جدول عادي كاتب هذه السطور نشر في مناسبات سابقة انتقادات لحركة حماس ولن يتردد عن القيام بذلك عندما يجد ضرورة لكن الواجب في هذه اللحظة يتطلب الثناء على سلوك حركة حماس للأسباب التالية…
كاتب هذه السطور نشر في مناسبات سابقة انتقادات لحركة حماس، ولن يتردد عن القيام بذلك عندما يجد ضرورة، لكن الواجب في هذه اللحظة يتطلب الثناء على سلوك حركة حماس للأسباب التالية: السبب الأول يتمثل في قبول حركة حماس الاحتكام للجماهير وتحركاتها، وليس للشرطة وأدواتها، وبالتالي وافقت وسمحت ووفرت كل الأجواء لنجاح المسيرة والاعتصام، وشاركت فيها بكثافة كبيرة. أما السبب الثاني فهو لأجل خروج الأخ أبو العبد في نفس اليوم وإعلانه الاستجابة للجماهير، واستعداده للجلوس مع الأخ أبو مازن لنقاش كافة القضايا دون شروط مسبقة.
هذان السببان يستحقان توجيه الثناء والشكر لحركة حماس، بالطبع هنالك تفاصيل في بعض الترتيبات يمكن أن تكون محلاً للنقاش وللنقد والاعتراض، ولكن أنا أتحدث عن الوجهة العامة؛ التي يجب أن نشجعها ونساعد على تطويرها.
ينطلق موقفي هذا من قراءة سلوك حركة حماس وحكومتها استناداً إلى جملة الظروف الموضوعية التي تعيشها حماس وحكومتها، وليس بناءً على ما يجب أن يكون، أو ما أتمنى أن تكون عليه الأمور، أو ما أدعو إليه، فأنا منحاز للالتزام بالقانون، وإطلاق الحريات، لكن التحليل السياسي للأحداث يتطلب الاعتماد على ما هو قائم، وملاحظة تطوره، والاجتهاد في تطويره نحو ما يجب أن يكون.
إن أية سلطة في الدنيا لا تستطيع أن تحكم وتحقق الاستقرار بدرجة كبيرة من السلاسة والانسياب؛ إلا إذا توفرت لها ثلاثة أنواع من القوة: أولها القدرة على الإغراء، أي امتلاك مصالح الناس والقدرة على توفيرها، وثانيها القدرة على الإقناع، وهذا يعني امتلاك الشرعية السياسية، إضافة إلى برنامج أو على الأقل مجموعة من نقاط الإجماع التي يتراضى عليها الناس، وثالثها يتمثل في القدرة على الإكراه، بما يقتضيه الأمر من استخدام للسلاح والشرطة والأجهزة الأمنية.
ولا يخفى على أحد أن حماس وحكومتها لا تملك من النوع الأول الكثير، فأعداد كبيرة من الناس مرتبطة بمصالح مع جهات أخرى (هذا لا يعني هجاءً للناس)، ولكن هذه حقيقة، أعداد ضخمة من الموظفين تتلقى رواتب من رام الله، وأعداد لديها تمويل من جهات خارجية، وهنالك شريحة كبيرة لها مصالح مع حماس وتعمل في مؤسساتها سواء الحكومية أو غير الحكومية، هذه الحالة تجعل حماس غير قادرة على جذب قطاع واسع من الناس، بل بالعكس؛ البعض يرى أن مصلحته في الابتعاد عن حماس، وهذا يدفعنا للقول إن النوع الأول من أنواع القوة لا تستطيع حماس الاستفادة منه بدرجة كبيرة في تحقيق الاستقرار.
أما النوع الثاني من القوة، فإن المجتمع الفلسطيني منقسم إلى ثلاث كُتل، الأولى تؤيد حماس لأسباب أيديولوجية وبرامجية ومصلحية، والثانية تعارض حماس لذات الأسباب ممثلة بفتح وموظفيها، والثالثة وهي قوى اليسار التي تختلف مع حماس أيديولوجياً، والآن تبرز قوى المجتمع المدني وتحاول أن تؤثر في المشهد؛ إضافة إلى قوى الشباب الصاعدة، حتى هذه اللحظة لا يوجد نقاط إجماع متفق عليها بين هذه القوى، إضافة إلى أن الشرعية القانونية لكل المؤسسات أصبحت منهية، وبالتالي فإن القدرة على إقناع الجميع متعذرة.
وبالنسبة للنوع الثالث من أنواع القوة، فإن حماس تمتلك قوة أمنية كبيرة وقوية، مشكلة هذه القوة أنها جديدة، ولم تتلق المعرفة أو التدريب الكافي، وتعمل في سياق أزمات متحركة، ولم تتمكن من مراكمة خبرات خلال السنوات بفعل الحرب والقصف، وقلة الإمكانيات، أنا لا أُبرر- هذا ليس تبريراً – وإنما وصفاً للحالة وتحليلاً لها، وفي بعض الأحيان أُشبِّه تعامل الأجهزة الأمنية في غزة بالسائق الجديد الذي يُضطر لاجتياز اختناقات مرورية، لكنها ذات طبيعة مختلفة، فيضطر لعمل بعض الحوادث، وهو يحاول أن يجتاز المفترقات.
لكن كان النوع الثالث من القوة هو المتاح أمام حماس وحكومتها لمعالجة المواقف، وتحقيق النظام والأمن والاستقرار، وكانت حماس تلجأ إليه اضطراراً وليس اختياراً، أو على الأقل حسب تقدير حماس للحالة والموقف، وأستطيع القول إن أية قوة في الدنيا تعيش هذا الظرف؛ لن تجد مفراً من استخدام هذا الأسلوب، وهنا أيضاً لا أبرر استخدام العنف.
الآن، وعلى ضوء ما استجد، وعندما تصدر دعوات للخروج للشارع للمطالبة بإنهاء الانقسام، وما اعترى هذه الدعوات من ملابسات كثيرة، عندما تقرر حماس وحكومتها السماح بالتظاهر والمشاركة فيه، وتوفير كل إمكانيات إنجاحه، وعدم اللجوء للقوة ابتداءً لمنع التظاهر، أعتقد أن هذا شيئ جديد، يجب أن نراه، بغض النظر عن الكثير من التفاصيل التي تستحق النقد، وأنا أدعو حماس، حركة وحكومة، إلى الاعتماد على قوة الجماهير، فالمرحلة القادمة هي مرحلة الجماهير.
واُذكِّر حماس بأن تاريخها مع الجماهير مُشرّف، فالجماهير باستمرار، ولا تزال، تمنح حماس الحماية والرعاية والدعم والتأييد، وعلى سبيل المثال فإن الجماهير وقفت مع حماس ضد الاعتقال السياسي، والجماهير أوصلت حماس للأغلبية في البلديات وفي التشريعي، الجماهير احتملت الحصار وواجهته رغم كل التحريض، والجماهير صمدت في الحرب واحتضنت المقاومة، والجماهير اليوم لا تزال مستعدة لمواصلة المشوار.
وهذا يتطلب من حماس أن تنسى كل ما اعترى علاقتها مع الجمهور من تشويش على خلفية المناكفات السابقة، الآن لن يقوى أحد على التخريب، لأن الثورات العربية حددت نموذجاً للسلوك الراقي والحضاري لكل من يريد أن ينزل للشارع، ومن يخالف سيخسر.
وأنا أدعو حماس أن تضع نصب عينيها أن المرحلة القادمة هي مرحلة الجماهير؛ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهذا يتطلب استعداداً وتجهيزاً واستنفاراً -في المجالات الفكرية والإعلامية والسياسية- للعمل على مدار الساعة، وتمكين الناس من التعبير عن آرائهم، وتشجيع الرأي العام لكي يكون حكماً على سلوك الجميع.
لقد دخلنا مرحلة جديدة أصبح الناس يشعرون فيها بقوتهم وقدرتهم على العمل والتغيير، وحماس تمتلك مخزوناً بشرياً هائلاً؛ بإمكانها أن تعتمد عليه في تدعيم بناء القوة الاجتماعية المنسجمة والحصينة، والقادرة على المساهمة في تحقيق طموحات الشعب.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع