لم أكن أرغب في الكتابة عن عظمة الشهيدة ريم الرياشي وذلك لأن ما قامت به هذه الشهيدة من عمل خالد لا يمكن أن يحيط به قلم فما كتبته هي بدمائها الطاهرة أبلغ لغة مما يمكن أن تخطه الأقلام…
لم أكن أرغب في الكتابة عن عظمة الشهيدة ريم الرياشي وذلك لأن ما قامت به هذه الشهيدة من عمل خالد لا يمكن أن يحيط به قلم، فما كتبته هي بدمائها الطاهرة أبلغ لغة مما يمكن أن تخطه الأقلام المخلصة وإن كثرت، ولكن ما دفعني إلى الكتابة هو ما كتبه الصهاينة الأوغاد تعقيبا على هذه العملية البطولية، وما خاضوا فيه تحت مسوغ البحث في الدوافع التي أدت بهذه الأم العظيمة أن تضحي بنفسها بلا تردد تاركة خلفها ولديها أحدهما لم يفطم إلا قبل تنفيذ الأم لهذه العملية العظيمة بأيام قلائل، كما أن أحد الدوافع التي جعلتني أعدل عن موقفي السابق في عدم الكتابة ما قامت به حفنة من العملاء بصياغة وتوزيع بيانات مشبوهة خدمة لأسيادهم من الصهاينة، هؤلاء العملاء الذين يختبئون خلف عناوين مزورة من أمثال (أنصار.....، مسلمون فلسطينيون حيارى، ومثقفون ورجال أعمال) وغير ذلك من العناوين المزورة، إنما يهدفون من هذا الأعمال المشينة التي يقومون بها إلى زرع بذور الفتنة والشقاق في الشارع الفلسطيني من جانب، وإلى تشويه الصورة الوطنية الحقيقية التي تمثلها العمليات الفريدة والمتميزة التي يقوم بها المجاهدون من جانب آخر، وإنني أستميحكم عذرا أنني لن أبيح لقلمي أن يكتب ما طرح الصهاينة والعملاء في تعقيبهم على هذه العملية العظيمة والعمليات النسائية الأخرى.
وما خاض فيه اليهود الصهاينة من إسفاف وهم يبحثون في الدوافع التي تقف من وراء قيام الفتيات المسلمات في فلسطين بعمليات استشهادية، سواء ما نسب إلى الأكاديميين منهم، أو المتخصصين في العلوم النفسية، وكذلك ما ذهب إليه رجال المخابرات لدى العصابات الصهيونية لا يمكن أن نقرأه إلا من خلال النقاط التالية
أولا هي محاولة رخيصة من أجهزة الأمن لدى العصابات الصهيونية هدفها تشويه الصورة الجهادية العظيمة التي جسدنها هؤلاء الطاهرات المجاهدات اللائى ضربن أروع الأمثلة في التضحية والفداء دفاعا عن الشعب والوطن والمقدسات، ولا يخفى أن العدو الصهيوني يخشى من انتشار هذه الظاهرة الجهادية التي تشكل خطرا كبيرا على مستقبل الكيان الصهيوني، ومستقبل مخططاته العدوانية ضد شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية، فظن هؤلاء المسخ من الصهاينة أن في إمكانهم تشويه هذه الصورة النقية، وأنهم قادرون على إسقاط رمزيتها من قلوب ونفوس المسلمين سواء في فلسطين أو في أمتنا العربية والإسلامية الذين أصبحوا ينظرون إلى هؤلاء المجاهدات نظرة إكبار وفخر واعتزاز، كما أن الصهاينة باتوا يدركون أن استمرار هذه العمليات ستعجل في نهضة الأمة، ولا يخفي أن نهضة الأمة هي أكثر ما يتخوف منه الصهاينة، وإذا كان الأمر كذلك فيكون كل ما قيل في الصحف الصهيونية حول الدوافع التي تجعل امرأة في ريعان الشباب وأما لطفلين أن تضحي بنفسها هو من نسج الخيال الصهيوني التوراتي المحرف والمنحط.
ثانيا هي محاولة قذرة للتنفيس عن أحقاد صهيونية دفينة ضد الإسلام والمسلمين، تلك الأحقاد التي باضت وفرخت في قلوبهم المريضة ولازمتها على مر العصور منذ قيام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة إلى يومنا هذا، وربما كانت الصدمة التي أصابتهم على إثر هذه العملية الموجعة هي التي دفعتهم لكشف حقيقة ما يعتمل في قلوبهم من حقد أسود كانوا يأملون أن يبقى دفين الصدور إدراكا منهم أن أحقادهم ضد المسلمين عندما تطفو على السطح تشكل عامل دفع قوي للمسلمين كي ينتصروا لدينهم، فيلتفوا حول من ينصرونه ويحملون لواءه، وهذا هو الكابوس الحقيقي الذي يلاحق الصهاينة منذ وطأت أقدامهم أرض فلسطين، ولكن ربما أيقنوا أنه لم تعد هناك قوة مهما بلغت قادرة على ثني المسلمين عن الرجوع إلى عقيدتهم من جديد، خاصة أن ابتعاد المسلمين عن عقيدتهم أدى بهم إلى ما نرى من انكسار وذلة وانهزام، ومن هنا لا عجب أن يفلت الحقد الصهيوني من عقاله ليقول الصهاينة بكل وقاحة للعمال الفلسطينيين الذين دفعتهم الحاجة للعمل داخل فلسطين المحتلة في بيان وزع عليهم نحن وإياكم ينبغي علينا أن نتصدى لحماس، مما أثار اشمئزاز العمال وغضبهم.
ثالثا أن تكون القراءة التي توصل إليها الصهاينة للدوافع من وراء قيام فتيات مسلمات بهذه العمليات الاستشهادية هي قراءة جادة تعكس حقيقية ما تفتقت عنه قرائح رجال العلم والسياسة والأمن الصهاينة، وبالتالي هذا هو ما توصلت إليه العقلية الصهيونية فعلا، فإذا كان الأمر كذلك عندئذ نستطيع القول مطمئنين أن الجهل هو الذي قادهم إلى هذا المستوى الوضيع في ميدان التحليل العلمي لهذه الظاهرة العظيمة.
فقد نسي الصهاينة أو تناسوا أن كل المحاولات التي قام بها الغرب على مدى قرون من الزمان لصرف المسلمين عن دينهم قد باءت بالفشل، فاليوم لا يمكن أن ينكر الصحوة الإسلامية إلا من أغمض عينيه وأصم أذنيه وعطل فكره وعقله، وإذا قال الصهاينة أنهم لا ينكرون فشل المبشرين والمستشرقين الذين بذلوا جهودا محمومة ومضنية من أجل صد المسلمين عن دينهم وصرفهم عن العودة إلى جذورهم، وأنهم لا ينكرون فشل جهود الذين تتلمذوا على يد الغرب فجعلوا من أنفسهم أبواقا وأدوات له تدعو إلى التحلل من القيم والأخلاق والدين بدعوى أن هذا التحلل هو السبيل الوحيد إلى الارتقاء في سلم الحضارة، وأنهم لا ينكرون حقيقة الصحوة الإسلامية القائمة في العالم أجمع، عندئذ نقول لهم بأنكم تجهلون حقيقة هذا الدين وقدراته الهائلة على دفع أتباعه للتضحية بأغلى ما يملكون دفاعا عن دمائهم وأعراضهم وأوطانهم ومقدساتهم، لأنه دين عزة وكرامة، ودين أنفة وكبرياء، لا يقبل لأتباعه بالدونية والذيلية، ولا يرضى لهم أن يفرطوا بالمقدسات والأوطان ولو بشبر واحد منها، ولا أن يتراجعوا عن المبادئ والثوابت، إن الصهاينة الذين عششت الدنيا في قلوبهم لا يمكن أن يفهموا الدوافع الحقيقية التي جعلت ريم الرياشي تعانق ولديها معلنة أنها تحبهم حبا لا يعلمه إلا الله، ثم تودعهم الوداع الأخير وهي مبتسمة راضية مطمئنة تحثُّ الخطو للقاء ربها الذي عَمَرَ حبه قلبها الكبير قبل أن يسكنه حب أولادها.
وإني لأرى أن النقاط الثلاث قد لعبت دورا في دفع الصهاينة إلى التوصل إلى النتائج التي أفصحوا عنها وأعلنوها بكل وقاحة وإسفاف، وإني لأرى أيضا أن شعوبنا المسلمة أوعى من أن تنال من إيمانها الراسخ بخيار الجهاد والاستشهاد الأكاذيب الصهيونية، وستبقى ريم وأخواتها خالدات في وجداننا وقلوبنا خلودهن في جنة عرضها السماوات والأرض بإذن الله تعالى.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع