جدول عادي يلاحظ المتأمل في تاريخنا أنه إذا رسخت إرادة القتال في قلوب أهل الحق في أي زمان ومكان فإنهم ينتصرون على الباطل وأهله ولا يهزمون أبدا مهما قل عددهم وضعف عتادهم ومهما تميز…
يلاحظ المتأمل في تاريخنا أنه إذا رسخت إرادة القتال في قلوب أهل الحق في أي زمان ومكان؛ فإنهم ينتصرون على الباطل وأهله، ولا يُهزمون أبداً، مهما قلّ عددهم، وضعف عتادهم، ومهما تميز أهل الباطل عنهم بالعَدَدِ والعُدَد.
فعندما ملأ حب الجهاد والاستشهاد قلوب أجدادنا الأوائل من الصحابة الكرام، لم تمنعهم القلة من القتال على جبهتي إمبراطوريتي الفرس والروم العظيمتين، في وقت واحد، ونجحوا في فتح بلادهم، بالرغم من الفرق الهائل بينهم في موازين القوى، فقد كان القادة في ميادين القتال يرسلون إلى الخليفة، يطلبون المدد، فيرسل إليهم أحياناً رجلاً واحداً، من عشاق الجهاد، فترجح به كفة المسلمين، ويتحقق النصر، فقد طلب خالد بن الوليد وعياض بن غنم المدد من أبي بكر، فأرسل القعقاع بن عمرو إلى خالد، وقال: "لا يهزم جيش فيهم مثل هذا"، وأرسل إلى عياض عبد بن عوف الحميري.
واقتحم طارق بن زياد أسبانيا بسبعة آلاف مجاهد، بالرغم من كبر مساحتها، وكثرة سكانها، وعندما علم أن ملكها لذريق قد خرج لقتالهم بنحو مائة ألف جندي، أرسل إلى موسى بن نصير يقول:" الغوث الغوث"؛ فأمده موسى بخمسة آلاف، وبعث إليه يقول:{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يهزم اثنا عشر ألفاً من قلة}، ونجحت هذه الفئة القليلة المؤمنة بإلحاق هزيمة نكراء بالقوط، في معركة شذونة سنة 92هـ، وتمكنت من فتح العاصمة طليطلة.
وفي سنة 463هـ فوجئ السلطان السلجوقي ألب أرسلان، وهو يجاهد في أرض الروم مع خمسة عشر ألفاً من المجاهدين، بجيش روماني يزحف نحو ديار المسلمين، يتكون من ثلاثمائة ألف مقاتل، يقودهم ملكهم رومانوس، ولم يكن بإمكان السلطان أن يستدعي مزيداً من الجنود، فعرض عليه الهدنة، لكنه ردَ ساخراً: "هيهات لا هدنة...ولا رجوع إلا بعد أن أفعل ببلاد الإسلام مثل ما فُعل ببلاد الروم"، فقرر المسلمون الجهاد، وتعاهدوا على القتال حتى النصر أو الاستشهاد، وهزموا الروم شر هزيمة، وأسروا ملكهم، وحرروا به كل أسرى المسلمين في بلاد الروم، وحصلوا على فدية كبيرة، وضموا إلى ديار الإسلام أكثر من 400 ألف كيلومتر2 من أرض الروم.
وفي سنة 492هـ سقطت القدس وجميع مدن الشام في أيدي الصليبيين، لأن حكام هذه المدن وسكانها فقدوا إرادة القتال، بسبب انغماسهم في اللهو والترف، حيث خرج أمراؤها ومعهم حاشيتهم معلنين استسلامهم للصليبيين، لكن عسقلان قررت أن تقاتل، وصار أهلها يخرجون لصد الصليبيين كلما تعرضوا لهجومهم، فصمدت إلى سنة 547هـ، ولم تسقط إلا بعد أن تنازع أهلها، حيث عادوا في إحدى المرات بعد صدهم لهجوم صليبي، واختلفوا أيُّهم الذي أبلى بلاء أفضل، وتحول النزاع إلى حرب أهلية، مكنت الصليبيين من احتلال المدينة.
وتمكن المغول من احتلال بغداد، وذبح أكثر من مليون من أهلها سنة 656هـ، عندما فقد العراقيون إرادة القتال، بسبب إحباطهم من خيانة الوزير الشيعي ابن العلقمي، الذي هيأ بغداد للسقوط. ثم احتل المغول الشام سنة 658هـ، بسبب حالة الرعب التي أصابت أمراءها، وجعلتهم يقررون الهروب. وطمع المغول في احتلال مصر، لكن حاكمها المؤمن قطز، وعالمها العز بن عبد السلام قررا الجهاد، وبثا إرادة القتال في المصريين، فخرجوا لقتال المغول، وتمكنوا من سحقهم في معركة عين جالوت، بعد خمسة أشهر فقط من احتلالهم للشام، وهكذا أدت إرادة القتال إلى أن تنتصر الأمة على جيش المغول الذي لم يُهزم من قبل. وهذا ما حصل في غزة في معركة الفرقان، فقد اجتمع أهلها قيادة وشعباً على صد العدوان الصهيوني، وقرروا النصر أو الشهادة، فكان النصر على الدولة المتغطرسة، التي خضعت لها جيوش العرب والمسلمين الفاقدة لإرادة القتال.
وستبقى غزة منصورة بإذن الله، بقرارها الثابت، وشعارها الخالد:" إنه جهاد نصر أو استشهاد".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع