جدول عادي إنها ساجدة أبو الهيجا ابنة القائد جمال أبو الهيجا قدرها أن تنشأ في بيت المحنة والابتلاء منذ أن فتحت عينيها على هذه الحياة رضعت الهم مع حليب أمها وشربت حسرة الفراق منذ…
إنها ساجدة أبو الهيجا، ابنة القائد جمال أبو الهيجا، قدرها أن تنشأ في بيت المحنة والابتلاء منذ أن فتحت عينيها على هذه الحياة، رضعت الهم مع حليب أمها وشربت حسرة الفراق منذ نعومة أظفارها مع باقي أسرتها، وكأنها إرادة الله لبعض عباده أن يَمِيزهم بالامتحان والابتلاء الذي لا يتحمله غيرهم من البشر، وكأنهم أُعدوا لذلك وليُصنعوا على عين الله حتى إذا بلغوا أشُدهم كان لهم شأن، فتلك حكمة الخالق التي لا يدركها كثير من الناس.
إن أصحاب الابتلاء لهم عالمهم الخاص فيما بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين الله، وليس عبثاً أن يُجمع ما لهؤلاء من رصيد ليعطوا أجرهم كاملاً على الملأ يوم القيامة مما يجعل أصحاب النعمة والعافية والجاه والسلطان والمنصب يحسدونهم ويتمنون أنهم قرضوا بالمقاريض ونشروا بالمناشير لما يروا من فضل الله على أصحاب البلاء.. ولهذا كان سر اطمئنان وصبر كل من أوذي في جنب الله من أصحاب الهم والغم والحزن وكل من جُلد ظهره أو سحق عظمه أو غيب حبيبه في غياهب المجهول أنهم قد خُصوا بمكرمةٍ ربانية يوازيها عظم عطاء الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
لقد فتحت ساجدة عينها على المخيم في تلك العلب المتراصة والتي تسمى بيوتاً وكأنها أعدت سلفاً ليوم اللجوء، فلا شجر ولا زرع ولا بستان ولا ساحة منزل ولا أرجوحة ولا حتى مكان للتمشي، سجن صغير ولكن بدون أسوار ومن أجل أن تكتمل صورة السجن أذكر أنه كان في المخيم مكان واحد لقضاء الحاجة، ومكان واحد لسقاية الناس الماء، ومكان واحد يتجمع الناس فيه مرة في الشهر للحصول على ما تقدمه وكالة الغوث مما يجود به من كانوا سبباً في مأساتنا.
لقد فتحت عينيك يا ساجدة وأنت تطلين من طاقة الغرفة الصغيرة، والتي يحشر فيها كل أخوتك أنفسهم للنوم وأنت تسترقين السمع والنظر إلى جنود الاحتلال وهم يهرولون عبر زقاق المخيم يطاردون الفتيان..
الناس كل الناس ينتظرون العيد إلا المخيم الحزينُ أَهلُه، تدخل سيارات الأونروا وهي تحمل أكياس الطحين المنتهية صلاحيته والتي كتب عليها "هدية الشعب الأمريكي للشعب الفلسطيني" في حين تدخل البوارج إلى ميناء حيفا محملة باّلات قتلنا من جميع أسلحة الدمار والموت.
لقد أدخلت يا ساجدة أصابعك الصغيرة في أذنيك أنت وأطفال المخيم لتتقي أصوات المدافع التي كانت تدك بيوت المخيم بيتا بيتا بعد أن فشل المحتل في اقتحامه، حيث وقف الرجال صفا واحدا يصدون العدوان بصدورهم، ولم يتخلى منهم أحد، كلهم لم يتخلف منهم واحد.. أبناء (عين حوض) و(قنير) و(صبارين) و(أم الزينات) و(خبيزه)...
لقد كانوا على قلب رجل واحد، أما الآن يا ساجدة فالأمر اختلف وصارت العائلات قبائل كل قبيلة تقف في وجه أختها، وكل قبيلة تقاطع جارتها والمحتل القاتل يا ساجدة صار صديقا والحوار واللقاء معه استراتيجياً وأولوية. وأنت يا ساجدة حزينة كئيبة محاصرة ترقبين المشهد بصمت.
لقد رأت عيناك الطائرات وكأنها نذر الموت تبذره وتبذر القتل والهلاك والدمار في كل مكان، فتزلزل تلك العلب الصغيرة والمسماة منازل فتذرها قاعاً صفصفاً.. ورغم ذلك كان الفشل ببركة الرجال الذين أنشدوا في حينه.. (هاي دار العز واحنا رجالها) ويشتد العدوان شراسة وبدأ المخيم يتهاوى بيتا بيتا وحياً حياً وزقاقاً زقاقاً وأنت تنظرين إلى الرجال الرجال وهم يجندلون ويذهبون إلى الله بنفوس مبتسمة راضية بعد أن قدموا ما عليهم ..
خرج الناس من تحت الركام ومن بين الدمار ومن وسط النار ورائحة الموت التي تنتشر في المكان... أفواجاً أفواجاً... يوارون الشهداء الثرى.. محمود طوالبة، قيس عدوان، عبد الكريم السعدي، وأبو جندل، ووائل أبو السباع، وجمال التركمان، وأحمد حسن أبو الهيجا، وغيرهم وغيرهم لا نعرفهم .. حسبهم أن الله يعرفهم ..
كل ذلك يا ساجدة وأنت تكبرين ويكبر معك الهم، فدموعك السخية هطلت حزناً على والدك جمال المطارد ثم الجريح الذي بترت يده وسبقته إلى الجنة .. ثم الأسير الذي غاب في ذاكرة النسيان، لقد كنت تخرجين منذ الصباح الباكر أنت وأمك وتضطرين أحيانا للمبيت في مقر الصليب الأحمر علك ترينه، وكم من مرة تعودين حزينة كئيبة وقد مُنعت من الزيارة؟
لقد جاءتك الأخبار أنه تم تجديد العزل لوالدك وقد كنت تقارنين ببراءتك الطفولية بين عزل والدك في سجن نفحة وبين حياة العزل خارج السجن رغم رحابتها .. فكلنا يا ساجدة محاصرون .. فوالدك معزول محاصر بجسده ونحن اليوم معزولون محاصرون في كل شيء، نظراتنا محاصرة .. همساتنا محاصرة حتى شهيقنا وزفيرنا محاصر، فلا يدخل ولا يخرج إلا بتصريح وسَمعُنا محاصر فلا يدخل إليه إلا ما يراد.. أما أبوك فهو الحر رغم الحصار..
لقد كبرت يا ساجدة وأنت الآن في الصف التاسع وكبر معك الهم الذي أبى أن يفارقك، ولكن رغم ذلك كان إصرارك على التفوق والبروز في المجال العلمي، وكبر معك الإصرار والتحدي مهما كانت الصعاب، لقد سررتُ وأنا أتابع زيارتك للمجلس التشريعي ضمن وفد النواب الصغار الذين تم اختيارهم، وكم سررت لذلك وأنت تدخلين عالم السياسة مبكرا.. لتحملي هم شعبك..
لقد فهمتِ السياسة ليس كما يفهمها الكثير من السياسيين ، أحببتُ فيك جرأتك في قول الحقيقة وفي فتح ملفات تهرب الكثيرون من فتحها والتي لم يجد الكثيرون إجابة عليها .. كم أنا فخور بك عندما توجهت بكلماتك الطفولية البريئة الصادقة والتي خرجت من وجع وألم وحزن عندما واجهت أرباب السياسة بكل الصراحة والوضوح من تحت قبة البرلمان الحزين المهجور، والذي منع أهله وأصحابه من دخوله..
لقد صحت دون ما خوف أو وجل أو تردد : أين أخي عبد السلام، لقد حاولنا أن نفرح ولو لمرة واحدة عندما قررنا تزويجه، ولكن سرعان ما يتم اعتقاله كلما اقترب موعد زواجه.. لم تطلبي مستحيلاً.. لم تطلبي المساعدة على إطلاق سراح جمال أبو الهيجا فتلك قصة وحدها لها أصحابها ورجالها..
ولكن عبد السلام الذي أخذ في ظلمة الليل وعندما حلمنا بالفرحة ولو لمرة واحدة تم تغييبه. لقد صحت بالجمع ماذا تفعلون وما هو دوركم؟. صمت الجميع يا ساجدة ولم تكن إجابة لقد أحرجوا إلا أن البعض اعتبرها استفزازاً فأجابك قائلاً هذا جزاء ما فعلتموه في غزة..!
إلا أن جرأتك وإصرارك على سماع الإجابة جعلك تصرخين في الوجوه مرة أخرى أين أخي ما هو دوركم ماذا تصنعون هنا ..؟ ورغم تحميلك يا صغيرتي مسؤولية ما حصل في غزة وكأنك أردت أن توصلي لهم أن لا علاقة لي بذلك، ولست أنا المسؤولة عن الانقسام فأنا أريد أن أرى عبد السلام العريس وأريد أن أرى جموع الناس يغنون لعبد السلام ( عريسنا زين الشباب ) أريد أن أرى أمي تبتسم ولو لمرة واحدة لقد نسيتُ ضحكتها..
أنا أعرف أن دموعك قد فاضت مرة أخرى ولكنها كانت رسالة وأي رسالة.. وترددت أسئلة كثيرة في ذهنك هل يجب أن يدفع عبد السلام وعاصم وإخوانهم ثمن الانقسام وحدهم..؟ لقد وصلت رسالتك أما دموعك الغزيرة البريئة لا بد أن تكون شلال حرية وإشارة واضحة المعالم بأن دوام الحال من المحال، وأن ليل المحنة لن يطول وأنا على يقين يا صغيرتي أن عبد السلام سيخرج وكل إخوانه...
وأن جمال سيعود ليعيد لك البسمة ويدخل على قلبك الفرحة ويمسح بيديه دموعك..ويعيد لك الأمل من جديد، فهذا الوطن عودنا على البسمة في أحلك الظروف وأصعبها رغم أن (خدنا تعود على اللطم) فلن نلطم بعد اليوم يا ساجدة فمستقبلنا واعد وأملنا كبير وإرهاصاته ظاهرة واضحة نراها بادية في الأفق القريب فلا يأس بعد اليوم ولا حزن ولا هم .... فأنت وأترابك من هذا الجيل هم من سيصنع مستقبلنا القادم رغم الغيوم الحالكة والرياح العاصفة، ولن نعدم ثقتنا بخالقنا ثم بقدرتنا على استمرار مشوارنا.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع