محمد عرمان .. زاد الطريق رشاش وفي الصدر قرآن وآية

محمد عرمان .. زاد الطريق رشاش وفي الصدر قرآن وآية

علاء الريماوي
2010-10-17

جدول عادي في عتمة الليل يسكن القلوب الضعيفة الخوف وتطرب معه الأفكار الملعثمة الكئيبة وعلى ضفاف الصمت تسقط الأحلام الضعيفة التي تفر من الحياة إلى الأزقة القاتمة باحثة عن أي نجاة…

في عتمة الليل يسكن القلوب الضعيفة الخوف ، وتطرب معه الأفكار الملعثمة الكئيبة ، وعلى ضفاف الصمت تسقط الأحلام الضعيفة التي تفر من الحياة إلى الأزقة القاتمة باحثةً عن أي نجاة ، حتى لو كان معها الذل تحت أحذية الطغاة ، صنف القلوب هذا تراه في الأزمنة مشوهاً ذميماًً كأنه جيفة الأرواح الخبيثة . الليل لا تسكنه القتامة وحدها، بل يلفح القمر وجه السواد حتى يكتب الأمل، الذي يُصاغ في الأرض بالأكف الطاهرة النقية . في بريق الجباه آثار السجود وعلى الطريق متاع نثر رصاصات وسمراء تزين صدور الفتية مع نسج قرآن وآية .

"محمد عرمان" اليوم في حكايته ينساب مع الليل يبدد الخوف ويعلي بأفكار روحه الأمل ، ليكون مع إخوانه المثل.

في العام 1975م كان قدر الله أن ترزق والدته طفلها الجميل" محمد "، تقول عنه وهي تنظر إلى الصور:" كان أبيض كالقمر ورقيقا كنسائم الفجر ، يزين وجهه بسمة الصغار كأنه لحن الصباح". حضنته قرية خربثا بني حارث غرب رام الله ليكبر في مساجدها وليعيش تربية الشهيد سليمان زيدان الذي أحبه وأخذ من صفاته الكثير ، تربى في أسر الإخوان وحفظ الكثير من سور القرآن حتى كبر على المعاني السامية ملتحقاً وفي مقتبل عمره بحركة المقاومة الإسلامية حماس ، منضماً إلى سواعدها الرامية التي أذاقت جنود الاحتلال رعب الليل وفزع النهار متدرجًا من المقلاع يصنعه إلى النقافة عازفاً مبدعاً في نظم حجارتها ، ليسدد باكورة فعله في تشكيله فرقة السواعد الخضراء التي كانت المسؤولة عن ضرب الزجاجات الحارقة .

تشهد له بذلك نعلين ، وقبيا ودير قديس التي علا رسم فنه الجميل أزقتها بشعارات

المقاومة لتعيش الحارات بريق يديه المبدع ، عاش بداية شبابه على ذلك حتى وجد أن فعله لن يكتمل إلا إذا ربى الجيل على حب الوطن ليؤسس فرقة الشموخ للفن الإسلامي وينثر مع إخوانه النشيد في كل أصقاع الوطن يشحن ويربي ، ثم ليعتلي هو مع كل وصلة بصوته الجهور مذكراً أن الطريق لا يعبده غير الرجال الذين يقفون في المنتصف بين المتعة والروح .

في الظلام كان يدبر له التغييب وفي أواسط التسعينيات ليكون موعده مع الاعتقال ليمكث في سجنه ثلاث سنوات تنقل فيها ما بين النقب ومجدو ، هناك أتم حفظ كتاب الله ، وتعرف على قيادات الحركة الإسلامية ليخرج أشد إيماناً وأفضل تجربة ، ظل على ذلك حتى بداية انتفاضة الأقصى تغيرت حينها الحسابات وتغير معها تفكير محمد لينتقل من الجهاز الدعوي وبصمت إلى الجناح العسكري لحماس .

التحق محمد بكتائب الشهيد عز الدين القسام في أواخر عام 2001م أثناء اندلاع انتفاضة الأقصى ، ليبدأ العمل مع القائدين القساميين الأسيرين إبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي مشكلاً خلية اعتبرها الاحتلال الأخطر على أمنه، مركزا ً جهده في المراحل الأولى على قنص جنود الاحتلال ومستوطنيه ، حتى أنه جعل وإخوانه الطرق الالتفافية جحيما على المستوطنين.

ثم عمد إلى بناء جسم لخلاياه ووزع المهمات فيها ليضمن معها استمرارية العمل ، فدمج في تشكيله بين الضفة والقدس ، وحرص على تدريب طاقم كمهندسين للعمل وكان من أبرز تشكيلاته خلية سلوان ومن أهم عملياتها : عمليتا موممنت وريشون لتسيون الاستشهاديتين ، عملية سكة قطار تل الربيع- تل أبيب-، عملية الجامعة العبرية ، وكان الأبرز في جهد الخلية المخطط الكبير لتفجير محطة الغاز التي كانت ستشكل الضربة التي توقعت المجموعة أنها قد تشعل حرباً إقليمية والتي كان تقدير القتلى فيها سيزيد عن أربعين ألف إسرائيلي وهذا ما أكده الأمن الإسرائيلي ، ثم خططت المجموعة لقتل نجل شارون والذي نجا من المحاولة بأعجوبة ، هذه بعض من العمليات المتفرقة والتي كان حصادها أربعين قتيلاً ومئتي جريح.

اعتقل محمد في 18/8/2002م ، بعد ضربة تلقتها إحدى مجموعاته ليبدأ رحلة حكمه البالغ36 مؤبداً ، تنقل فيها بين عسقلان ونفحة وبئر السبع ، ليعيش اليوم في عزل هداريم ، ليوثق في كتابات عديدة ، مراحل العمل الذي أبدعه القسام في الضفة ، سارداً أهم التفاصيل في حكاية خلاياه هناك .

في حياة السجن لا يسكن ، تراه وقد جمع إخوانه على كتاب الله يعلمهم ، ويحفظهم سوره ليعيشوا جميعا في جلال الله يتضرعون إليه بالنصر ، في أيامهم هناك يتابعون أيام الوطن يتواصلون في الأحداث المهمة من خلال الرأي الذي تركن إليه الدعوة في الملمات ، كنت في الأحيان الكثيرة أعجب في نظري إليهم وهم يقفون وفي عنابرهم يديرون معركة البقاء والصمود ، لا يتوقفون عن غيظ أعدائهم حتى وهم تحت قهر أيام السجن الحاقدة ، هناك يظن كل واحد منهم أنه مع خلوة يربي بها نفسه ويؤدبها ليكون في جولته القادمة أقرب إلى الله.

في الأسر يرسمه إخوانه أسداً، ترى شرر عينيه في مواقف المواجهة مع السجان ، بريق جبهته يرعب لصوص الأعمار مغتصبي الوطن ، في العتمة لا تخيفه السياط البالية على الأجساد.

أبو بلال وإخوانه اليوم يكتبون للتاريخ مشهد العزة ويصوغون على وجه القمر المسطر أهازيج العودة التي ينشدونها بثبات ، عشنا معهم وكانت رسائلهم دائما لا تسقطوا عن وجه الأرض الأمل ، ولا تبيعوا العقيدة بالفتات ، ونظموا القدس في أحداق عيونكم قصائد . وقبل

الختام عليك محمد وعلى إخوانك السلام .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026