جدول عادي ودعت غزة يوم الجمعة الماضي م جبلها الأشم ونجمها الساطع وقمرها المنير وحكمتها البالغة وقلبها المخلص ولسانها الصادق وأباها الحاني الأستاذ أبا الحسن محمد حسن شمعة بعد أن…
ودّعت غزة يوم الجمعة الماضي 10-6-2011م جبلها الأشمّ، ونجمها الساطع، وقمرها المنير، وحكمتها البالغة، وقلبها المخلص، ولسانها الصادق، وأباها الحاني، الأستاذ أبا الحسن محمد حسن شمعة، بعد أن قضى حياته في العبادة والدعوة، والتربية والتعليم، والإصلاح والبناء، والإعداد والجهاد، قضاها وكل ذرة في كيانه تقول: { إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، قضاها بعد أن ترك أثراً طيباً في كلّ من صحبه، أو عرفه، أو تتلمذ على يديه، أو استمع إلى محاضراته، أو أنصت إلى حديثه، أو نظر في وجهه المشرق، أو سمع عن سيرته الحسنة.
لقد كنتُ أخرج بدرس أو فائدة، في كل مرة ألتقي فيها أستاذنا أبا الحسن رحمه الله، وكان آخر لقاء لي به، قبل أسبوع من وفاته، إذ تشرفنا في مركز التأريخ والتوثيق باستضافته لإلقاء كلمة في حفل توزيع كتاب " الأستاذ ظافر الشوا"، وقد اتفقتُ مع عريف الحفل أن يطلب من الأستاذ عبد الفتاح دخان-حفظه الله- إذا حضر أن يجلس على المنصة، إلى جانب أبي الحسن، لكن العريف لم ينتبه، ولم ينادي عليه للصعود إلى المنصة، فوقعنا في حرج، وحاولنا استدراك الخطأ، وطلبنا من الأستاذ عبد الفتاح الصعود لكنه آثر البقاء بين الضيوف، وكان عليّ أن أصحح الخطأ بالإشادة بفضل الأستاذ عبد الفتاح في كلمتي، لكنني لم أنتبه، فصحح أبو الحسن خطأنا، وعلّمنا بلطف كيف ننزل الناس منازلهم، عندما بدأ كلمته بالقول:" الأستاذ الفاضل عبد الفتاح دخان الذي ما كان لنا أن نجلس على هذه المنصة إلا بعد أن يجلس هو عليها"، فسُرَّ الجميع، وتعلموا من لباقته وحكمته، وحسن تصرفه.
و ترددت مرات عدة على أستاذنا أبي الحسن فلاحظت أنه يحافظ على صيام الاثنين والخميس، بالرغم من كبر سنّه وضعف جسده، فعزمتُ على صيامهما تأثراً به، لكني كنت ألتمس العذر لنفسي عندما أُدعى إلى طعام في يومي الاثنين والخميس، بل وأجدها فرصة للإفطار وعذراً مقبولاً أمام نفسي، وأذكر أنني دُعيت إلى وليمة في يوم خميس، فجئتُ مفطراً، ونظرت فإذا بأستاذنا أبي الحسن يجلس قريباً مني على المائدة، لكنه لا يمد يده إلى الطعام، فعلمت أنه قد لبى الدعوة حباً ومجاملة لمن دعاه، لكنه أصر على الصيام لأن حبه لطاعة الله وإرضائه أشد، فأكبرته، وقلت في نفسي:" ومن يطيق ما تطيق يا أبا الحسن؟!".
لقد عاش أستاذنا رحمه الله حياته معلماً مربياً بكلماته التي يصدح بها في كل مكان، فقد كانت كلماته عن عظمة الإسلام ومبادئه ونبيه تهز قلوب المستمعين، وتدخل إلى أعماقهم، يحدِّث بكلام عذب، ومنطق سليم، ولهجة صادقة، وعندما يطمئن إلى وصول فكرته، يعقب عليها بالقول:" تلكم يا إخوة هي حقيقة الإسلام"، فيأخذ بالعقول والألباب.
كما عاش مربياً بخلقه وسلوكه، فلا أذكر أبداً أنه اغتاب أحداً أو جرحه، بالرغم من كثرة ما يعرفه عن الناس من أسرار، وكان ينصح دائماً بأن يسامح الأخ إخوانه، ولا ينتصر لنفسه، ويلتزم هو بذلك، وقد عاش حياته زاهداً في الدنيا، فقد كان بإمكانه وهو صاحب الفضل والسبق والسّن والحكمة والفصاحة والمكانة أن يأخذ من المناصب ومن متاع الدنيا ما يشاء، لكنه آثر أن يبقى زاهداً فيها، متقللاً منها، وظل ناصحاً، محبوباً مطاعاً.
وقد تعرض أستاذنا للأذى الذي لا بد أن يتعرض له أهل الحق في صراعهم مع الباطل في هذه الحياة الدنيا، فسُجن وعُذِّب وأُبعد إلى مرج الزهور، لكنه كان دائماً يخرج من المحنة أقوى، ويعود إلى دعوته وجهاده في سبيل الله.
فرحمك الله يا أستاذنا أبا الحسن، وأعاننا على الاقتداء بك والسير في طريقك طريق الإيمان والدعوة والجهاد، وجمعنا بكم في الفردوس الأعلى.
وصدق الله تعالى القائل:{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} [الأحزاب : 23]
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع