في حضرة سيدة فلسطين أم بكر بلال

في حضرة سيدة فلسطين أم بكر بلال

فؤاد الخفش
2011-06-08

تشعر للوهلة الأولى وأنت تجلس بجوارها أنك أمام كتلة من الحب والحنان وحالة فريدة قد لا تجد لها مثيلا في مثل هذه الأيام وحيوية ونشاطا قل نظيرها في زمن أصبحت البطولة والفداء فيه عملة…

تشعر للوهلة الأولى وأنت تجلس بجوارها أنك أمام كتلة من الحب والحنان وحالة فريدة قد لا تجد لها مثيلاً في مثل هذه الأيام وحيوية ونشاطاً قل نظيرها في زمن أصبحت البطولة والفداء فيه عملة نادرة وقيمة مفقودة.

أجلس أستمع لها تحدثني عن قصص من زمن قديم نحنّ إليه ونعشقه، نحن الذين سمعنا عن قصص أصحاب السبق والصدق ولكنها هي من عاشته واقعاً وحقيقة في كنف زوجها الشيخ الداعية الراحل الشهيد سعيد بلال فتحدثك عن بطولاته في نشر الدعوة وحكمته، وقد استمعت له ومنه عن ذلك التاريخ الذي وللأسف بقي في الصدور ولم تسجله السطور.

ولا يمكن لجلسة من جلساتنا في حضرة سيدة فلسطين وشجرتها الرومية إلا وللدموع من جلستنا نصيب، كيف لا وهي صاحبة القلب الرقيق والمشاعر المتدفقة تحدثني عن أقمارها المأسورة وبنيها الموزعين على السجون وسنين العمر التي مضت وبنوها بين الأسر والسجن والمطاردة ومراكز التوقيف والتحقيق والسجون العزل.

دموع أمي سيدة فلسطين حارة غزيرة تشعر وهي تخطّ  خطيها على خديها الذي اعتاد على هذا النوع من الدموع بمدى شوقها وحنينها لمن غاب منذ ربع قرن عثمان مهجة فؤادها الحنون عليها..  والقريب من قلبها صغيرها الذي لا تريد أن تعترف أن عمره أصبح ستة وثلاثين عاماً أمضى ما يزيد عن نصفها في السجون... لا تملّ عن الحديث عنه وأنا الذي أعرفه وعايشته في السجون والساحات.

عثمان مهجة فؤادها وروحها السجينة وحبها السرمدي لا تفتأ ترضى عليه وتهديه رضاها وحبها وحنينها وتمنياتها بقرب الفرج ولمّة العائلة التي تشتتت منذ ما يزيد عن عشرين عاماً هي عمر الانتفاضة الأولى وبدء العمل النضالي للرجال المأسورين أبناء الراحل سعيد بلال والصابرة أم بكر بلال رومية فلسطين.

أما حديثنا عن معاذ فهو حديث الروح للروح حديث لا يخلو من المزاح والضحك والابتسامات التي توقفها دمعات الحاجة رابعة الرومية الصابرة... فمعاذ رجل صاحب نكتة ودماثة وظل خفيف... صاحب ابتسامة يعرفها كل من عاش مع الصديق والحبيب الأكثر روعة... تعرفه النجاح وجنباتها إن بقي من رجال النجاح الأقحاح أحد على قيد الحياة.

معاذ نوع خاص من الرجال لحركاته وفصاحته نكهة خاصة... محبوب الأسرى على الإطلاق... الشاعر الأسير وصاحب القلم المميز والحنجرة التي لطالما لعلعت في سماء الوطن تمجد المقاومة وتلعن المحتل.

وما بين حديثنا عن معاذ ونكاته ومزاحه وعثمان وروعته وحنانه يدخل صغير الحاجة أم بكر عبادة الذي تتحدث عنه بفخر وفخار فهو آخر العنقود كما يقولون في بلادنا، وتتحدث عن حبه لفلسطين وتضحياته وعشقه للشهادة، وإذا ما سمعت مزاحاً من أحد إخوانه عنه فإنها تتحفز بسرعة مذهلة.. تقول ما حد يحكي على عبادة فهو حبيبي وابني الصغير يقاطعها أحد الأشقاء فيقول لها لقد أصبح عمره فوق الثلاثين أي صغير هذا ؟؟ تقول هو صغيري وأسأل الله له الفرج القريب.

أما الحديث عن بكرها بكر وحبيب قلبها الذي ما يكاد يخرج من الأسر إلا ويعود إليه فهو له نكهة خاصة ممزوجة بالمشاعر المفعمة والتمنيات أن لا يعود إلى السجن... كذلك الحال حين حديثها عن عمر الذي لطالما اعتقل مع إخوانه.أثناء نبش الماضي واستجلاب الزمن القديم واستذكار قصص الأحباب وانهمار الدموع تكون المشاعر متناقضة، خلْ نفسك أنك تبتسم وأنت تذكر قصة مضحكة لأحد أحبابك وبعد نصف ثانية تنهمر الدموع دموع الشوق والفراق وتبدد هذه الدموع قصة مضحكة أخرى..

أي قلب هذا الذي يبتسم ويضحك في أقل من ثانية... إنه قلب الأم التي ما مات أمل اللقاء ببنيها وأحبابها.فجأة وبدون سابق موعد يرن هاتف النقال وإذا بنغمة الهاتف تقول (يا إمي الحنونة يا إمي لا تبكي علينا، لازم نتحمل يا أمي الله بالعونا) تقوم بشكل سريع الحاجة أم بكر لتتناول الهاتف النقال وتفتح الخط وتقول ( السلام عليكم يا حبيب قلبي ) علمت حينها أنها خصصت هذه الرنة لأحد أولادها بالسجن والذي يستطيع أن يتحدث بالخفاء، وفي دقائق معدودة مفعمة بالمشاعر الجياشة لأم سرق منها جميع بنيها تبدأ الحديث بالاطمئنان عنهم وعن صحتهم ليس وحدهم بل هم ورفاق قيدهم فرومية فلسطين تعتبر كل الأسرى بنيها، ومن ثم تبدأ بتثبيت الشباب ودعوتهم للصبر والصيام والصلاة والدعاء وتطلب منهم أن يكثّفوا من قراءة الكتب والاستفادة من الوقت وتنتهي المكالمة بقول ابنها لقد اقترب أحد الجنود من الباب وتقطع المكالمة وتنظر هي للهاتف مكالمتها انتهت وتتنهد وتدعو لهم وتجلس تحدثني من جديد عن ابنها الذي لا ينتهي الحديث عنه.

في حضرة سيدة فلسطين التي تدعو لبنيها بالشهادة والحرية والنصر والتمكين تشعر كم هي عظيمة هذه الأم الفلسطينية وتشعر كم هي مقدامة مضحيّة معطاءة بلا حدود، تعشر بالشعرة الفاصلة ما بين حب الوطن وحب الأبناء وكيف أن الإنسان قضية وأن الإنسان فكر ومبدأ وأن حب الوطن لا يعادله حب وأن الحياة في سبيل الله أسمى حياة وأنبل حياة ولا يعادلها حياة.

شاهدتها وقبّلتُ جبينها يوم استشهد زوجها الشيخ الراحل سعيد بلال وسمعتها وهي تودعه بأن لا تحزن فقد أديت الأمانة يا شيخ وأن بنيك الأربعة المعتقلين في سجون الاحتلال مفخرة فلسطين وإنك وإن الزرع الذي زرعت قد أينع نبتة اسمها حماس جذورها عميقة في هذه الأرض وأغصانها عالية في سماء هذا الوطن منهم من رحل ومنهم من أسر ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

أزهر الزرع يا شيخ سعيد بلال، وإن لم يكن حول زوايا نعشك الأربعة إلا واحد من أبنائك فكل من حول النعش هم من أحبابك وتلاميذك ومن زرعت... يلتفون حولك الساعة... جزء منهم من حبه لك وآخر لأنه تربى على يديك وغيرهم من رفاق قيد بنيك وآخرون وآخرون قدموا من كل مكان ومكان.. قدموا يلقون نظرة وداع على صاحب السبق ورجل الصدق كما نحسبه ولا نزكي على الله أحداً.هذه بعض الخواطر التي أحببت أن أسجلها في هذه الفترة من العمر عن هذه العملاقة المتمردة على كل مصاعب الحياة... من أنجبت لفلسطين أقماراً خمسة.. وتبع الأقمار أحفادها النجوم التي بدأت تكبر تتشرب بطولات الخال والعم لعلّي بذلك أستطيع أن أقارب الحقيقة في وصف شجرة فلسطين وسيدتها الحاجة رابعة بلال أم بكر حفظها الله وأطال في عمرها 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026