يبدو أن شهر سبتمبر سيكون محطة فاصلة ومفترقا حادا في تطور الأحداث في فلسطين وما حولها يوم أن أعلنت حماس عن انبعاثها من بين الركام من جديد وبضربة موجعة أذهلت العدو قبل الصديق وجعلت…
يبدو أن شهر سبتمبر 2010 سيكون محطة فاصلة ومفترقا حادا في تطور الأحداث في فلسطين وما حولها...يوم أن أعلنت حماس عن انبعاثها من بين الركام من جديد، وبضربة موجعة أذهلت العدو قبل الصديق وجعلت بوصلة الحدث الأبرز- رغما عنها- تؤشر نحو الضفة مجددا، ولكن هذه المرة ليست بنكهة حماس الجريحة ولكن بنكهة بارود حماس.
وتدحرجت كرة الأحداث سريعا لتكشف علنا عن علاقة أمنية غير مسبوقة بين السلطة في رام الله والاحتلال – كما يتباهى الطرفان - بل ويسارع رئيس السلطة بنفسه لإعلان الكشف عن منفذي العملية بعد اعتقالات طالت ما يقرب الألف من أعضاء وأنصار وأقارب وجيران أقارب ومعارف أنصار حماس أو من ألقى عليهم السلام يوما ما ولو بصورة عابرة أو من وراء حجاب.
وبعد شهر من العملية المشهودة في الخليل، والتي قيل فيها إنها لخدمة نتانياهو وتخريب المفاوضات (العامرة بالانجازات) وصرف النظر عن الاستيطان! قتل المستوطنين يصرف النظر عن الاستيطان..أي اختراع عبقري هذا؟!
بعد شهر يترجل الفارسان اللذان أوقفا العالم على رجل واحدة..شابان أحدهما لم يتجاوز الثامنة والعشرين والثاني في الثالثة والثلاثين...يخوضان ملحمة بطولية طوال خمسة عشرة ساعة حبست فيها الأنفاس وارتفعت فيها الأكف تدعو لمن يواجه طائرات ودبابات وصواريخ (أشكنازي ) الذي يبدو أن اللحوم على موائد بيت لحم لم تكن كافية لإشباعه فجاء لإكمال وجبته في الخليل، فهو يعرف أن هناك رجالا تقاتل بلحمها وعظامها حين يعز الرصاص ولكنها لا تعرف مفردات الاستسلام..
نشأت ومأمون يردان الاعتبار لحماس ويعيدان الوجه المشرق للضفة بأنها مصنع الرجال وحاضنة الأبطال، وأنها أم نشأت ومأمون،وهي ممن لا يسير على نهجهم أو يحاربه براء.
نشأت ومأمون بشجاعتهما ودمائهما الزكية كسرا حاجز الخوف والرهبة، فها هي الجموع الهادرة تخرج دون خوف أو وجل تهتف للمقاومة وتهتف لحماس ، لا تعبأ بالزنازين ولا الشبح ولا (الفلكات )، وماذا يكون هذا –على قسوته وإيلامه- أمام الدم الساخن السيال الذي يروي الأرض العطشى ويبعث القوة والعزيمة في النفوس الظمأى..
الضفة اليوم تبعث من جديد.. معلنة أن عقارب الزمن لا تعود إلى الوراء بعد ان خطت دماء نشأت ومأمون الطاهرة الوصية: لن يوقف المقاومة ولن يوقف حبنا لفلسطين ألف احتلال وألف تنسيق وتنسيق..
"الشاباك " الصهيوني يصحو من الصدمة بعد أن استرخى ومدّ رجليه على مقولات نهاية المقاومة وسحق حماس..فإذا به يفيق على كابوس مزعج في طولكرم في جنازة الشهيد شلباية وعلى حقيقة مرّة لاذعة في الخليل تقول: حماس موجودة ولا يمكن القضاء عليها.
نشأت ومأمون في موتهما (شهادتهما) (يجبران) من تفاخر بمطاردتهما في حياتهما أن يتباكى ويستنكر ويندد باغتيالهما، ذاك نفسه هو من قال يوما: لن أعتذر عن أحداث قلقيلية (اغتيال السمان ورفاقه ). ترى، ما هو الفرق بين الحالتين (الاغتيالين )؟
شابان في مقتبل العمر يوجهان ضربة قاسية لأسطورة الشاباك الذي لم يفق بعد من صدمته في غزة، حيث فقد هناك الكثير من أعوانه وأجهزته المتطورة بفعل ضربات جهاز الأمن الداخلي الفلسطيني، ولكنه كان يواسي نفسه بان الضفة تبقى ميدانا رحيبا تتسابق فيها خيوله وذيوله دون عناء.فلا حماس ولا قسام ولا من يحزنون.
واليوم، بعد خلية (الكرمي والنتشة) "هلوسات" أمنية متتابعة أصابت الشاباك، فها هو يصدر التحذيرات بأن قساميا قادما من الخارج جاء لتنظيم الصفوف من جديد وما ذاك إلا مؤشر على الارتباك في صفوفه ودعوة للسلطة من اجل تصعيد حربها (المتصاعدة أصلا) على المقاومة.. ولإيجاد مبرر واهٍ من أجل استمرار حملات القمع والملاحقة متعددة الاتجاهات..
لا شك أن فلسطين عامة والضفة وحماس خاصة خسرت رجالا قل مثيلهم،وخسارتها في ذلك كبيرة، ولكنها ربحت أشياء كثيرة أهمها: أن الصورة النقية الحقيقية قد عادت واضحة دون رتوش..حماس في مواجهة الاحتلال..
حماس –رغم كل الألم- تحافظ على طهارة السلاح، حماس لا تزال رأس حربة المقاومة فهي رغم كل ما جرى ويجري لها، ورغم آلاف العيون المحدقة والمتابعة لأبنائها حتى في صلاتهم، تعد وتخطط وتضرب الاحتلال وقطعان مستوطنيه.
والأهم من ذلك – شعب المقاومة – الذي يضحي بالبيوت والبنايات والمتاجر ومصادر الرزق وقبل ذلك يتعرض للمخاطر ليحمي ويحتضن المقاومة..أرأيتم عشقا للمقاومة والمقاومين أكثر من تحدي الرصاص والقفز تحت النار لاختطاف جثامين الشهداء وتقبيلها ومعانقتها وحمايتها قبل أن تصل إليها يد الاحتلال.
هذا الشعب الذي أريد له أن يستبدل الوطن براتب ورتبة، بملء الفم يقول: القدس في العيون نفنى ولا تهون.
اليوم تعود الضفة التي أريد لها أن تكون نموذجا لسلام نتانياهو الاقتصادي إلى وجهها المشرق الذي احترمها العالم وقدر تضحياتها لأجله..
تعود لتقول: إنها ميدان للشرف والكرامة والبطولة والمقاومة...هكذا هي فلسطين وهكذا هي الضفة كانت ولا زالت وستبقى بإذن الله.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع