أعترف أني أحببت هذا الرجل من دون أن ألقاه وأعترف أيضا أني لطالما تمنيت أن أحظى بشرف معرفته أثناء رحلاتي في السجون ولكن الله لم يشأ وسعيت لكي أتعرف عليه أكثر فقمت بزيارة بيته في منطقة…
أعترف أني أحببت هذا الرجل من دون أن ألقاه، وأعترف أيضاً أني لطالما تمنيت أن أحظى بشرف معرفته أثناء رحلاتي في السجون ولكن الله لم يشأ، وسعيت لكي أتعرف عليه أكثر فقمت بزيارة بيته في منطقة بيت لحم وهناك كان اللقاء.
جلست في حضرة أبيه ومع أشقائه وهناك استطعت أن أكشف وأكتشف الشيفرة السرية وتحليل بعض الأمور الجينية التي تفسر طبيعة شخصية عامر، فالأب الذي بلغ السبعين من عمره ما زال جسده مشدوداً وعلامة القوة والصلابة بادية من خلال سلامه علينا ومصافحته والشهامة والكرم وحسن الاستقبال وحفاوة اللقاء كانت كلها دلائل على طيب المعدن ونقاوة السريرة وطيب الأصل.
جال نظري في كل أرجاء البيت، صورة عامر تزين جدران المنزل، وصورة ابنه الشهيد الذي استشهد في الانتفاضة الأولى تزين باقي الجدران، وبين هذه الصورة وتلك الصورة حدثنا أبو عامر عن عامر وعمليته البطولية وعن ابنه الشهيد وشجاعته كان يتحدث وعيناه تبرقان من الفخر والفخار وحدثنا عن ابنة عامر الوحيدة وعن اسمها حماس وعن زفافها وعرسها.
عامر أبو سرحان اسم له وقع خاص في قلوب كل من عاشوا الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ومن لا يعرف عامر أبو سرحان من المؤكد أنه لم يعش يوميات الانتفاضة... ولم يقرأ سير أولئك الرجال الذي تركوا بصمات واضحة وصنعوا مدرسة خاصة اسمها مدرسة عامر أبو سرحان مدرسة السكاكين.
توقفت عقارب الساعة عن الدوران في تاريخ 8/10 / 1990 حيث سال الدم فواراً في باحة المسجد وهب الفتية والرجال للدفاع عن ثرى المسجد الذي اقتحمته قوات الاحتلال وضجت فلسطين بقضها وقضيضها وخرج آلاف يهتفون مطالبين بالرد والثأر واستعدت الفصائل الفلسطينية، وكل أعلن عن توعده ونيته الثأر لشهداء مجزرة الأقصى.
بلغت القلوب الحناجر وانتظرت فلسطين وشعبها ومن خلفهم الأمة من سيكون ذلك البطل الذي سيحظى بشرف الرد على المجزرة الإسرائيلية، لم يطل الانتظار وبالتحديد في 21/10 من ذات العام تناقلت وسائل الإعلام أن شاباً فلسطينياً صغيراً انقض على مجموعة من جنود الاحتلال فقتل منهم ثلاثة جنود وجرح عدداً منهم ولم يكن بيده سوى سكين.
صرخات الله أكبر التي أطلقها عامر أبو سرحان أرعبت جنود الاحتلال المدججين بالسلاح وجعلتهم يفرون منه... فتجندل الجنود وتعالت صرخاتهم واعتلى عامر صدورهم وغرس خنجره في صدورهم التي قتلت النساء والأطفال وسرقت البيوت واغتصبت الأرض.
خرجت يومها فلسطين وفصائل وأحزاب فلسطين تعلن أن الوعد قد أنجز وأن الثأر للضحايا قد تم وتناقل الجميع اسم عامر أبو سرحان من بلدة العبيدية في بيت لحم وأنه صاحب شرف الثأر للمسجد الأقصى... وافتخرت بيت لحم وفلسطين بفارسها الذي أطلق عليه فيما بعد مفجر ثورة السكاكين.
خلف عامر أبو سرحان كانت زوجته التي لم يمض على اقترانه بها سوى أشهر وكانت تحمل في أحشائها مولدهما البكر... لم يكن نوع المولود معروفاً ولم ينظر عامر أبو سرحان إلى الدنيا بل كانت عيناه شاخصتين باتجاه الانتقام لمن قتلتهم يد الحقد والغدر.
وبعد ثمانية أشهر خرجت إلى الدنيا طفلة صغيرة صرخت بكل ما أوتيت من قوة... لم تكن تعلم أنها تصرخ بسبب بُعد أبيها واعتقاله... وبكى مع بكاء الطفلة كل من كان بقربها وجوارها كانوا يبكون على الأب الذي غيبته السجون والذي لقي وذاق من صنوف العذاب ما تنوء الجبال عن حمله.
خرجت إلى الدنيا ابنته البكر والوحيدة من دون أن يكون هو من يؤذن بأذنيها... طلب منهم طلباً وحيداً... أسموها حماس... لبت عائلته الطلب وأطلقوا عليها اسم حماس قال لهم هذا اسم أعشقه وهذا لحن يحن له مسمعي فكانت حماس التي أحب وعشق وأراد.
ومرت الأيام وكبرت الطفلة وفي كل فترة كانت تتنقل من سجن لسجن ومن معتقل لآخر تبحث عن معالم وجه هذا الرجل الذي يبتسم لها من خلف القضبان ومن وراء الأسلاك الشائكة... تبادله الابتسامة بنظرات استغراب، من هذا الشخص الذي يحاول جاهداً أن يجعلني أبتسم ؟؟؟!! من هذا الرجل الذي يقسم لي أنه سيعوضني عن لحظة فارقني فيها؟؟!!
كبرت حماس ومع كل يوم كانت أمانيها تزداد بقرب التقائها بوالدها الأسير ومرت سنون العمر قاسية صعبة على حماس وكنت تسلي نفسها بالقادم من الأيام، في كل زيارة كانت تذهب بها حماس لترى أباها كان يقول لها لقد كبرتِ يا صغيرتي ولقد ازداد جمالك... متى سأراك عروساً تزفين إلى بيت زوجك، يحمر وجهها وتخجل من كلام أبيها وتغير الموضوع وبداخلها نار تتقد كلما تخيلت أن أباها لن يكون يوم عرسها وهو ما كان.
تقدم لخطبة حماس ابن عمها الذي أطلقت عليه العائلة اسم عامر تيمناً بعامر ووافق الجد والأب المعتقل ووافقت العائلة وزفت العروس إلى بيت زوجها وكان البكاء سيد ذلك الموقف، الجميع يسعى إلى إدخال الفرح والسرور على قلب حماس والكل يسعى إلى إشعارها أن كل شيء على ما يرام ووحدها حماس تشعر أن لا أحد يستطيع أن يعوضها عن غياب أبيها في مثل هذا اليوم.
كانت أصوات الزغاريد التي تطلقها النسوة تذكرها بقرقعة أقفال باب السجن المغلق على أبيها وكانت الأساور المحيطة بيديها تذكرها بالأصفاد التي تقيد حركة أبيها من عقدين، تشعر أنها غير قادرة على التنفس الطبيعي وشعرت أن القاعة الكبيرة كزنزانة أبيها الضيقة التي تحبس عنه ضوء الشمس.
مرت لحظات الفرح والعرس وحماس وكل من حولها يشعر بالنار التي تتقد في صدرها وصدور عائلة أبي حماس مفجر ثورة السكاكين.
في زنزانته كان عامر وكان من حوله رفاق قيده يغنون لأبي العروس وفي محاولة لخلق جو من الفرح والسرور زفّ نائل البرغوثي وخالد مرداوي ومعاذ سعيد بلال وزاهر جبارين وحسام بدران وعباس السيد وعبد الحكيم حنني زفّوا عامراً على أنه عريس وغنى نائل البرغوثي (سبل عيونه ومد ايدو يحنونه ) وأحضروا ( كيساً من اللبن ) وحنوا يد عامر وخلق الأسرى من حول عامر حالة من السرور والفرح انتهت بمطالبة مدير القسم بخفض الصوت وعدم الضحك بصوت عال، فالتزم الجميع وأخرج عامر من غرفته بعض الحلويات ووزعها على الأسرى في القسم في هذه المناسبة.
هذا هو حال أسرانا في سجون الاحتلال يبحثون عن البسمة ويصنعونها رغم كل ما يحيط بهم من آلام يرفضون أن تسرق البسمة منهم وأن يأسر السجان مع أجسادهم قلوبهم فينتفضون على الجراح ويغنون مع الآلام ويرفعون للفرح والنصر رايات.
لك أخي أبا حماس في زنزانتك وفي عامك العشرين تحيات وأشواق وقبلات ونقسم لك بمن رفع السماء أننا نحبك وما نسينا جهادك وصبرك وبطولاتك يا صاحب الراية العالية والقبضة الحديدية والعيون المكحلة بحب الوطن والأقصى وفلسطين