"لقد عشت معه في الأسر".. لروح الشهيد نشأت الكرمي

إبراهيم دحبور
2010-10-09

اقتبست عنوان مقالتي من خاطرة كتبها أحد الأخوة الأسرى في سجن مجدو بعنوان عشت معهم في الأسر مسجلا فيها أحداث معايشته للنواب والوزراء ورؤساء البلديات أثناء تجمعهم في سجن مجدو فما…

اقتبست عنوان مقالتي من خاطرة كتبها أحد الأخوة الأسرى في سجن مجدو بعنوان " عشت معهم في الأسر " مسجلا فيها أحداث معايشته للنواب والوزراء ورؤساء البلديات أثناء تجمعهم في سجن مجدو، فما وجدت أجمل منها خاطرة ولا أصدق منها تعبيرا عن مشاعر الأسرى تجاه بعضهم، وما أن بدأت الأخبار المؤلمة تتوالى صباح الجمعة وتأكد نبأ استشهاد المجاهد البطل نشأت الكرمي، وإذا بالذكريات تعود بي إلى سجن مجدو،  وقفزت إلى ذهني الخاطرة، فأحببت أن أسجل أحداث معايشتي للشهيد نشأت في ذات السجن، مستسمحا الأخ الحبيب باستعمال عنوان خاطرته مع تعديل بسيط "لقد عشت معه في الأسر" -أقصد الشهيد نشأت- ولأقول مفتخرا.. لن أنسى يوما همته..لن أنسى يوما شهامته وجرأته.. صبره وجلده.. هدوءه وسكينته.. صدقه وفضله.. قصصه وصحبته.. لن أنسى يوما بسمته وحسن طلته.. صفات ستبقى محفورة في ذاكرتي وذاكرة كل من عرف نشأت أو عايشه.. كما الصخر تدوم الكلمات المحفورة على صفحته.. إنها بعض صفات الشهيد المجاهد البطل نشأت ألكرمي كما رأيتها أثناء تشرفي بالعيش معه في الأسر.. ففي الأسر يختبر الرجال.. ويعلم حقيقة حالهم ومدى صدقهم وصبرهم.. كرمهم وإيثارهم.. أخلاقهم ومعادنهم.. وقد خبرنا نشأت في الأسر، فبانت للجميع صفاته الحسنة وأخلاقه العظيمة، صفات وأخلاق استندت إلى سنوات طوال من الجهاد والصبر والمثابرة والمعاناة، سنوات بدأها بأيمان فإبعاد فجهاد فأسر فمطاردة فاستشهاد؟

كيف أنسى تلك الصفات وقد رأيت وجهه -بعد طول فراق - يتهلل بالنور ويشع بالإيمان، عندما ارتحل إلى ربه شهيدا، فعلى فوق بحر من الرجال الذين أحبوه فحملوه إلى مكانه الموعود، ليحيا من جديد متمتعا بالنعيم المقيم الذي أعده الله للشهداء من أمته ؟ مصداقا لقوله تعالى "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ "وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ".

كيف أنساها وأنا الذي أطمع أن يلحقني الله بنشأت رفيقا في الجنة ؟ مستبشرا بقوله سبحانه في تتمة الآيات " وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ".

أما قصة معرفتي بالشهيد، فبدأت بمجرد أن استقر بنا المقام في سجن مجدو – بعد كثرة ترحال بين سالم ومجدو والرملة – حيث عشنا الفترة الأولى من اعتقالنا في ظروف صعبة ومعزولين عن بقية المعتقلين، ومنعنا من الاحتكاك بهم بحجة عدم التأثير عليهم، وما علم سجاننا أننا نحن التلاميذ وأمثال نشأت هم الأساتذة والمؤثرون، وبعد أكثر من شهر تقريبا تم دمجنا معهم، وفتحت الأبواب بيننا وكانت فرحة الجميع بهذا الدمج كبيرة، وكان على رأس من استقبلنا شاب وسيم..أشقر الشعر واللحية.. حسن الطلة.. جميل المحيا.. في وجهه نور وصدق وإيمان.. حيانا وعانقنا وبش في وجوهنا وقام بواجب ضيافتنا واستقبالنا خير قيام.. وفي حفل التعارف المعتاد بين الأسرى، ترنمت أذناي بسماع أنغام اسمه، فحفظته عن ظهر قلب.. قال بصوت هادئ ينم عن أدب جم : أخوكم في الله نشأت الكرمي.. ويا لمحاسن الصدف، فقد شاءت الأقدار وترتيبات السكن في السجن أن أسكن وإياه على سريرين متجاورين في غرفة واحدة.. فخبرت صفاته عن قرب.. وتشرفت بمعرفته ودوام الحديث معه.. وتعلمت منه ما لا يحصى من الصفات الحسنة والأخلاق الحميدة والمعاني الفاضلة.. إنه واحد من الرجال الرجال الذين من الصعب نسيانهم أو المرور عنهم هكذا دون ذكر ومدح وإجلال وإكبار، فسجله حافل بالجهاد والتضحية والعطاء..

لقد كان يحدثني كثيرا عن مشوار حياته وإبعاده ودراسته الجامعية ومطاردته وإصابته البليغة التي كادت ترفعه إلى مقام الشهداء حيث تمنى دائما.. ولكن شاءت إرادة الله أن يؤخر له ذلك حتى يتحصل له من الحسنات والأعمال الصالحة الشيء الكثير.. فاعتقل بعد إصابته البليغة في البطن والتي تسببت له بمشاكل صحية وآلام كثيرة في فترة التحقيق، واستمرت معه بعد ذلك في سجنته الطويلة، إذ حكم عليه بالسجن لست سنوات تقريبا.. حدثني عن بداية حياته الاعتقالية في مستشفى سجن الرملة وحجم المعاناة التي كابدها، وعن الحالات الإنسانية الصعبة الموجودة في المستشفى، وكيف كان يساعد الجميع ويعاونهم على تسيير أمور حياتهم كونه أخفهم صعوبة ومرضا – مع صعوبة حالته -.. حدثني كثيرا عن الأسرى القدامى وأصحاب الأحكام العالية ومقدار الخبرة والفائدة التي استفادها منهم، ولمست كم كانت مشاعره جياشة تجاههم.. وبعد نقله إلى سجن مجدو أخذ يعكف على زيادة حصيلته الثقافية والعلمية والإيمانية .. كان يقضي جل نهاره في حفظ كتاب الله عز وجل وفي خدمة إخوانه وتعليم بعضهم اللغة العبرية التي أتقنها جيدا في بداية اعتقاله .. أما ليله فكان يوزعه بين مناجاة ربه والابتهال إليه وطلب نصرته ومغفرته، وبين السهر مع كتب جامعته ودراسته.. وقليل من ليله يذهب لنومه وراحته.. لقد أحبه الجميع ونظروا إليه باحترام وافتخار.. وما سمعت أحدا يوما ذمه أو انتقده.. بل كانت سمعته الطيبة تسبقه إلى بقية السجون، فتفوح عطرا ومسكا يغري الجميع فيتمنى مجالسته ورؤيته.. كان شعاره الذي سمعته منه يوما " عِشْ مَا شِئْت فَإِنَّك مَيِّتٌ ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْت فَإِنَّك مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْت فَإِنَّك مَجْزِيٌّ بِهِ" .. وبالفعل فقد كان شعاره الذي طبقه في حياته.. لقد عاش حتى قدر له أن يختار ميتته، فأكرمه الله بأن مات شهيدا كما كانت رغبته.. وأشتاق لرؤية أهله ولقاء خطيبته التي انتظرته حتى خرج من السجن، فقدر له أن يفارقهم سريعا، وأصر أن يحمل معه وعده الذي وعده لهم بأن يكون شفيعهم يوم القيامة، فكان شفيعهم كما أراد..وعمل الذي اعتقد أن الله سيجزيه به خيرا في دنياه وآخرته.. فهنيئا هنيئا له ولأهله ولزوجته ولكل من عرفه.

اللهم إن رسولك صلى الله عليه وسلم قال" أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ"

اللهم إني أشهد لأخي نشأت فتقبل شهادتي " فقد عشت معه في الأسر ".

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026