جدول عادي عندما كنا أطفالا صغارا وحينما كان المطر ينحبس ويتأخر عن موعد نزوله كنا نخرج إلى الأزقة والحارات نغني وندعو الله أن يغيثنا حيث اشتهرت تلك الأغنية الشعبية يا الله الغيث…
عندما كنا أطفالًا صغارًا، وحينما كان المطر ينحبس ويتأخر عن موعد نزوله، كنا نخرج إلى الأزقة والحارات نغني وندعو الله أن يغيثنا، حيث اشتهرت تلك الأغنية الشعبية "يا الله الغيث غيثينا، خبز وزيت طعمينا". وكنا كلما سمع أطفال القرية صوتنا خرجوا والتحقوا بنا وازداد عددنا، وكلما وصلنا إلى بيت خرج أصحابه وصبوا فوق رؤوسنا الماء تيمنًا أن الله سبحانه سيغيثنا وينزل المطر علينا.
وبمثل حاجتنا إلى نزول المطر، حيث الأرض أجدبت وحيث هلك الزرع وجف الضرع وساءت أحوال الناس، فإنها حاجتنا إلى أن يغير الله حالنا ويفرج كربنا ويزيح عنا الحكام الظلمة والحكومات الفاسدة، فقد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وأذلوا العباد وظلموهم، ولقد استجاب الله سبحانه ونحن نطلب أن يغيثنا؛ ليس فقط بنزول المطر، وإنما بزوال الحكام الظلمة والأنظمة الفاسدة، فكان أول الغيث الذي انهمر في تونس يوم 14/1/2011، وما زال ينهمر والحمد لله.
ولكن اللافت أن أول الغيث في تونس لم تكن بدايته قطرة انهمرت، وإنما شرارة اشتعلت في جسد شاب مقهور مظلوم مُهان، هو محمد البوعزيزي، نعم لقد اشتعلت الشرارة الأولى في جسده فانهمر من بعدها خيرٌ كثير عمّ أنحاء تونس، بل إن تأثير رياحه قد وصلت إلى مصر. نقول هذا الكلام ونحن نؤكد حرمة الفعل الذي أقدم عليه محمد بوعزيزي، وندعو الله له بالمغفرة والرحمة.
إنها تونس إذن التي فتحها المسلمون في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بقيادة البطل عبد الله بن أبي السرح، ثم أكمل الفتح عقبة بن نافع، وخلال زحف الجيش الإسلامي الذي كان يضم عددًا مباركًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أن مَرّوا بأرض مقفرة، غير أن فيها نبتت شجرة زيتون واحدة، فقالوا إنها زيتونة وإنها مباركة وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، فهي تُؤنس بإذن الله. وبنوا بجانبها أول مسجد في تلك البلاد، وسمي باسم مسجد الزيتونة، ومن يومها كانت تونس المدينة ثم تونس الدولة، حيث أصبحت تلفظ بحذف الهمزة من على واوها، تونس بدل تؤنس، ومثلما أنها كانت تؤنس المسلمين في بداية فتوحاتهم، فها هي تونس اليوم عادت تؤنسنا وتبث فينا الأمل بعد سنوات الوحشة والظلمة والعتمة، إنها تونس التي جعلت أبناء الأمة تدب فيهم الحياة والعزة والنخوة، وهم يطيحون برمز الظلم والقهر والفساد ابن علي، وليؤنسوا بذلك أهل مصر الذين فهموا أن ما كان في تونس يمكن أن يكون في مصر، وهذا ما كان والحمد لله.
إن أول الغيث الذي انهمر في تونس قد أصبح إعصارًا قويًا ومنخفضًا جويًا هادرًا وصل تأثيره إلى مصر، وقد بدأ الخوف يدب في مواقع مختلفة من الوطن العربي خشية من تأثيره، حيث يسعى هؤلاء للاستعداد لمحاولة تفادي تأثيره وإمكانية أن يقتلع عروشهم وكراسيهم.
طالما قرأنا وسمعنا مقولة المستشرق الصهيوني المحاضر في جامعة حيفا، "أرنون سوفير"، الذي كان كثيرًا ما يردد: "إنني أستيقظ كل صباح وأنا أتوقع أن أسمع خبر وقوع انقلاب أو ثورة في مصر"، ولما كان يُسأل عن ذلك كان يجيب بأن الأوضاع في مصر، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كلها تشير إلى أن مصر تغلي كالمرجل وأن هذا المرجل يوشك أن يصل إلى حدّ الانفجار.
ولقد جاء الانفجار في مصر مفاجئًا مثل مفاجأة غيمة أمطرت في يوم صائف، فكان مطرها غزيرًا وسريعًا وكانت الريح عاصفًة والرعد قاصفًا إلى حد أنه أذهل القريب والبعيد وفاجأ العدو والصديق.
لقد جاءت ثورة الشعب المصري بدءًا من يوم 25/1/2011 مفاجئة إلى حد أنها أذهلت كل المراقبين، ولكن أكثر مَنْ صعقتهم المفاجأة هم القادة الإسرائيليون، الذين أغراهم طول مدة الصمت المصري، وعدم وقوع المفاجأة التي كان ينتظرها "أرنون سوفير"، فكان الارتباك الإسرائيلي الذي وصل إلى درجة عدم الإدلاء بأي تصريح أو بيان رسمي، بل إنه وصل إلى حد أن نتنياهو قد ألزم وزراءه بتقطيب أفواههم فلا يتحدثون فيما يحصل في مصر لا من قريب ولا من بعيد. إنها المؤسسة الإسرائيلية التي تعاملت مع الشعب المصري كأنه المومياء المصرية المحنطة والتي لا تتفاعل مع ما هو حولها أبدًا، ولكنها نسيت أن هذا الشعب الأصيل يوشك أن يسجل مفاجأة العصر بهذه الثورة المباركة التي أشعلها، والتي لن تنطفئ إلا بتغيير النظام المصري، الأمر الذي سيغير خارطة المنطقة رأسًا على عقب.
إن المؤسسة الإسرائيلية لم تستطع حتى الآن إدراك حجم خسارتها بفقدانها هذا الحليف القوي والإستراتيجي، والذي اسمه نظام حسني مبارك، وإنها الأيام وحدها ستجعل إسرائيل تدرك أنها الآن تعيش واقعًا جديدًا يُلزمها أن تعيد حساباتها وترتب أوراقها بشكل مختلف تمامًا عما كان قبل تحرك 25/1/2011، وبغض النظر عما سيؤول إليه مستقبل الواقع المصري إلا أنه -وفي أسوأ أحواله- لن يصل إلى السوء الذي كان عليه قبل هذه الثورة المباركة.
إنها المؤسسة الإسرائيلية التي توشك أن تخسر حليفًا قويًا هو مصر، وهي التي سبق وخسرت حليفًا قويًا هو تركيا، وهي التي تشهد تغيرات جذرية على الساحة اللبنانية، وهي التي ترى حليفها الفلسطيني (سلطة رام الله) يترنح أمام فضائحه الوطنية التي أفقدته أية شرعية في الشارع الفلسطيني، وصحيح أن أهلنا في الضفة الغربية غير قادرين على الانتفاض والثورة في وجه هؤلاء السماسرة من تجار رام الله الذي يريدون بيع التاريخ والجغرافيا والماضي والحاضر والمستقبل، ذلكم أن أهلنا في الضفة الغربية، حتى إن استطاعوا أن يتحرروا من احتلال أزلام "دايتون" فإن الاحتلال الإسرائيلي سيكون هو الحلقة الثانية من حلقات الاحتلال القاتلة التي تحاصرهم وتحيط بهم (ظلماتٌ بعضها فوق بعض).
إنها المؤسسة الإسرائيلية إذن التي تتلقى الصفعات من كل جهة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل هذا يشكل عنصر ردع للمؤسسة الإسرائيلية؛ فتتراجع عن مشاريعها السوداء ضد المنطقة عبر ضرب إيران ولبنان وغزة، أم أن هذا الواقع سيجعل المؤسسة الإسرائيلية تُعجل في خطواتها تلك لأنها تعلم أن الأسوأ قادم؟.
إن من أهم ملامح الثورة المصرية المباركة تلك الطعنة النجلاء التي وجهتها الإدارة الأمريكية إلى النظام المصري؛ فلم تمض سوى ساعات قليلة من أحداث يوم الجمعة 28/1/2011، حيث سقط الشهداء بالعشرات في شوارع القاهرة وبور سعيد والإسكندرية وغيرها، إلا والإدارة الأمريكية تتحدث بلهجة جديدة وغير مألوفة مع حليفها حسني مبارك، وتطالبه بالإصلاح واحترام إرادة الشعب، حتى إن "أوباما" لم يتحدث معه إلا بعد ساعات طويلة من تفاعل الأحداث، وكانت هي المحادثة اليتيمة خلال بضعة أيام، أدرك من خلالها المراقبون أن أمريكا إنما تبحث عن مصالحها، التي أدركت أن حسني مبارك لم يعد هو العنوان لها، وفي التالي فإنها أدارت له الظهر، ليس حُبًا في الشعب المصري وإنما إدراكا منها أن الرهان على حسني مبارك إنما هو رهان على حصان خاسر، وهذا ما حصل مع زين العابدين بن علي مع حليفه ساركوزي، الرئيس الفرنسي، حيث رفض مجرد استقباله المؤقت في باريس التي كانت هي قِبلة ابن علي.
ولقد تذكرت والله قول الله في الحوار الذي يدور بين الشيطان وبين أتباعه لما يتخلى عنهم يوم القيامة: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان ليَ عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمُصرخِكم وما أنتم بمصرخيّ، إني كفرت بما أشركتمون من قبل، إن الظالمين لهم عذابٌ أليم) (سورة إبراهيم: 22). نعم؛ لقد قالت أمريكا بلسان الحال والمقال إنها كفرت بتحالفها مع نظام مبارك، وإنه لا قيمة عندها لمن كان حارس سياساتها في المنطقة، وحليف حليفتها المؤسسة الإسرائيلية.
إنني لا أجد أي تفسير يفسر لي إصرار حسني مبارك على عدم الاستقالة وترك منصبه كما يطالب شعبه، وهو الذي يعلم مقدار المقت والكراهية والاحتقان الذي يسود الشارع المصري جراء فشل سياسته الاقتصادية والاجتماعية وجراء مواقفه المخزية ضد غزة وحصارها وتآمره مع فصل جنوب السودان، وهو الذي جعل من مصر بقرةً حلوبًا للمقربين منه، ولم يعتبر بما كان من حليفه ونظيره زين العابدين بن علي قبل أقل من أسبوعين.
إنه يعلم أن تصلّبه في موقفه يعني مزيدًا في الدماء ومزيدًا من الأشلاء ومزيدًا من تعطيل الدولة ومؤسساتها، ولكنها شهوة المنصب وجاذبية الكرسي تجعل هؤلاء يعيشون حالة من الاستكبار وعمى البصر والبصيرة.
إن واقع مصر وملامح الامتداد والتوسع للقطاعات الرافضة لنظام مبارك وحزبه تجعلنا ندرك أن الهروب من مصر وإخلاء الساحة سيكون أوْلى من أن يقع رهينة بين يدي المتظاهرين أو أن تطاله رصاصات من أحد ضباطه المقربين وحراسه المؤتمنين، وما سلفه السادات واغتياله عنه وعنا ببعيد.
ولقد ورد في كتب التاريخ أن حكيم الصين الكبير "كونفوشيوس" قد خرج يومًا إلى البرية ومعه بعض تلاميذه، وفي مكان موحش مقفر يرى حكيم الصين امرأة تجلس وبين يديها ثلاثة قبور، فسألها "كونفوشيوس": ماذا تفعلين في هذا المكان الموحش المقفر وهو كثير السباع والوحوش؟ فقالت المرأة: إن هذا قبر زوجي وقبر ابني، وقد قتلهما حاكمنا الظالم، وإني فضلت أن أكون هنا على أن أكون في المدينة، حيث الظلم والقهر، فقال عندها "كونفوشيوس" لتلاميذه: انظروا يا أبنائي كيف يصبح العيش مع الوحوش والسباع الكاسرة خيرا وأفضل من العيش تحت الحكومات الفاسدة؟!!.
فهل يظن مبارك ونظامه أن مئات الشهداء الذين سقطوا في شوارع مصر برصاص شرطته الدموية، هل يظن أن دماء هؤلاء ستكون رخيصة بحيث أنها ستضيع هدرًا، وأنها لن تكون هي وقود الثورة وحطب النار التي ستأتي على ما بقي من نظامه؟
إن مصر بعد 28/1/2011 هي ليست مصر قبل ذلك التاريخ مهما كانت النتائج القريبة، تمامًا مثلما أن تونس بعد 14/1/2011 هي ليست تونس التي كانت قبل ذلك. ولعل حالة الرعب التي أصابت الملوك والزعماء والرؤساء العرب تشير إلى أن أمواج عاصفة تونس تصل إليهم، بل إن شرارة ولهيب نار البوعزيزي قد تحرقهم هم.
إننا والحمد لله وبكامل الثقة واليقين في غاية الطمأنينة بأن رياح الخير قد هبّت على أمتنا، وأنّ زمن الطواغيت ولصوص الحكم من الدكتاتورية والمُلك الجبري القهري قد انتهت، وأن شعوبنا لما تتاح لها فرصة الحرية والتعددية والاختيار الديمقراطي فإنها لن تختار سوى الأيادي البيضاء المتوضئة، وإننا نقبل بما تختاره الشعوب في ظل الحرية التامة.
إننا ومع تفاعل أحداث تونس وهروب زين العابدين قلنا: مُبارك لتونس، وعُقبال عند مُبارك. أما وقد جاء دور مبارك بعد زين العابدين وسريعًا فإننا نقول لهما بلسان باقي الزعماء من أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة والمعالي: أنتم السابقون ونحن اللاحقون. وأما لشعبنا في تونس ومصر فإننا لا نقول لهم: مبارك عليكم لأن مبارك قد نزل عن أكتافكم وسيرحل عنكم، وإنما نقول: هنيئًا لكم وعُقبال المشتهيّين!!!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع