجيوسي، وآمنة منى ولطيفة أبو دراع وريما دراغمة وإيرينا سراحنة ولينا جربوني، وعبير عمرو وابتسام عيساوي وفتنة أبو العيش، وإيمان غزاوي وأمل جمعة ووفاء البس، وبقية الأسيرات.

وبإرادة وعزيمة لا تلين تنجح الأسيرة أحلام في إنهاء عزلها وإسماع مطالبها، وهي المكبلة بكل أنواع القيود في يديها وقدميها. وسجان مرعوب من أسيرة تصرخ "وامعتصماه" دون مجيب، في زمن صارت فيه النساء يعلمن الرجال معنى الحرية والكرامة.

وبرغم الهجمة المسعورة من قبل إدارة السجون على الأسرى والأسيرات، إلا أن أحلام هزئت بهم وبقمعهم، وحولته إلى أمل جديد للأسيرات ولكل الحركة الأسيرة. صحيح أن الأشد معاناة في الوطن المحتل هم الأسرى، ولكن الأشد معاناة منهم هن الأسيرات اللواتي يأكل الحديد من أجسادهن، وتذوب زهرة شبابهن لعيون فلسطين. وهنا تتربع الأسيرة أحلام على عرش القدوة للأبطال والبطلات.

درس قاس أرسلته الأسيرة أحلام لكل المتخاذلين والمتقاعسين:"إن كنت أنا أسيرة مكبلة بالقيود وأنتصر على السجن والسجان، فما بال رجال يأبون إلا أن يكونوا أشباه رجال".

درسك قاس، بفجر الحرية آت..آت.. ولو طال الانتظار، عندها يطال رأسك السماء. كيف لا؟! وأنت تنوبين عن الأمة في أضعف أوقاتها، حيث لا نصير ولا حليف، وتتحمليين أوجاعها وآلامها، في مرحلة القهر والعجز.

أنت يا أحلام فخر الشعب الفلسطيني، لا بل فخر هذه الأمة، برغم تقاعسها وترددها في نصرتك وأخواتك الأسيرات وإخوانك الأسرى، في الوقت الذي يقوم الغرب ولا يقعد لأجل الجندي "شاليط" الذي أسر وهو يقصف أطفال ونساء غزة.

أصبحت يا أحلام مدرسة تتعلم منها الأجيال كيفية مقارعة الباطل وقوى الطغيان، وكيف يكون الصبر وصناعة النصر مع ضعف الإمكانيات، بل مع عدم وجودها أصلاً.

لا نقول تفاءلي، بل أنت زرعت فينا التفاؤل، بقرب الخلاص من احتلال يجد من أمثالك من يقارعه. أنت زرعت الأمل والتفاؤل، ورسمت للأجيال طريق العزة والكرامة، وأجبرت الأحرار على ألاّ يناموا وهم يفكرون في خلاصك من القيد وزرد السلاسل.

مع كل إشراقة شمس يتجدد الأمل من جديد بقرب تحريرك، برغم بعدك خلف القضبان وصخور كالأكفان الصامتة في انتظار يأسك دون جدوى.

درسك قاس يا أحلام، فأنت لم تنكسري ولم تعبئي بسياط جلاديك وكتبتِ بالدم على جدران زنزانتك: صامدون ..صامدون...

نعلم أنك جوعى للوطن..للزعتر والزيتون ...للجبال للتلال.. تدفعين ضريبة حبك لوطنك من سنين عمرك الوردية، بسخاء دون بخل أو تردد أو انكفاء، فهل بقي عذر لمن تكاسل أو تخاذل أو تراجع عن نصرتك ولو بأضعف الإيمان، أو بالكلمة الطيبة؟

في عيونك نور فجر يلوح، فأنت أمل وفخر هذه الأمة رغم نكوصها وتعثرها، فقد صرت مدرسة للصبر لمن أراد أن يتعلم.

ما النصر إلا صبر ساعة، هذا أحد دروسك العظيمة للأسرى والأسيرات أوصليته بكل جدارة. وإنما هي لحظات صبر أقوى من الجدران والزنازين والأسلاك الشائكة، وأقوى من كل ترسانة الاحتلال.

أنت وجع في قلب كل حر وغيور في هذا العالم، ونخزة ضمير لكل حر وأبي في الوطن المأسور والمقهور.

الكل الفلسطيني والعربي مقصر في حقك ما دمت أنت والأسيرات والأسرى خلف القضبان، ولا عذر لمن اعتذر. فلا يأس بعد اليوم، فالبسمة ستعود لوجوه الأمهات شوقاً وتسري الدماء ضاحكة بعروق الآباء، ويعود الأطفال إلى أحضان آبائهم وأمهاتهم الأسيرات، وهو يوم لا ريب، آت ..آت.. شاء من شاء.. وأبى من أبى.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026