جدول عادي شيخنا أبا الحسن رفع الله ذكرك في الأرض وفي السماء أحبك الله فأحبك العباد الحديث عن العظماء صعب والكلام عن القادة صعب والكتابة عن ذوي الأثر الطيب صعبة لكن الواجب يتطلب…
شيخنا أبا الحسن... رفع الله ذكرك في الأرض وفي السماء... أحبك الله فأحبك العباد
الحديث عن العظماء صعب، والكلام عن القادة صعب، والكتابة عن ذوي الأثر الطيب صعبة لكن الواجب يتطلب صعود الجبال، وتحدي الصعاب، وكسر الحواجز، وتذليل العقبات... صحيح أنه ليس سهلاً لكنه واجب، صحيح أنه متعثر لكنه مروءة ووفاء وأصالة وانتماء.
قررتُ أن اكتب عن شيخنا الأستاذ محمد حسن شمعة، صاحب الست والسبعين شمعة، ومالك الستة والسبعين مصباحاً. ارتعد القلم، وارتجفت اليد، وتزعزعت الثقة بالنفس... حيث كلما هممتُ بالكتابة هاتفني ضميري من أنت حتى تكتب عن هذا الشيخ ماذا تملك من معلومات؟ كيف ستعبر عن المشاعر والأحاسيس؟... وغيرها من الأسئلة.
جاء الرد سريعاً كيف لا تكتب وقلمك غراسه، وعلمكُ ثمرة من ثماره، وتربيتك وعقلك زرعه الذي أينع وترعرع، ومكانتك ومنصبك بفضله ورعايته وقراره... أن الوفاء يستوجب عليَّ أن أكتب حتى لو كانت كتابتي عاجزة، وهي كذلك.
إن الأدب والقيم والأخلاق التي بذرها في أرضنا شيخنا أبو الحسن تفرض عليَّ الحديث، حتى لو كان ناقصاً وهو كذلك... كيف لا أكتب عن رجل عرفته منذ نعومة أظافري... فتَّحت عينيي فوجدتُه مربياً، نمت قدراتي فوجدتُه خطيباً وإماماً، نضجت مهاراتي فوجدتُه راعياً وموجهاً، تطورت إمكانياتي فوجدتُه مرشداً وقائداً...
قررت أن أتحدى عجز القلم وضائله المعرفة، لأقول للناس وللأجيال أن شيخنا عاش لغيره ومات من أجل غيره، عاش للفكرة والمبدأ والعقيدة والرسالة والدعوة والحركة، ومات من أجل أن تبقى هذه الدعوة والرسالة، كان هادئاً، مبتسماً، مبشوشاً، متواضعاً، يكره الأضواء والمظاهر يبحث عن الجوهر والمضمون، مُجمِّع لا مُفرق، مُحبب لا مُكره، قدوة حسنة في سلوكه وفي قيادته، في أدائه، وفي طاعته، وفي إدارته، لم يكبله عُمر ولا مرض ولا تعب ولا نصب ولا قلة مال وحاجة. ولم يرهبه الاحتلال ولا القيد ولا الإبعاد ولا سلطان الفلتان وقهر الجلاد.
مركبه لم يتوقف، وسفينته لم تُرسي، ورحلة العطاء مضت لأكثر من ستين عام في جماعة ملأ سمعها الأرض والسماء ما تأوه مثلنا قط، وما مل مثلنا قط، وما حرد مثلنا قط، وما طلب الراحة مثلنا قط، كان المتخاصمون يلجئون إليه، والمتناحرون يلوذون به، حكيم في حكمه، شديد في إحقاق الحق، أشم في التمسك في الثوابت، ثاقب في نظرته، سماع للحق، مزمجر حين يحتاج الأمر قوة، ولين حين يحتاج الأمر إلى لين.
أكثر من ستين عاما عمل كجندي مجهول، يُعرف الأثر ولا يُدرك الفاعل، يبحث عن النتائج لا عن الجدل والسفسطائية. سيفقدك يا شيخنا المنبر، والمحراب، والمسجد، والمدرسة، والجامع، والسياسيون والعسكريون والإعلاميون والاجتماعيون... ستفتقدك نصف المجتمع ومربية النصف الآخر: المرأة المسلمة والفلسطينية التي كنت تُنصفها... سيفتقدك الشباب الذين كنت تحبهم وتشجعهم وتسمع لهم وتبارك جهودهم وتتبني مواقفهم...
لم تكن عسكرياً ولكنك من تصنعهم، ولم تكن أمنياً ولكنك من تَعُدهم، ولم تكن إعلامياً ولكنك من تُرشِدهم، ولم تكن سياسياً ولكنك من توجههم، ولم تكن وزيراً أو برلمانياً وإن كنت من تعينهم وتختارهم... أنت يا شيخي أبا حسن شمعة، أضئت الطريق للمقاتل وللسياسي وللمربي والإعلامي وللشباب وللمرأة وللنقابيين وللقادة وللجنود... لم تكن ملك زوجك وأولادك وبناتك وعائلتك.. بل كنت ملكاً للأجيال ولهذه الجماعة التي تشهد لك وأنت جندي وأنت قائد وأنت مرشد...
تشهد لك جماعتك وقت أن كانت مطاردة ومشردة وملاحقة، وتشهد لك وهي بعافية ومنتشرة وظافرة، تشهد لك حركتك حماس وهي وليدة، وهي فكرة في عقلك أنت وأخواتك القادة الستة، وتشهد لك وهي تنتقل من طور إلى طور، ومحنة إلى محنة، ومن السجن إلى الإبعاد، حتى باتت رقماً صعباً يعجز العالم بفضل الله ورعايته عن كسرها وإنهائها.
سفينة مرج الزهور المحطة الأخطر والأصعب تشهد لحكمتك وقدرتك على القيادة وسط الأمواج العاتية والهادرة حتى رست إلى شاطئ العودة والتمكين وبر الأمان.
شيخنا أبا الحسن إن آخر عهدك بالدنيا هو العمل والعطاء والبذل، والتضحيات وفي ذلك رسالة للشباب ورسالة لمن خلفك بالا ينشغلوا إلا بالواجب والعمل وترك النتائج على الله.
إن حسن الخاتمة التي رأينا (ولا نزكي على الله احد) وتشييع الجماهير، والتظاهرة الحاشدة على مدار الأيام الثلاثة التي كانت تؤم بيت العزاء إشارة على رفع الذكر والاسم في الدنيا بين المؤمنين وبين عباد الله، ونسأل الله أن يرفع الذكر والاسم في الآخرة.
إن فقدان شيخنا ليس هيناً، وغيابه عن المشهد فجأة (رغم إيماننا بالرحيل يوما)، شكل صدمة لنفوسنا، وأدمع عيوننا وأحزن قلوبنا... لكن عزاؤنا انه مات على العهد والوصية.
إن موته لابد أن يكون واعظاً، ومسيرته لابد أن تكون حاضرة، وتاريخه لابد أن تعلم به الأجيال، وفكره لابد أن يُدرس لكن الراية التي تسلمها الشيخ محمد شمعة من الشيخ أحمد ياسين ستبقى مرفوعة لأن أولاد وأبناء الشيخين سيبقوا على العهد وهذه الحركة والجماعة معينها لن ينضب بفضل الله وستبقى ولَّادة للقادة.
رحمك الله يا شيخنا وجمعنا وإياك مع النبيين والشهداء والصالحين.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع