جدول عادي بكلمات مقتضبة ووجه متجهم خرج نائب الرئيس المصري عمر سليمان والذي لم يمض على تعيينه سوى أيام قليلة على الشعب الغاضب في الميادين العامة لينهي مسرحية استنزاف الوقت ويعلن…
بكلمات مقتضبة ووجه متجهم، خرج نائب الرئيس المصري عمر سليمان، والذي لم يمض على تعيينه سوى أيام قليلة، على الشعب الغاضب في الميادين العامة، لينهي مسرحية استنزاف الوقت، ويعلن تنحي مبارك عن سدة الحكم.
ثلاثون عاماً من عهد الرئيس المخلوع مبارك، اختتمها شباب آمنوا بأن التغيير تصنعه إرادة الشعوب الحية، فاعتصموا في الميادين العامة، وملؤوا الساحات، وقدموا الشهداء والتضحيات دون توان أو تردد، حتى قضى الله لهم أمراً كان مفعولاً.
إبان عهد مبارك، تحولت مصر إلى مستجد للمعونات الخارجية، دخل جيوب مبارك وأسرته من أقوات المصريين ضعف ما نالته البلاد من الولايات المتحدة، وتحولت مصر إلى مجرد مقاول سياسي لتمرير الصفقات السياسية المشبوهة وضمان تنفيذها، ودفعت ثمنها مصر من مواقفها السياسية إزاء قضايا المنطقة. وخلال سني حكمه، تراجعت مكانة مصر في المنطقة والعالم، ودخلت في تيه التبعية لإرادة الخارج، الذي تذرع به مبارك أواخر عهده لتبرير استمراره في منصبه.
استنسخ مبارك استراتيجية الخطب الثلاث من نظيره بن علي، ووعى أخيراً مطالب شعبه وطموحاته وأقر بمشروعيتها، بعد أن تكللت القاهرة على مدى السنوات الماضية بأحزمة الفقر، وأضحت هجرة العقول والخبرات الشابة عنوان المرحلة وديدنها.
ما يميز ثورة مصر ويضعها في مصاف أرقى الثورات الشعبية في العالم، احتماؤها بالجيش الذي التزم الحياد ابتداء، ثم تدخل لحماية الثورة بعد ذلك، محرراً الذهنية العربية من صورة الدور السلبي للجيوش في تهديد استقرار البلدان العربية.
دولياً، لم ينفع نفاق الغرب في محو تردده إزاء دعم مطالب المحتجين، فوصف نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الثورة بالإنجاز التاريخي، ودعوة الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية إلى انتقال سلمي وديمقراطي للسلطة، ليس سوى محاولة للتمويه على مخاوف الغرب على مستقبل الكيان الإسرائيلي، ليس إلا.
ما بعد مبارك.. مرحلة جديدة ترتسم ملامحها، والسؤال هنا عن الدور الذي ستضطلع به مصر في المنطقة، وفي الملف الفلسطيني على نحو خاص، فما مصير اتفاقية كامب ديفيد التي أهانت تاريخ مصر خلال الحقبة الماضية؟ وكيف سيصوغ قادة المستقبل مكانة بلادهم تحت الشمس؟ وهل هناك مخاوف من اختطاف الثورة من قبل الجيش أو أي أطراف خارجية أو داخلية لصالح تسهيل عودة النظام بثوب جديد؟ وهل ستستمر الثورة في ملاحقة مطالبها ومحاسبة جميع الفاسدين والمفسدين خلال الحقبة الماضية، واستعادة أموال الشعب المصري من ناهبيه وسراقه؟.
إن مرحلة ما بعد مبارك قد تكون أصعب وأكثر جسامة من مهمة إسقاطه ونظامه، والألغام التي يمكن للغرب والكيان الإسرائيلي الرعديد أن يزرعها على درب الثوار الجدد أكثر من أن تعد أو تحصى، إذا كان الشباب المصري نجح في صناعة أمل التغيير وتجسيده، فإن مهمة صياغة المستقبل ورسم ملامحه تظل الأصعب في هذا السياق ... ما لم نقل الأخطر.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع