بلاد يسجد الناس على ترابها ويبكون ... لا تضيع

بلاد يسجد الناس على ترابها ويبكون ... لا تضيع

علاء الريماوي
2010-10-24

جدول عادي في متابعتي لنشرة الأخبار التي بثتها القناة العبرية الثانية أوقفتني الصورة على مشهد يبث من غزة لقافلة شريان الحياة وهم يدخلونها سجدا وفي عيونهم يتزاحم الدمع والعشق الكبير…

في متابعتي لنشرة الأخبار التي بثتها القناة العبرية الثانية ، أوقفتني الصورة على مشهد يبث من غزة لقافلة شريان الحياة 5 وهم يدخلونها سُجَّداً وفي عيونهم يتزاحم الدمع والعشق الكبير.

المنظر لم يكن اعتيادياً ، والطقوس هذه لم تحدث ولم أشهادها عند معابر الدول ولا على حدودها ، سواء كان ذلك من رجال هجروا أوطناهم التي ولدوا فيها وعادوا إليها بالحنين ، أو من نساء غادرنها ساعة اضطرار .

هذه الصورة السريعة في قناعتي لم تعرف (إسرائيل) معناها، ولم تعش مع العبرة منها ولا العظة .

ولم تكلف نفسها قراءة رسالتها التي اختزلت مشهد التاريخ مع الفرس في فلسطين ، والروم ، وحملات الصليب التي أدامت على القدس احتلالاً دام الأعوام الطويلة .

في درس التاريخ على هذه الأرض المباركة ، يروى أن الغازي يحكمها ويبني عليها مملكته ، ويستقر له المقام فيها ، وينعم بخيرها ، لكن مسلسل التاريخ يضيف في الحلقة الأخيرة أن فارساً تلده الأرض يخرج من حيث لا يحتسبون ، يجمع الشمل ، ويوحد الكلمة ، ويرفع الراية ، ثم يحسم أمره مع الأمة فيعيدها عزيزة دون انحناء .

في الحساب المنطقي الذي يستند إليه أرباب السياسة ، يستحيل على عمر أن يعبر إلى جيشه عند أبواب القدس ليستلم مفاتيحها .

ومن المعجزة أن يوحد صلاح الدين الأمة في وجه أخطر عدوان عليها فيقلب المعادلة ويهزم إمبراطوريات .

وكذلك الحال في عهد الظاهر بيبرس ، كلما سقطت الأمة ارتفع منها رجال يرفعون خسيستها ، فيبنون في ساعة يظن في التغير مستحيلاً وجنوناً .

في كتابتنا السياسية أحياناً نضل البوصلة ، ونضع الموازين على قراءة المنطق والحسابات الدقيقة المرتبطة بالأرقام .

فنغفل على الدوام سنة الله في الكون ، ونبعد من خياراتنا صنع الله الذي عايشناه في الصراع الصهيوني في كل حقبه وأيامه، وهنا أذكر على عجل بعض هذه المحطات .

1. تفجير الانتفاضة الأولى والتي جاءت في توقيت كان فيه الناس يعيشون بحبوحة الانفتاح والعمل داخل الكيان الغاصب .

وكانت وقتها المخططات الصهيونية قد نجحت في ترسيخ وجودها من خلال القدرة على التعاطي مع حالة المقاومة وحصرها في فئات من الشعب غير كبيرة .

حتى كانت أحداث المجزرة في غزة فتدحرج النار كأنها إذن من خطط للثورة .

والحقيقة تقول إن الشعب قد فلتت كوابحه وانطلق من غير تخطيط من أحد .

2. مرحلة السلام ، والتطبيع مع الوطن العربي ، وإنجاز اتفاق سياسي تقبله (إسرائيل) بعد القناعة المتولدة من المنظمة أن لا خيار .

فعلى إثر ذلك فتح المعاش للناس بعد ضيق حال الانتفاضة ، فكثر المال ، وزادت الفئات المستفيدة ، وسمع الاتهام للمقاوم بأنها تخدم المشروع الصهيوني.

فما هي إلا لمحة في القدس قلبت الموازين وصنعت ما لم تحسبه (إسرائيل) ولا غيرها كما كتبت (الأوراق الإسرائيلية) .

3. انتفاضة الأقصى ، صمود الناس ، وحدة المقاومة بعد فرقة ، حجم الإيلام للعدو ، القدرة على الصمود ومن ثم التصميم على المواجهة ، كل ذلك لم يكن متوقعاً حين كنا نشاهد الشباب في رحلات التطبيع ونشاطاته دون ضابط ولا رقيب .

4. حرب الفرقان ، حصار غزة ، وصمودها ، مقاومتها ، قدرتها على التحدي ، استبسال أهلها ... والله لم يكن طبيعياً ، ولا منطقياً غير أن التفسير الغيبي هو باعث القراءة والمنطق .

في المراحل الأربعة كانت (إسرائيل) بقوة نارها تستطيع حرقنا من غير تردد ، لكن في ما ندركه أن ما نعها لم يكن أرضياً ، ولا نصيراً من العرب ، ولا من الأمم المختلفة التي ساندت ودعمت فناء المقاومة وأهلها .

في الحديث حول هذا الموضوع ، قد نضيف حرب لبنان ، وواقع الشرق وتعقيداته ، وتغير توازنات هنا وهناك ، وتدافع مشاريع في المنطقة .

لكن في اختصارنا أردنا خلاصة ، أن الشعب الفلسطيني الذي لم يترنح لمقتل أصابه ، خلفه أمة من مليار كانت حاضرة في فلسطين بدمها على الدوام .

لذلك إن الصورة المنقولة على الإعلام الصهيوني هي حكاية تدفع باتجاه القادم الأكيد ، الذي وعدت به أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام عن مصير اليهود في الأرض المباركة .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026