الشبح المتواصل حيث تتمزق الأعصاب وتتلف الجلود وتتكسر العظام بل وتفقد الإحساس بعد أقل من عشر دقائق ثم تصرخ من شدة الألم لعل إنسانا يرأف بحالك لكن الإنسان سرعان ما يضربك بيده ببندقيته…
الشبح المتواصل حيث تتمزق الأعصاب، وتتلف الجلود، وتتكسر العظام، بل وتفقد الإحساس بعد أقل من عشر دقائق!!، ثم تصرخ من شدة الألم لعل "إنساناً" يرأف بحالك، لكن "الإنسان" سرعان ما يضربك بيده، ببندقيته، بسوط يجلدك كأسياخ النار اللاهبة، ويتخير الـ"بني ظالم" أكثر مناطق الجسد حساسية فيصعقها بلا رحمة، في الوجه، واليد، وشحمة الأذن، وحتى عورتك، قبلها ودبرها، ثم تنفجر بالصياح من شدة الألم، فكأنما حقق الجلادون بغيتهم، فتزداد الضربات، وكل ذلك وسط صياح القوم الهمج، الذين يسبون ويشتمون كل شيء، حتى ربّ كل شيء، بألفاظ كفرية تزلزل السموات والأراضين السبع، ثم تجد نفسك وقد فاق الألم قدرتك على الاحتمال وحتى على الصراخ، فتغيب عن الوعي، لتصحوَ ممدداً في زنزانة منفردة تحت الأرض والألم ينهش أطرافك وتشتعل الأوجاع نيراناً في كل ثنية من ثنايات بدنك، ثم تتجه بكُليّتك إلى المولى ربِّ فتح وربِّ السلطة ورب الجلادين، فيلهج لسانك بذكر الله، فتحسد نفسك على مكانك، وتتذكر أمنية أهل الجنة بعد دخولهم إياها، ورؤيتهم لمكان السبّاقين السابقين : "لو قرضنا بالمقاريض" يريدون أجرهم ومكانتهم، وما أعد الله لهم من النعيم المقيم في الدار السرمدية.
يمضي الوقت في معتقلات السلطة الفلسطينية كالطوفان، موحش ومرعب، ومليء بالمفاجآت، ولا يثبت في عُبابه إلا كل صاحب إيمان وعقيدة. سجون فتح حيث التعذيب هدف لا وسيلة، والألم غاية دائمة وليست تجربة طارئة، هنا مسلخ سجن الخليل حيث الكل متهم حتى يثبت العكس!، هنا حيث الكل يصرخ من شدة الألم، من طالب الجامعة حتى الطبيب والمهندس والمفكر والداعية والشيخ والمعلم و الدكتور، هنا ببساطة وبلغة التاريخ : فصل جديد من محنة أوشكت فصولها على الغروب لأن "الظلم يؤذن بخراب العمران".
"أحمد سلهب"، صفحة ثبات وعز كانت شاهدة على أفعال أناس جُرّدوا من إنسانيتهم، وغدوا بين ليلة وضحاها عملاء لأعداء مقاومتنا الوطنية، فبأي وجه سيقف هؤلاء القوم أمام أبنائهم وعائلاتهم، وهم يعذبون أولياء مشروعنا الوطني الإسلامي، فيسومونهم سوء العذاب، فوق الأرض وتحتها، في شمال الضفة وجنوبها؟.
أيْ أحمد... لا زلتَ في مستشفى الأهلي، وحولك أمك الباكية، التي تمسك بيدك مرة، وتمسح بيدها دمعها الحار مرة أخرى، تنظر إليك، تحدق فيك، ما أجملك صغيراً وكبيراً، يا ليتك بقيت في رحمي ولم تخرج إذ يعذبك الطغاة والبغاة...، فيقطع خاطرتها وبكاءها طبيب يأتي للاطمئنان، أو صديق يأتي للسلام، رضي الله عنك يا أمي، وزادك الله ثباتاً فوق ثباتك.
فإليكم يا إخوان سلهب، كل التحية والدعاء، فلقد اخترتم درب ذات الشوكة، ودرب "الغربلة" لكي تكونوا في مقدمة الصفوف التي ستكنس المحتل وأعوانه من كل أرضنا، أنتم تُعَدون لمرحلة أكثر فاصليّة وحسماً في أيامنا المقبلة، وكل ما زاد الألم، زاد الأمل، واقتربنا خطوة من التمكيين على الأرض التي لم يعمر فيها ظالم، ولا يدوم فيها عميل!.
إليكم أيها الشجعان، في سجون السلطة، ما بين تالِ للقرآن، و راكع، ومسبح، إلى الذين في غرف التعذيب والتحقيق، إلى قادة مشروع الغد الإسلامي المشرق، أنتم على ثغرة فلا يؤتينّ من قبلكم، ولتكن جمامنا وجماجمكم لعز إسلامنا ووطننا سلماً نرقاه، لتكن صراختنا حسبة لوجه الله، لنكن كـ"حبيب النجار" إذ تمنى لو أن قاتليه سلكوا درب الإيمان، وسعدوا بجنة الرضوان. واعلموا أننا نتألم لكي يحيا المؤمنون بعدنا في هناء وسعادة، وأن ضريبة التمكين والنصر اصطفانا الله لنحملها لخير مكنون فينا لا يعلمه إلا الله، واعرفوا أن التاريخ سيكتب محنتكم بأحرف من نور وثبات خطتها سواعد الشموخ، وبأن التاريخ سيلعن جلاديكم ومعذبيكم وسيضعهم في صفحة الظالمين والباغين!.
فلكم الله وأنتم أهله، وأقرب الناس إليه الآن، فثبتكم المولى وأيدكم، وكشف كربتكم، وكان الله في عوننا وعونكم. رسالتي نُقلت إليكم بمداد الدمع الذي لا يعبر عنها إلا شاعر المحنة "جمال فوزي" يرحمه الله إذ يقول :
إلهي قد غدوت هنا سجينا **** لأني أنشد الإسلام دينا
وحولي إخوة في الحق نادوا *** أراهم بالقيود مكبلينا
طغاة الحكم بالتعذيب قاموا *** على رهط من الأبرار فينا
فطوراً حرقوا الأجساد منا **** وطوراً بالسياط معذبينا
وطوراً يقتلون الحر جهرا *** لينطق ما يروق الظالمينا
وقد نال الشهادة في ثبات *** رجال لا يهابون المنونا
فمهلاً يا طغاة الحكم مهلاً *** فطعم السوط أحلى ما لقينا
وما عابوا عليه سوى جراح *** تصيب الجسم دون الروح فينا
لقد نالت سياط الكفر يوما *** بمكة من جسوم الصالحينا
فما ضر الصحابة ما أصيبوا *** به يوما بل ازدادوا يقينا
سمية لا تبالي حين تلقي *** عذاب الكفر يوماً أو تلينا
وتأبى أن تردد ما أرادوا *** فكانت في عداد الخالدينا
ألا يادعوة القران عودي *** مظللة ربوع العالمينا
ألا يا شرعة الرحمن سودي *** مبددة فلول الظالمينا
ألا يا نصرة الديان جودي * ** بتحطيم البغاة الآثمينا
سنبذل روحنا في كل وقت ** لرفع الحق خفاقاً مبينا
فإن عشنا فقد عشنا لحق * ندك به عروش المجرمينا
وإن متنا ففي جنات عدن *** لنلقى إخوة في السابقينا