جدول عادي لم تكن المسيرات التي انطلقت معبرة عن اتفاق المصالحة في الضفة الغربية سوى استجابة لمشاعر التحرر من الكبت والرغبة الجامحة للخروج الى الشارع والتعبير عن وجود حركة حماس…
لم تكن المسيرات التي انطلقت معبرة عن اتفاق المصالحة في الضفة الغربية سوى استجابة لمشاعر التحرر من الكبت، والرغبة الجامحة للخروج الى الشارع والتعبير عن وجود حركة حماس في الضفة، وانا اقصد تلك المسيرات التي خرجت باسم حركة حماس، هذه المسيرات لم تخرج من منطلق دعوة تنظيم بشكل مبرمج ومدروس ينبع من قرار تنظيمي بحت، ذلك لأن حركة حماس لم تنظم صفوفها في الضفة الغربية حتى الآن، ولم تشكل هيكليتها الداخلية بعد، فخروج هذه المسيرات كان بشكل عفوي لمناصري حماس وبعض قياداتها البارزة كردة فعل تستند الى مشاعر المتجمهرين.
حماس اليوم في الضفة الغربية تظهر للمشاهد بأنها لازالت غير قادة وعاجزة عن تنظيم فعاليات حقيقية على ارض الواقع ايا كانت تنظيمية او جماهيرية او غير ذلك، فحماس اليوم بعد توقيع الاتفاق في القاهرة لم تتغير عما كانت عليه قبل توقيع اتفاق المصالحة، على الأقل ظاهريا امام الاعلام، وفي الشارع امام المشاهد الفلسطيني، بل حتى امام انصارها المتلهفين لنشاط يعيد الى اذهانهم ايام ما قبل الانقسام، المتشوقين الى عمل يثبتون لأنفسهم به ان حماس موجودة وقادة وقوية. كثيرون هم الذين انتقدوا الحركة بتصرفها هذا والذي عده البعض خمولا وقلة دراية بالواقع وسوء في الادارة، وهذا مناف لما تتبناه الحركة اليوم، ان الحركة تنهج نهج الحذر اكثر من كونها تتعاطى مع الوضع ببساطة وعفوية قاتلة، فلم تنحن الحركة لمطالب كثيرين من ابنائها الذين طالبوها بالخروج الى الشارع بوزنها وثقلها وعودتها الى العمل الروتيني المطلوب منها في الضفة، ولم تنصب نفسها محققة لمطالب انصارها المتلهفين لما لا دراية لهم به.
الحذر الذي تنهجه حماس في الضفة الغربية يوضع حسب رأيي تحت خانة الدراية والفطنة التي وفقها الله اليها، لا تحت خانة الخوف والإذعان كما يدعي البعض وإن كنت لا انكر هذا لدى كثيرين، ولكن تبقى استراتيجية الحذر هي المسيطرة على قرار حماس في الضفة الغربية اليوم، وهذا الحذر له مسوغه لدى حماس، فهذه المرحلة تعد بمثابة مرحلة انتقالية من القمع والاضطهاد الذي مارسه بحقها اجهزة امن دايتون – مولر في الضفة الغربية الى التحرر من هذا القيد الثقيل، هذه المرحلة هي اخطر من سابقتها على حماس بقياداتها وانصارها من الفترة السابقة والتي كان القمع فيها اضعاف هذه المرحلة، فالاجهزة الامنية ايضا هي في خضم هذه المرحلة الانتقالية، من القمع الى المجهول، فإذا تمت المصالحة كما نشتهي فقد كسبت حماس الوقت لإعادة بناء تشكيلاتها واعادة تنظيم صفوفها من جديد بكل هدوء وروية، وان فشلت هذه المصالحة ولم تخرج الى حيز التنفيذ كانت حماس هي صاحبة المكسب الأكبر، متغلبة بذلك على ترقب الأجهزة الأمنية التي تسجل كل صغيرة وكبيرة هذه الايام متابعة تحركات انصار حماس وقياداتها في كل شاردة وورادة، فتكون بذلك حفظت نفسها من الوقوع في براثن الاجهزة الامنية من جديد، وفوتت الفرصة على هذه الأجهزة اذا ما فشلت المصالحة، والكل يعلم انه لا ضمان يمكن ان تتمسك به حماس وتركن اليه في تعاملها مع الاجهزة الامنية، خصوصا وأن الاعتقالات لم تتوقف بعد، والمعتقلين السياسيين لم يفرج عنهم بعد، او لنقل اتفاق المصالحة بمجمله لم ينفذ بعد.
من الحنكة في التعاطي مع المرحلة الحالية ان تتعامل حماس بروية وهدوء وحذر شديد، وانتكاسة الاربع سنوات الماضية لا يضيرها فترة حذر اختيارية تنفذها حماس في هذه المرحلة، وعلى انصار حماس ان يدركوا هذه الحقيقة، وألا تستفزهم مشاعرهم الجياشة للوقوع في فخاخ الأجهزة لتجهز عليهم في المستقبل في حال فشل اتفاق المصالحة، وليعطوا كل شيء حقه ومستحقه من الوقت والإعداد والتريث حتى لا يندموا ان حدث ما لا يتمنونه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع