السلطة الفلسطينية هي أول من طبق الاستنساخ

السلطة الفلسطينية هي أول من طبق الاستنساخ

د. عبد العزيز الرنتيسي
2003-11-18

السلطة الفلسطينية هي أول من طبق الاستنساخ نمط واحد هو الذي يحكم خط سير الحكومات الفلسطينية المتعاقبة ومنهج تفكيرها والسياسات التي تنتهجها بل والمصطلحات التي تستخدمها وكأن الذي…

السلطة الفلسطينية هي أول من طبق الاستنساخ

نمط واحد هو الذي يحكم خط سير الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، ومنهج تفكيرها، والسياسات التي تنتهجها، بل والمصطلحات التي تستخدمها، وكأن الذي يجري هي عملية استنساخ للنمط الفاشل الذي انتهجته الحكومة الفلسطينية الأولى التي أنشئت بناء على اتفاقية أوسلو، ومن هنا فإنني أستطيع القول أن السلطة الفلسطينية هي أول من طبق علم الاستنساخ وليس الغرب، ولا غرابة في ذلك كما أنه لا أمل في التغيير لأن خط السير الذي تنتهجه الحكومات الفلسطينية المتعاقبة هو ثمرة التدخل الأمريكي والأوروبي والعربي المتواصل، كما أنه ثمرة القيود التي ألزم الجانب الفلسطيني نفسه بها في أوسلو ولا يستطيع التحلل منها.
لقد بات واضحا أن الهم الأول لأي حكومة جديدة يتم تشكيلها هو وقف المقاومة الفلسطينية من خلال الدعوة إلى هدنة، وكأن المشكلة تكمن في المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني وليس في الاحتلال الجاثم على أرض فلسطين وصدر الشعب الفلسطيني، وما من شك أن للاحتلال أولوياته كما أن للشعب الفلسطيني أولوياته، وأولويات الشعب الفلسطيني زوال الاحتلال، ووقف العدوان الشامل على الأرض والإنسان الفلسطيني، والاهتمام بالإصلاح الداخلي، بينما أولويات الاحتلال وقف مقاومة الشعب الفلسطيني مع استمرار الاحتلال والعدوان الصهيوني، وأصبح واضحا أن أجندة الحكومات الفلسطينية المتعاقبة كانت دائما تقدم الأولويات الصهيونية على الأولويات الفلسطينية، فلماذا درجت الأمور من قبل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة على هذا النهج؟
من المؤسف له أنه قد استقر في ضمير القادة في السلطة الفلسطينية كما استقر من قبل في ضمير قادة منظمة التحرير الفلسطينية قبل الذهاب إلى أوسلو أن أي منظمة أو حكومة لن يكتب لها النجاح إلا إذا باركها الكيان الصهيوني والبيت الأبيض، ومن المعلوم أن الكيان الصهيوني والبيت الأبيض لن يباركا حكومة فلسطينية إلا إذا عملت وفق الأجندة الصهيونية، ومن هنا تجد الحكومات الفلسطيني المتعاقبة تكرر نفسها باستمرار لأنها أمام خيار واحد وهو العمل وفق ما يريده الجانب الصهيوني والجانب الأمريكي بعيدا عن إرادة الشعب الفلسطيني ومصلحته الوطنية العليا، بل هي تستخدم نفس الوجوه حتى لا يصعد إلى القمة من قد يخرج عن السطر.
ولقد أثبت الواقع أن مثل هذا النهج من قبل القيادة الفلسطينية لن يؤدي إلى نجاح على الإطلاق، بل على النقيض من ذلك فإن الحكومات التي خالفت الأولويات الفلسطينية وتناقضت مع الأجندة الوطنية الفلسطينية قد سجلت أرقاما قياسية في الفشل، وذلك لأنها سرعان ما تجد نفسها خارج دائرة التعاطف الشعبي فتنفض من حولها الجماهير، بل وتكفر بها، كما أن المطامع الصهيونية والأمريكية في فلسطين لا تحدها حدود، فهي إذن تخسر الجماهير في الوقت الذي لن تحصل فيه على المباركة والدعم من قبل الكيان الصهيوني أو البيت الأبيض الأمريكي.
وما من شك أن المستفيد الوحيد من هذا النهج الفاشل هو العدو الصهيوني وذلك للأسباب التالية
أولا  هناك قلب للحقائق فبدلا من أن يكون الاحتلال هو المدان والمطالب بوقف عدوانه، نجد أن الشعب الفلسطيني هو المطالب بوقف المقاومة وإعلان الهدنة، وهذا من شأنه أن يعطي انطباعا خاطئا بأن المقاومة الفلسطينية هي المسئولة عما يجري من أحداث داخل فلسطين المحتلة، ولا يتوانى العدو الصهيوني في استثمار هذا النهج الخاطئ لتبرير عدوانه المتواصل على شعبنا الفلسطيني، بل وتصعيد هذا العدوان المجرم.
ثانيا  انشغال الحكومة الفلسطينية في أمور لا طائل من ورائها وهي وقف عمليات المقاومة معتبرة أن نجاح الحكومة يتمثل في الحصول على هدنة من قبل الفصائل الوطنية والإسلامية المقاومة، بينما تتفاقم معاناة الشعب الفلسطيني يوما بعد يوم سواء من قبل العدوان الصهيوني المتواصل الذي يدمر الحياة الفلسطينية من خلال ممارسات إرهابية منظمة، أو من قبل الفساد الذي طالما تحدثت عنه الحكومات السابقة دون أن تتحرك بفاعلية لوضع حد له، مما يجعلنا نعتقد بأن المحافظة على هذا المستوى العالي من الفساد داخل مختلف الدوائر والمؤسسات الفلسطينية الرسمية هو أحد البنود الرئيسية السرية في اتفاقية أوسلو التي رفضها الشارع الفلسطيني بينما لازالت تتشبث بها السلطة الفلسطينية حتى يومنا هذا، وسر هذا التشبث لا يخفى على أحد فأوسلو هي الأساس الوحيد الذي تعتمد عليه السلطة من أجل الحفاظ على وجودها،  كما لا يفوتنا أن نذكر بأن من أهم أسباب معاناة الشعب الفلسطيني الدور الخطير الذي يلعبه العملاء الذين وجدوا مرتعا خصبا لهم في ظل السلطة الفلسطينية، ولقد بات واضحا أن عدم المساس بالعملاء هو إحدى مكونات أوسلو الرئيسية، ناهيك عما تقوم به السلطة الفلسطينية من إجراءات مستهجنة كتجميد أرصدة المؤسسات الخيرية الإسلامية مما أدى إلى حرمان شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني من الفقراء والمحتاجين من اليتامى والأرامل الذين يعيشون على ما تقدمه لهم من مساعدات تلك المؤسسات الإسلامية، ولا يخفى على أحد أن هذا الإجراء يساهم مساهمة مباشرة في تقديم أعظم خدمة للاحتلال من خلال إضعاف قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود في وجه العدوان الصهيوني المدمر للاقتصاد الفلسطيني، يضاف إلى قائمة المعاناة التي لا يمكن حصرها في مقال التمييز الفئوي البغيض المتمثل في حرمان شرائح واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني من حقوقهم الوطنية، بينما شرائح أخرى لا تمثل الأغلبية تبسط نفوذها على مقدرات الشعب الفلسطيني.
ثالثا  هذا الأسلوب في التعاطي مع القضية الفلسطينية من شأنه أن يوتر الأجواء داخل الشارع الفلسطيني باستمرار مما يدفع بالفلسطينيين إلى هاوية الاقتتال الداخلي، ومن ثم تحويل وجهة الصراع من صراع فلسطيني مع الاحتلال إلى صراع فلسطيني فلسطيني داخلي، وكلنا يدرك أن هذا الهدف هو أحد أبرز وأهم الأهداف الصهيونية التي تسعي لتحقيقها.
فإلى متى تستمر السلطة في عملية الاستنساخ المحرمة شرعا؟!!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026