المناعة الوطنية

المناعة الوطنية

أ. إسماعيل هنية
2004-07-18

الأستاذ إسماعيل هنية عضو القيادة السياسية لحركة حماس تحدثا بنعمة الله سبحانه فإننا نطمئن اليوم أن الانتفاضة أصبحت أمل الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وموئل كل حر وشريف…

الأستاذ إسماعيل هنية

عضو القيادة السياسية لحركة حماس

تحدثاً بنعمة الله سبحانه فإننا نطمئن اليوم، أن الانتفاضة أصبحت أمل الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وموئل كل حر وشريف من أبناء شعبنا،  ووعاءً لكل الساعين إلى مقاومة العدو من أجل تحرير أرضنا فلسطين والمحافظة على ثوابت الأمة . من خلال مسيرتها المباركة . فلقد قاوم الشعب الفلسطيني عبر هذه الانتفاضة، ورفض الاستسلام وأصر على المقاومة، رغم التضحيات الكبيرة التي يتقدمها استشهاد القادة الكبار وفي مقدمتهم الإمام الشهيد / أحمد ياسين وإخوانه إلى جانب قيادات وكوادر وعناصر من مختلف شرائح شعبنا وفي شتى المواقع ومختلف الأعمار على امتداد رقعة فلسطين المحتلة .

ولقد استخلصنا من تجربة العمل السياسي والمقاوم حتى الآن ثلاثة دروس كبيرة لا بد من الاحتفاظ بها في ذاكرتنا السياسية فقد يحتاج إليها شعبنا بعد تحرير القطاع من المحتل الغاصب، هذا التحرير الذي يأتي ثمرة المقاومة والوحدة والصمود.

الأول أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) صارت كالملح في الطعام، وفقدانه من المائدة السياسية، يصيب البناء السياسي بالهشاشة الأخلاقية، ويعرض التجربة التي نريد أن نرسخها ( المشاركة السياسية ) لمزيد من الانحسار والانكسار، من أجل ذلك دافعت الحركة عن بقاء لجنة المتابعة العليا للانتفاضة وهيئة التنسيق بين القوى الوطنية والإسلامية قد تكون مثيرة وذلك كشكل من أشكال العمل الفلسطيني المشترك،  وانحازت إلى ساحة الحوار الوطني والتلاقي الدائم، وخلطت الأوراق لدي القطب الاستئصالى وتكتيكاته في المراحل الانتقالية ، وساهمت بشكل مباشر في عملية اصطفاف سياسي عميق خلف خيار المقاومة، وما نتج عنه من إغلاق الأبواب أمام استحقاق الاتفاقات الموقعة مع العدو .

الثاني أن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى الوحدة، وإلى المشاركة الفاعلة في إعادة صياغة الواقع، وأن الشعب الفلسطيني وقف دون قيد أو شرط مع الذين صانوا الثوابت والمبادئ، وعقدوا العزم على حماية خيار الشعب ، ومع الذين حرصوا على وضع حد لكل أشكال الابتزاز، أو تحويل الوطن إلى طاولة تجاذب سياسي تصفي على حواشيها حسابات الأجنحة والشركات الخاصة، على حساب مشاريع الوطن والتحرير .

     فالشعب لم يعد مستعداً لقبول نتائج لانتفاضته لا تعكس إرادته السياسية والمدنية، ولن يكون مقبولاً عليه استئثار فئة في إدارة الأرض بعد تحريرها، خاصة وان التجربة مريرة على هذا الصعيد .

الثالث أن الإدارة المنشودة في الشأن السياسي والحياتي، تتطلب ترفعاً عن المصالح الشخصية الضيقة وارتفاعاً إلى مستوى التحديات، وتتطلب كذلك نظرة مستقبلية مستشرفه، ونفساً طويلاً، وأناة في التعامل مع الملفات الحساسة، ومن هنا طرحت على طاولة التداول الوطني فكرة تشكيل قيادة أو مرجعية مشتركة، وهنا لا بد من أربعة توضيحات أساسية لا بد من الإشارة إليها

1) أن القيادة المشتركة لا بد أن تقوم من أول يوم على مبادئ وأهداف ومحاور وآليات تنفيذ، وليس على أساس تقاسم ريوع ولا على تبادل مواقع، وذلك بهدف خدمة القضية واستكمال المشروع التحرري ومن أجل كل الفلسطينيين.

2) الهدف من هذه القيادة فتح الساحة السياسية، وإنهاء الحالة الأحادية بكافة صورها لإدراكنا أن القطاع حرّره الجميع ويبنيه الجميع وهو بهذا المعني يتسع للجميع، وكما ان مشوارنا ما زال طويلاً لاستعادة كامل الحقوق،  وبهذا نحن بحاجة إلى جهد الجميع .

3) أن الأطراف المشاركة في هذه القيادة ينبغي أن تدرك أن عمليات التنسيق ستشمل المسائل الكبرى، أما تفاصيل القضايا فلكل خصوصيته واستقلاليته التامة في التعبير عن الموقف الملائم الذي ينسجم مع طروحاته،  بشرط واحد وأساسي ومبدئي وهو عدم نقض الأسس التي قامت عليها القيادة أو المرجعية.

4) ندرك أن هذه تجربة ستكون الأولى، وأنها تحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد لإنضاجها، وأن الطريق إلى هذا النضج السياسي قد يكون شاقاً ودونه عقبات حزبية وعراقيل سياسية، ومضايقات خارجية .

ومع ذلك فإننا نقدّر أن ضمانات النجاح الأساسية تكمن في قدرة جميع الأطراف على تقديم خطوات متبادلة ومتوازنة لتنفيذ الفكرة في أجواء صحية بعيدة عن سياسة المطالبة والمغالبة لأننا نؤسس لمدرسة المشاركة .

تأتي هذه المداولات السياسية في الشأن الفلسطيني في ظل أوضاع دولية تتميز بهيمنة الكبار، واستمرار الضعف في دولنا العربية والإسلامية، والاعتداء على سيادة الدول والرغبة في تفتيتها كما هو حاصل في العراق، والحرص على إبقاء القضية الفلسطينية نموذجاً لظلم القوى الكبرى بدعمها للاحتلال الإسرائيلي وتواطئها معه على الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات التشريد والتقتيل وتدنيس المقدسات .

هذا الواقع الذي يدفعنا إلى مزيد من التماسك والارتباط والإصرار على صناعة التغيير على صعيد إنجاز التحرير وعلى صعيد الإدارة والبناء، وتحمل المسئولية التاريخية في مواجهة مختلف المخططات الهدامة المحلية منها والدولية،  للحفاظ على فلسطين وثوابتها وشخصيتها وهويتها الحضارية ومقدراتها، لتكون للشعب وفي خدمة الشعب .

ويجب أن ندرك بأن أمامنا تحديات كبرى على مستويات عديدة سواء النفسيات والذهنيات الرازحة تحت المؤثرات الداخلية والخارجية أو تلك الجهات التي تريد لنا ان نذهب نحو مربع التبعية والإلحاق السياسي والاقتصادي بالمحتل والميل إلى السكون والراحة تحت دعاوى ومبررات واهية .

ولذلك نحرص على إرساء دعائم مدرسة سياسية رائدة قوامها منهج التحرر من الظلم والاحتلال والعمل على امتلاك القدرة للدفاع عن النفس والتخندق الدائم مع الشعب في التعبير عن طموحاته وآماله على الصعيد السياسي والحياتي .

والسياج المتين لهذه المدرسة السياسية يتمثل بالثوابت والمبادئ والأهداف والأولويات

 

الثوابت والمبادئ

-   الإسلام عقيدة ينبثق عنها تصور متكامل للإنسان والكون والحياة، واحكام تنظيم مختلف مجالات الحياة وتشجيع افضل القيم المنظمة لحركة الفرد والمجتمع .

-   فلسطين وحدة جغرافية وتحريرها واجب فلسطيني وعربي واسلامي، والشعب الفلسطيني بما يمتلك من قدرات لن يدخر جهداً لتحقيق هذا الهدف، ويمكنه ان يقبل التمرحل في التحرير بالمستوى الذي توافقت عليه القوى مرحلياً في تحرير الضفة والقطاع والقدس وعودة اللاجئين والإفراج عن الأسرى وإزالة كل مظاهر الاحتلال، ويحتفظ كل طرف برؤيته الاستراتيجية وتقديره لطبيعة الصراع مع المحتل .

-   الوحدة الوطنية تراباً وشعباً وتراثاً واعتبار التنوع الموجود عنصر قوة انصهرت مكوناته خلال التاريخ الفلسطيني المعاصر وتشكلت وحدته من خلال نضال ومقاومة وتضحيات الشعب الفلسطيني .

-   فلسطين جزء من هذه الأمة وحضارتها، وقد تفاعلت مع محيطها العربي والإسلامي فأعطت وأخذت منه، وتضامنت مع قضاياه، فكانت محط اهتمام ودعم متواصل ومن خلال هذا الانتماء والترابط والتعاون تتحقق آمال وطموحات شعبنا .

-   الانتخابات الحرة والنزيهة التي تعطي للشعب حقه في اختيار ممثليه دون إكراه أو وصاية وإيجاد نظام سياسي يقوم على العدل والمساواة والحرية والشورى والديمقراطية في كل المؤسسات وعلى جميع المستويات، وذلك لضمان التداول السلمي على السلطة  .

-   الحرية السياسية باعتبارها مبدأ إسلامياً ومطلباً وطنياً فكل مواطن له الحق في التعبير عن آرائه وله الحق في العمل والكسب والتنقل وعليه بذل الجهد بإخلاص لتحرير الأرض وبناء المجتمع .

 

الأهداف والأولويات

-   استمرار العمل والجهد والتعاون بين الجميع وحماية المقاومة واستمرارها لتحقيق أهداف شعبنا وطموحه في الحرية والعودة والاستقلال .

-   حماية وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وصونها من العبث، وتجينبه ويلات الصراع الداخلي .

-   الدفاع عن هوية الشعب وقيمه وثوابته ومبادئه واشراكه في إدارة الحياة السياسية والمدنية حال تحرير أي جزء من أرضه .

-   تحقيق الأمن للشعب الفلسطيني من خلال حمايته والتصدي للعدوان الذي يتعرض له وذلك على طريق دحر الاحتلال واستعادة الحقوق .

-        الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني بما يضمن حريته وكرامته .

-   العمل على تجسيد مشاركة سياسية حقيقية تقوم على التعددية السياسية تحقيقاً لشعار         ( شركاء في الدم شركاء في القرار ) .

-   نشر الأخلاق والآداب الإسلامية والقيم الإنسانية الفاضلة، وحماية المجتمع الفلسطيني من أي مظهر من مظاهر التفكك أو الانحلال .

-   ترقية وتفعيل منظومة المجتمع المدني ومؤسساته الخدماتية المختلفة للمساهمة في تخفيف الأضرار الناجمة عن الاحتلال والعدوان .

ونرى ان هذه الأهداف والثوابت تتحقق باعتماد الأسس السياسية التالية

-        الوطن لكل أبنائه ( وطنية شاملة ) .

-        التحرير يسبق إقامة الكيان أو الدولة ( سيادة كاملة ) .

-        الحوار الجاد والمتواصل ( حوار متعدد ) .

-        الإقصاء سياسة مرفوضة ( وهم تبدد ) .

-        الاستئثار عفى عليه الزمن ( خلق تعفن ) .

-   الخارطة السياسية لشعبنا تغيرت والتضحيات والقادة والشهداء الكبار في ميزان الخارطة السياسية المقبلة ( قوى تجددت ) .

-        المشاركة ليست منَّه ولكنها حق ( لمن صدق وليس لمن سبق ) .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026