ثمة أمور في غاية الأهمية يمكننا أن نتناولها بإسهاب حينما نتحدث في موضوع أو مقال نحاول من خلاله تسليط الضوء على معاناة الأسرى و الأسيرات داخل السجون الصهيونية وبغض الطرف قليلا عن…
ثمة أمور في غاية الأهمية يمكننا أن نتناولها بإسهاب حينما نتحدث في موضوع أو مقال نحاول من خلاله تسليط الضوء على معاناة الأسرى و الأسيرات داخل السجون الصهيونية . وبغض الطرف قليلاً عن الجوانب المؤلمة والمعاناة اليومية التي تواجه أسرانا البواسل من غربة عن الأهل والأحباب وتقييد للحرية الشخصية ، وقضاء زهرة الشباب داخل غرفة صغيرة بالكاد تتسع لجسمه النحيل ، وممارسة شتى وسائل القمع والتعذيب والتنكيل النفسي والجسدي بالأسير ، إلا أن رحلة الأسر لا تخلو من إشراقات و إضاءات و إيجابيات كثيرة لم تكن لتتم دون صمود أسطوري فاق كل التوقعات بحيث تكون نهاية عدة أشهر من التعذيب والعزل الانفرادي لنزع اعتراف من الأسير هي ابتسامة سخرية تبعثر حسابات السجان وتفشل كل أهدافه .
وهنا سأتحدث قليلاً عن بعض من هذه الجوانب الكثيرة ومنها :
1_ الرمزية
كيف لا وهو المناضل والمجاهد الذي حمل البندقية في يد ، وحمل هم شعبه وأمته في اليد الأخرى ، وباع الحياة رخيصة لله ثم فداءاً لوطنه وأرضه ؟ .
فالأسير له احترامه وتقديره ، ويتمتع بمكانة عالية في نفوس أبناء شعبه ، ووجوده داخل السجن هو بمثابة التذكير الدائم للمواطن الفلسطيني أن هناك قضية عادلة قد حُرم هذا الأسير من حريته بسبب تمسكه بعدالة هذه القضية وتلك الحقوق المشروعة .
فالأسير عند أبناء الشعب الفلسطيني هو رمز للمواطن المناضل الذي ضحى بأغلى ما يملك من أجل رفعة ونصرة هذا الشعب .
والأسير قد نال هذا الإعجاب وهذه الرمزية بتضحياته وجهاده وهذا بحد ذاته نصراً جديداً لنهج المقاومة والجهاد .
2_الفخر و الاعتزاز
فهذا الأسير قد تم أسره أو اعتقاله بسبب قضية عادلة ومشرفة ، ولا يوجد شيء أسمى وأجمل من أن يسجن الإنسان لفكر حر ومنهج أصيل وهدف سامي ، فهناك العديد من المعتقلين في سجون العالم قد سجنوا لتجارتهم بالمخدرات أو بسبب السطو والسرقة ، أو القتل و الاغتصاب ، أو الخيانة العظمى لدينه ووطنه .
لكن أسرانا البواسل يتمتعوا هم وأهلوهم بمعنويات عالية ، ويشعرون بالفخر و الاعتزاز أنهم وبرغم آلام السجن وعذابات الفراق عن الأهل والأحباب أنهم قد اعتقلوا أو أسروا لقضية مشرفة ترفع الرؤوس عالياً وتزيدهم مجداً وشرفاً .
3 _ الصبر
وهنا تظهر معادن الرجال الحقيقية ، رغم العزل الانفرادي ، والحرب النفسية التي تمارس ضده ، والشبح والتعذيب بأبشع صور الإجرام والوحشية ، والتنكيل الجسدي والنفسي الذي يمارس ضد الأسير من أجل نزع اعتراف منه بالتهم الموجهة إليه ، إلا أن هذه الأساليب وتلك الوسائل اللإنسانية تفشل ويفشل السجان أمام صبر وثبات الأسير الذي أظهر أمام آلة البطش الصهيونية قوته الإيمانية ، وإرادته الحرة ، وعزيمته القوية ، وقوة تحمله للضربات ، وقد يواجه سجانيه وجلاديه أحياناً بابتسامة عابرة تقول لهم وعلى لسان حاله :
ضع في يدي ّ القيد ألهب أضلعي
بالسوط ضع عنقي على السكّين
لن تستطيع حصار فكري ساعةً
أو نزع إيماني .. ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يديْ
ربّي .. وربّي ناصري ومعيني
سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي
وأموت مبتسماً ليحيا ديني
4_جامعة للعلم
في السجن لا مجال لمضيعة الوقت ، فكل دقيقة تمر لا تعوض ، ومع الجانب العملي في حياة الأسرى حيث يتعلم الأسير الصبر والإرادة والعزيمة والصمود ، لا بد من الجانب النظري حيث مجالات العلم المتعددة ، من حفظ وتفسير للقرآن الكريم ، وقراءة متعمقة في كتب السير والتاريخ والأعلام ، وإصدار العديد من الدراسات والأبحاث وكتابة القصص والشعر والروايات ، والالتحاق إن أمكن بجامعات وكليات عن طريق نظام التعليم عن بعد والحصول على الدرجات العلمية في مختلف مجالات العلم والأدب ، كل هذا إلى جانب تنمية الجانب العلمي والثقافي لدى الأسير فهو بمثابة صقل لشخصيته بحيث يخرج من السجن قائداً أو عالماً أو فقيهاً أو على الأقل متعلماً وليس جاهلاً ، فيخرج أكثر إيماناً بعدالة قضيته وحقه المشروع في مقاومة المحتل الغاصب لتحرير أرضه ومقدساته .
5_أسير محرر قيادي جديد
فمن يمر بتلك المراحل السابقة حيث التحصيل العلمي ، والمكتسبات الجسدية والنفسية الإيجابية ، والشعور بإعجاب أهله وأبناء شعبه بأعماله وبطولاته ، وفشل السجان في نزع اعترافه ومع خروجه من السجن بعد قضاء فترة محكوميته فإنه يخرج بمثابة قائد وطني جديد ومن نوع فريد .
يخرج أكثر تصميماً على مواصلة طريق المقاومة والجهاد ، وأكثر إيماناً بعدالة قضيته ، وأكثر وعياً لمتطلبات المرحلة ولمقومات العمل المقاوم ، وأكثر رغبة في العمل على تطوير أساليب ووسائل العمل المقاوم سواء كان سياسي أو عسكري .
فلقد خرج سمير القنطار وبعد أكثر من 30 عاماً من السجن ببزته العسكرية رافعاً إشارة النصر ، وخرج الشيخ الشهيد صلاح شحادة وبعد سنوات من الأسر والتعذيب ليقود المقاومة من جديد حتى نال الشهادة ، وهناك العديد من النماذج المشرفة ومن مختلف فصائل العمل الوطني قد كان لها لمسات واضحة في ميادين العمل السياسي والعسكري لا يتسع المجال هنا لذكرها أو حتى المرور عليها سريعاً لكثرتها .
في الختام هذا غيض من فيض من الجوانب المشرقة والمنيرة في رحلة الأسر داخل السجون الصهيونية ، نسأل أن يمكننا ويوفقنا أو يوفق غيرنا لإبراز العديد من الجوانب الأخرى لما فيه نصرة لقضية أسرانا العادلة والمشرفة .