جدول عادي كالجبل الأشم وقف أمام عدسات الكاميرات يتحدث وفي قلبه نار تشتعل وفي صوته حشرجة حاول أن يخفيها وقال لمن كان سأعود للقدس مهما كلف الأمر ولن أسمح لهم أن يبعدوني عن مدينتي…
كالجبل الأشم وقف أمام عدسات الكاميرات يتحدث وفي قلبه نار تشتعل وفي صوته حشرجة حاول أن يخفيها وقال لمن كان : سأعود للقدس مهما كلف الأمر ولن أسمح لهم أن يبعدوني عن مدينتي التي أحب.
لم تكن ولن تكون هذه الليلة ليلة عادية على الشيخ أبي طير الذي سينام خارج مدينته لن يسمع أذان المسجد الأقصى ولن تتكحل عيونه بالنظر إلى قبتها التي يعيد بريقها لروحه الروح ولعيونه اللمعان ولقلبه القوة والحيوية.
أنا على يقين أنها ستكون من أقسى الليالي التي مضت أو ستمضى على الشيخ الذي أمضى زهاء الربع قرن في زنازين الاحتلال تعرض خلالها للضرب والشبح والعزل والجوع والبرد والحرمان من رؤية الأهل والولد.
الشيخ كان يصبّر نفسه في سجنه وزنزانته وعزله بقوله غداً سأقضى الأيام وأعود لمسرى الرسول وأسير في أروقة البلدة القديمة التي يعشقها هو وكل حر أبيّ ، هناك يحيّيه بائع التحف ويسلم عليه المقدسيون من أصل إفريقي ويناديه بائع الكعك المقدسي الشهير مقسماً عليه أن يتناول كعكة مقدسية... فلكعك القدس المغطى بالسمسم نكهة خاصة وطعم مميز ورائحة مكتسبة من عبق المكان.
كل هذه الأحلام وهذه الأماني يريد الاحتلال أن يحرم الشيخ منها ويقتلها بقرار إبعاده الذي تم تنفيذه بعد احتجاز استمر لمدة أربعة شهور... في كل مرة كان يعرض على الشيخ الإبعاد وكان يرفض وأخيراً تم وضعه وفي وضح النهار أمام أحد الحواجز وقالوا له إياك أن تعود للقدس مرة أخرى وإلا ستعود للسجن... نادى عليهم بالعبرية : يا جبناء أريد العودة الآن للسجن فالسجن خير من إبعادي عن مسرى رسولي... ضحكوا وولوا الدبر وتقدم هو يتخطى الحواجز الحديدية عبر المعبر الذي وضعوه أمامه بالقرب من رام الله.
وقف ويمّن تجاه القدس وحبس الدمع في عينيه وبصعوبة بالغة استطاع أن يبلع ريقه وسجد لله سجدة شكر على كل حال ودعا الله أن يكتب له عودة ميمونة إلى مدينته التي يحب.
ليس من قبيل الصدفة أن تتزامن قضية إبعاد الشيخ أبي طير مع ذكرى الهجرة النبوية ففي مثل هذا اليوم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وعاد بعد عقد من الزمان فاتحاً مكبراً واليوم يبعد الشيخ أبو طير من مدينته قسراً وأسأل الله أن يعيده إليها فاتحاً مظفّراً مكبّراً مرفوع الرأس عالي الجبين.
تحدث إلي الشيخ أبو طير قبل أسبوعين من سجن نفحة وكان صوته كما اعتدنا عليه يصدح.. قلت له أثناء الحديث شيخي نحن مقصرون معك وقد كتبت عنك مقالاً قبل فترة قال لي بوركت يا أخي أنا كل ما أريده (أن يرضى الله عني) كلماته هزت كل خلية في جسدي وتذكرت الشيخ أحمد ياسين صاحب هذه العبارة وتذكرت أنه رفيق قيده وقد أفرج عن الرجلين في صفقة تبادل عام 85 وأنهما من الرعيل الأول من ذلك الجيل الذي لا يبحث إلا عن الشهادة.
وتحدثت إليه بعد الإفراج عنه وفي ذات الليلة لعلي أستطيع أن أسترق منه كلمة تكون عنواناً لمقالي هذا وكان صوته يهدر وبدت همته عالية وروحه متأهبة ونفسه متألقة قلت له بعين الله يا شيخ وحمداً لله على سلامتك قال لي ( يا أبوي هنئني بالسلامة بعد عودتي للقدس) لم أستطع أن أنطق ببنت شفه وقلت له من روحك ونفسك العالية نستلهم القوة ومن هذه الأنفاس الزكية تنغرس في روحنا معاني حب الأوطان ومحاربة الظلم والطغيان.
فلك شيخي أبا طير أقول ومن أنا لأقول لك إننا نحبك ونحييك ونسأل الله رب العرش أن يعيدك سالماً غانماً للقدس التي نحب وأعلم أنك علمتنا اليوم كما علمتنا في السابق درساً جديداً في حب الأوطان دمت سيداً لقومك وهنيئاً لك هذه المكانة العالية في قلوب إخوانك وفرج الله كرب أسرانا وأعادك لمسقط رأسك دام ظلك.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع