متى ندرك الحقيقة كما يدركها

متى ندرك الحقيقة كما يدركها "عمرام متسناع"

د. عبد العزيز الرنتيسي
2003-09-02

متى ندرك الحقيقة كما يدركها متى ندرك الحقيقة كما يدركها عمرام متسناع أخذت أتدبر مقال عمرام متسناع في صحيفة هآرتس بتاريخ تحت عنوان أخرجوا من هناك فقلت في نفسي يا ليتنا ندرك ما أدركه…

متى ندرك الحقيقة كما يدركها

متى ندرك الحقيقة كما يدركها "عمرام متسناع"

أخذت أتدبر مقال "عمرام متسناع"  في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 31/8/2003 تحت عنوان "أخرجوا من هناك" فقلت في نفسي يا ليتنا ندرك ما أدركه "عمرام متسناع"، وهو هنا يقول الحقيقة مجردة فهو لا ينافس على منصب سياسي وقد استقال طواعية من رئاسة حزب العمل، ولذلك فإن مقاله يعكس الواقع الذي يعيشه الصهاينة من خوف ويأس وإحباط ومرارة وألم، ومن فقدان الأمل في المستقبل، إن "متسناع" مثله مثل مئات الآلاف من الصهاينة الذين فقدوا الأمل بإمكانية بقاء هذه الدولة اللقيطة التي قامت على الغصب والعدوان.
"متسناع" بكل شجاعة يعترف - وهو جنرال سابق - أن ما ذهبت إليه العصابة التي تقود الكيان الصهيوني في ادعائها أنها انتصرت عل المقاومة الفلسطينية إنما كانت تخدع نفسها، وتخدع اليهود الذين يصدقونها، فقد قال في مقاله "عندما صعد شارون إلى سدة الحكم على ظهر شعار (اتركوا جيش الدفاع ينتصر)، وعدنا بأنه الوحيد الذي يستطيع أن يهزم الإرهاب. شارون فاز في الانتخابات ولكنه لم ينتصر على الإرهاب، وكذلك الحال مع جيش الدفاع. العكس هو الصحيح. طوال السنوات الثلاث الأخيرة تدهور أمن مواطني إسرائيل إلى الحضيض الذي لم نشهد مثله من قبل. هذا هو الواقع ولكن ليس من الضرورة أن يكون كذلك. القادة ينتخبون حتى يغيروا الواقع وحتى يقودوا الناس وليس من اجل الخضوع لإملاءات أي طرف آخر وبالتأكيد ليس لإرادة التنظيمات الإرهابية. ولكن شارون خضع واستسلم".
ليت الذين يشككون في جدوى المقاومة أن يقرءوا الواقع الصهيوني بسبب ضربات المقاومة الموجعة كما يقرأها "متسناع" الذي يعيش الألم والخوف والهزيمة، لقد أقر بأن "شارون" لم ينتصر على المقاومة، ثم اعترف بأن العكس هو الصحيح، أي أن المقاومة هي التي انتصرت، ولا يعني انتصارها تدمير قوة العدو فهذا أمر غير وارد في ذهنه، ولكنها استنزفته اقتصاديا فلا استثمار ولا سياحة كما تضعضعت الصناعة والزراعة والأخطر من كل ذلك هروب رؤوس الأموال إلى أوروبا وأمريكا، واستنزفته بشريا ففضلا عن المئات الذين قتلوا فإن مئات الآلاف قد فروا من جحيم المقاومة، واستنزفته نفسيا وقد ثبت في استطلاعات الرأي أن أكثر من 20% يعانون من اضطرابات نفسية بسبب المقاومة، من هنا يؤكد متسناع كما أقر بذلك 33% من المجتمع الصهيوني أن المقاومة هي التي انتصرت، ونحن نؤكد أن المقاومة قادرة على إحراز النصر الحاسم والملموس  لو خلوا بينها وبين العدو الصهيوني دون أن يقطعوا الطريق عليها.
ويصل الأمر بالجنرال "متسناع" إلى الإقرار بأن مستقبل الكيان الصهيوني بسبب المقاومة في خطر فيقول "نحن موجودون اليوم في نقطة زمنية حاسمة ستحدد أن نكون أو لا نكون" بل يذهب في الوضوح إلى أبعد من ذلك وهو يضيف قائلا "سنوات مرت ودولة إسرائيل أخذت تغرق في وحل يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وغزة. غرقنا هناك لدرجة أننا لم نعد قادرين على رفع رؤوسنا والنظر إلى الواقع الأليم الذي نعيش فيه. ولكن رابين أدرك ما تدركه التنظيمات الإرهابية أيضا وما لم تدركه حكومة شارون بعد - إن تواصل الصراع مع الفلسطينيين ومواصلة السيطرة على المناطق تعني القضاء على الصهيونية ونهاية الدولة اليهودية. رابين أدرك أن السيطرة في "يشع" ليست ذخرا قوميا وإنما هي عبء يحدق استمرارية وجودنا بالخطر".
بهذه الكلمات التي تعبر عن مرارة يعيشها هذا الكيان المسخ وهو يصف الوضع بالواقع الأليم، ثم بكل وضوح يعرف للمقاومة قدرها وأثرها على مستقبل هذا الكيان وهو يقول "إن تواصل الصراع مع الفلسطينيين ومواصلة السيطرة على المناطق تعني القضاء على الصهيونية ونهاية الدولة اليهودية"، ولا غرابة في ذلك فالقضاء على هذه الدولة حتمية قرآنية (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً) (الاسراء7)، ووعد الآخرة قادم لا محالة، وبشائر قدومه هذه المقاومة التي أساءت وجه الصهاينة كمقدمة قرآنية لتدمير ما علوا تدميرا، وما من شك أن دمار هذا الكيان وهو المشروع الصهيوني الأهم يعني القضاء على الصهيونية، لأن يهود العالم سيدركون حينه أن العصابات الصهيونية قد دمرت حياتهم وقضت على مستقبلهم وأوردتهم المهالك، وهي التي جلبتهم إلى فلسطين لتعذيب المسلمين، واغتصاب مقدساتهم وتدنيسها، وذبحهم في مئات المذابح التي لن يغفرها التاريخ، ولن تمحوها القنابل من ذاكرة شعب مسلم دمرته العقلية الإرهابية للعصابات الصهيونية.
ثم هاهو يعترف بالخوف الذي أصبح من سمات مجتمعهم المنهار فيقول "لا شك أن قتل الأطفال والمدنيين الأبرياء بدم بارد مسألة تبعث على الغضب والنقمة وتفقد الإنسان صوابه بحيث يكون الدافع الأولي الطبيعي هو الميل إلى الانتقام، والرد وتلقين الطرف الآخر درسا لن ينساه. ليخافوا مثلنا، ليهربوا. ولكن هذا ليس إلا حلما. في الواقع تؤدي كل عملية تصفية إلى حدوث عملية تخريبية وموت أناس آخرين. بدلا من النظر إلى الأمام كما يتطلب الأمر من القادة والعمل من اجل المصلحة الإسرائيلية - الانفصال عن الفلسطينيين - تنجر الحكومة إلى داخل دوامة الإرهاب - الرد - الإرهاب السحرية. ولكن ويا للعجب لم تنجح سياسة الاغتيالات في إخضاع الإرهاب ولم يتحسن أمن المواطن الإسرائيلي نتيجة لذلك. سياسة التصفيات فشلت وقد آن الأوان للاعتراف بذلك".
هكذا بكل وضوح يقول الجنرال "متسناع" ليخافوا مثلنا، كنا نحن الذين نسعى لإحداث توازن الرعب، فانقلب الحال اليوم فهم الذين يسعون لإحداث توازن الرعب، ثم يقر أن إحداث توازن الرعب من قبلهم لا يعدو كونه حلما لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع.
لم يكن مفاجئا لي خطاب "متسناع" والمتتبع لما يقال في الصحف العبرية سيدرك أن لدى سياسييهم ومفكريهم من هو أكثر انهيارا من "متسناع"، ولكن المفاجئ لي ولكل المجاهدين أن هناك من بني جلدتنا من لا يؤمن بذلك، ويصر على إلصاق الهزيمة بنا، ومطالبتنا بالركوع والاستسلام، وإيقاف المقاومة التي تهدد الوجود الصهيوني في أرض فلسطين، إنهم يهربون الآن من فلسطين فلماذا لا نتركهم يهربون؟؟!!!!
فمتى ندرك الحقيقة كما يدركها "متسناع"؟؟!!!!!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026