في المقاومة..المفاصلة الوطنية

في المقاومة..المفاصلة الوطنية

د. عصام عدوان
2011-03-16

جدول عادي ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم هود ما حل استعمار ببلد إلا وسعى إلى التفريق بين أهله وزرع الفرقة بينهم والرهان على بعضهم…

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..) (هود: 118-119)

ما حلّ استعمار ببلد إلا وسعى إلى التفريق بين أهله، وزرع الفرقة بينهم، والرهان على بعضهم دون بعض، إدراكاً منه بأن النفوس الضعيفة، وذوي المصالح والأهواء منبثون في كل أمة وفي كل زمان ومكان. وينبري بعض هؤلاء لتقديم خدماتهم للاحتلال، وتمرير مخططاته. ويعمدون إلى إلباس أعمالهم لباساً وطنيا. هذا ما حصل عندما احتلت بريطانيا فلسطين، فانبرى راغب النشاشيبي يدعو للتعامل مع بريطانيا وقبول كل ما تعرضه من حلول ومبادرات، بدعوى الواقعية السياسية، وسياسة خُذ وطالب. وقد أدى ذلك إلى شق عصا الحركة الوطنية، وفتَّ في عضدها، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الحركة الوطنية وإغراء الاحتلال بها. وقد تكرر هذا المشهد في محطات عديدة من تاريخ القضية الفلسطينية، فكان سبباً من أسباب فشل الثورة الكبرى بين عامي 1936-1939م، حيث مال هذا الفريق المهادن إلى إنهاء الثورة، ومال إلى الحوار مع بريطانيا، وبمجرد طرح بريطانيا لمبادرة الكتاب الأبيض لعام 1939 أعلن قبوله بها غير آبه بوحدة الموقف الوطني، خصوصاً وأن غالبية الحركة الوطنية قد عارضت تلك المبادرة.

إن الوحدة الوطنية شعار أجوف لا يحمل في ذاته أي معنى ما لم يقترن بعنصر تمييز. فأعوان الاحتلال يطالبون بوحدة وطنية تقف موقفهم. ومناهضو الاحتلال يطالبون بوحدة وطنية تناهض الاحتلال . فمع أي وحدة من هاتين يمكن أن يلتقي الناس، وإلى أي وحدة يدعو الناس؟ لقد أقامت ألمانيا النازية حكومة إيتان العميلة لها في فيشي بفرنسا، ووجدت هذه الحكومة العميلة أعواناً لها من داخل الشعب الفرنسي. لكن الجنرال ديغول قاد الفريق المناهض لألمانيا والمناهض لحكومة فيشي، ولجأ إلى بريطانيا التي احتضنته، والتفَّ حوله الوطنيون في فرنسا. فهل كان لائقاً القول: "لماذا هذا الانقسام بين الشعب الفرنسي؟ لماذا لا يتوحد إيتان مع ديغول حقناً لدماء الفرنسيين؟" لاشك أن كل طرف منهما كان يرغب في وحدة وطنية تجعل الشعب بكامله وراءه ومعه. فهل كان من المناسب الدعوة إلى وحدة وطنية بين نقيضين؟. والحال نفسه حصل في جنوب لبنان عندما دعمت (إسرائيل) الرائد سعد حداد ليحكم منطقة الحزام الأمني من جنوب لبنان، فتصرَّف كإسرائيلي ولم يتصرف كلبناني. فأي وحدة وطنية كان يمكن إجراؤها بين الوطنيين اللبنانيين وبين سعد حداد وأنطوان لحد؟؟!

لقد التفَّ الشعب الفلسطيني حول العمل الفدائي في أواخر الستينيات. فما الذي فرَّق شمله؟ أليس هو دعوة فريق من فصائل منظمة التحرير إلى الواقعية السياسية والحل المرحلي؟. لقد شق هذا الفريق عصا الوحدة الوطنية التي كانت موحدة في رؤيتها ضد الاحتلال. وما لبث هذا الفريق أن أعلن قبوله بقرار 242 الذي يعترف بـ (إسرائيل) ويلغي مطالبته بتحرير فلسطين 1948. بينما بقي فريق آخر متمسك برفضه للاحتلال وبعدم المساومة على الحقوق والثوابت الوطنية. ثم ذهب الفريق المهادن إلى مدريد ثم وقّع اتفاق أوسلو غير آبهٍ بوحدة الصف الفلسطيني. ولا شك أنه كان يتمنى أن يتوحد الشعب الفلسطيني من ورائه ويقبل معه بالحلول الاستسلامية. وبالمقابل كان الفريق الرافض للحلول الاستسلامية متمسكاً بثوابته وراغباً في اصطفاف الشعب وراءه ومعه. إن ذهاب الفريق الفلسطيني المهادن إلى مدريد وأوسلو كان في حقيقته إعلان العداء على الرافضين لهذا النهج المفرِّط، وقد برز هذا السلوك المعادي في عمليات قمع واعتقال وتعذيب وقتل واستباحة الفريق الوطني الثاني، ومع تراكم هذه المواقف المتماهية مع الاحتلال، رسَّخ هذا الفريق المهادن حالة الانفصال والفُرْقة والانقسام في الشارع الفلسطيني.

إن حالة الانقسام والمفاصلة بين منهج التفريط بفلسطين وبالحقوق الوطنية، وبين منهج التمسك بفلسطين والثوابت الوطنية، هي الأصل، لأن الحق والباطل لا يلتقيان. ولا يوجد قواسم مشتركة بين الخائن لوطنه والفدائي.

إننا ندعو إلى وحدة وطنية على أساس التمسك بالثوابت الوطنية بدون انتقاص أو تحريف، وعلى أساس معاداة (إسرائيل) ورفضها. فمن كان مع هذه الأسس، فنحن معه، ومن زاغ عن هذه الأسس فهو انفصالي، انقسامي يرفض الوحدة الوطنية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026