وشعوبنا تقفو ركابك –

وشعوبنا تقفو ركابك – "لله درك غزة"

د. حسن محمد موسى
2011-03-16

غزة الصغيرة العملاقة النائمة اليقظة الهادئة الهادرة الساكنة على أمواج المكر العاتي القابضة على عنق حصار سادي المتمردة على عادات الطاعة للغربي الغاصب أو للشرقي الراغب في حجب الحرية…

غزة.. الصغيرة العملاقة، النائمة اليقظة، الهادئة الهادرة، الساكنة على أمواج المكر العاتي، القابضة على عنق حصار سادي، المتمردة على عادات الطاعة للغربي الغاصب أو للشرقي الراغب في حجب الحرية عنها، الثائرة على المستعمر قبل بزوغ الصبح الدافئ على أصقاع عروبتنا المغيبة في دهاليز القرصنة الوحشية لقراصنة سلبوا الأمة إرادتها.

هي حالة إبداع بشرية رغم مساحتها الجغرافية الضيقة بمظهرها، الشاسعة بمد روابطها، ليس فيها علامة تحديد أهمية الوقت الزمني لتلك الحالة، أو ضخامة أبعادها الآنية. هي حالة إبداع وقدوة بتأثيراتها وصلاحيتها في أن تكون مثلا يحتذى، فمعظم حالات الإبداع ومضات كالبرق تؤدي إلى حالات تحول هائلة وخلق معادلات اجتماعية تنقض الماضي. هنا نقف، ولنعد ألف عام للوراء لنرى مشهداً يوحي باليأس والقنوط، ما أشبه اليوم بالبارحة، لم يكن على الإطلاق بأفضل مما كان عليه الحال قبل بدء ربيع الثورات المباركة المستمرة في عالمنا العربي بل ربما كان أسوأ كثيراً، ممالك وإمارات ودويلات متناثرة متصارعة متناحرة، لا تحسب حساباً لمصلحة قومية أو وطنية أو عقائدية، إنما مصلحة الفرد الحاكم لا غير، لا يردعه رادعٌ عن بيع نفسه ومملكته للعدو أو حتى للشيطان في سبيل تلك المصلحة . تحالفات مذلة سجلها التاريخ مع أعداء الأمة والغزاة من التتار والمغول والصليبيين، فالإخوة الذين تقاسموا الممالك وورثوها عن آبائهم تصارعوا وحالف بعضهم السلاجقة وحالف بعضهم الصليبيين، كل ذلك من أجل الكرسي المقيت، حتى أن منهم من أصبح من عتقاء نساء القادة من التتار والمغول بعد أن فروا أمام قطز وجنده المظفرين، أحوال مخزية بدأت بعد انهيار الفترة المزدهرة من الحكم العباسي وظهور الخلفاء الضعفاء الذين انساقوا خلف شهواتهم وملذاتهم الشخصية فنسوا أمر الأمة والدين والعقيدة، الأمر الذي أدى إلى تفتت الدولة واستئثار كل حاكم بولايته أو إمارته ليكون الباب مفتوحا على مصراعيه أمام التتار والصليبيين، بل وصل الأمر إلى حد التحالف مع المحتل والعمل كعميل له، وشن الحروب معه على الإمارات الأخرى، وذلك للحفاظ على نظمهم القزمية، كل ذلك لم يكن سيناريو من فيلم وإنما هو حقيقة الوضع الشائن لعالمنا العربي والإسلامي في القرن الأخير من الألفية الأولى وبدايات الألفية الثانية، وهو أشبه ما يكون بالوضع الرديء والمشتت الذي شاب أمتنا وعالمنا العربي مع القرن الأخير من الألفية الثانية وبدايات الألفية الثالثة. لقد كان التفريط بحقوق الأمة وعلى رأسها القدس السمة البارزة للتخاذل في الحقبتين لكن الإرادة الإلهية أنبتت من ينبوع عنايتها رجالاً أفذاذاً وعلماء أجلاء أمثال الإمام الغزالي والشيخ العز بن عبد السلام ليحرضوا الشعوب، فتتبعهم على خطى المجد، وتبرز الطاقات القيادية الإيمانية الجبارة التي لا تألو جهداً في الذود عن حياض الإسلام والمسلمين، طارحة خلفها كل طموح ذاتي أو منفعة أنانية.

كان صلاح الدين نعم من حمل تلك الأمانة والواجب عن الأمة، فالتحقت به الزحوف ليقف سداً منيعاً في وجه شياطين الإنس وليزيل الخبث عن أرض القدس الطاهرة وليعطي درساً يقتدى في الجهاد والانتماء للعقيدة. أن التشابه الموضوعي والتطابق العملي والنظري لذاك العصر بظلامه ونوره مع ما مررنا به من مراحل دامسة الظلام، وما نمر به الآن من علو للشعور الإيماني، وانطلاق الثورات التي تعتمد في جوهرها وأساسها على العامل العقائدي والوعي الوطني السليم لشعوبنا التي عانت القهر والقمع وصبرت طويلاً تحت سياط الذل، وحنت الرأس عقوداً لجبروت الإجرام النيروني الفرعوني المحدث. الإرادة الإلهية ومرة أخرى تقيض رجالاتها لنصرة الدين والعقيدة وتبث الهمة والإقدام في نفوس الشعوب لتنطلق من قمقمها هادرة مزمجرة تطيح بأصنام العبودية الزائفة للفراعنة الجدد وتقتلع أطناب الوهن والضعف والخور والعجز، بدأ الوميض في غزة، صارت هي المثل المقتدى بخلاف الحقبة الأولى حيث كان المثل رجالاً قلائل يشكلون النموذج الجهادي وتتبعهم الشعوب، أما الآن فهي غزة بما فيها ومن فيها، حيث ثبت الرجال أمام الزحف العاتي لأمواج الطوفان الصهيوني القادم في معركة الفرقان، طوفان مدعوم بقراصنة القهر الذين ذكرناهم، وبكل من أراد فناء غزة لأنه يعلم أنها الرائد في الثورة، ويعلم أنها ستكون الوميض الذي يحرق القيد لينطلق المارد وهذا ما صار حقيقة، لقد انطلق المارد بفعل إبداع غزة وثوار غزة الذين اقتفوا ركاب الرسول فصارت غزة النموذج والمثل.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026