عندما كان السيد محمود عباس رئيس منظمة فتح وسلطتها والمتحدثون من حوله يتعهدون بعدم الاستمرار في المفاوضات إذا استمر الاستيطان فإن العارفين بالرجل ومنظمته وسلطته وبواقع ظروفهم…
عندما كان السيد محمود عباس رئيس منظمة فتح وسلطتها والمتحدثون من حوله يتعهدون بعدم الاستمرار في المفاوضات إذا استمر الاستيطان؛ فإن العارفين بالرجل ومنظمته وسلطته وبواقع ظروفهم ومواقفهم كانوا يعلمون أن تلك التصريحات والتعهدات لم تكن أكثر من صياغات إنشائية وجمل لغوية للاستهلاك الإعلامي لتمرير رسالة مفادها أن لدى القوم ممانعة وأن لممانعتهم إرادة.. وها هي قد جاءت ساعة الحقيقة وانتهى قرار تجميد الاستيطان، وها هو نتنياهو يحرجهم تارة أخرى ويضطرهم للتنازل والتراجع من جديد ويفضح دعاوى تمسكهم بالثوابت.. الاستيطان عاد وعلى أشرس وأوسع مما كان.. وهو يقضم الأرض ويفتك بمبررات التسوية وطموحات الاستقلال؛ غير أننا لم نر من تعهداتهم شيئاً، وها هم إما يلوذون بالخرس السياسي أو يناورون على شعبهم بدعوى العقلانية التي تجعلهم لا يستعجلون الانسحاب من المفاوضات، ولا يتصرفون من وحي ردات الفعل، وأنهم سيعودون إلى لجنة المتابعة العربية التي ستجتمع يوم 4 / 10 القادم.. ولاحظ أنهم سينتظرون عشرة أيام قبل التقرير حيال هذه القضية، ولاحظ مدى جاهزيتهم وفوريتهم بالمقارنة مع جاهزية وفورية المستوطنين الذين كانت جرافاتهم تعد الدقائق والثواني الأخيرة لانتهاء قرار تجميد الاستيطان.
ذلك يطرح تساؤلات عن جديتهم يوم تعهدوا بالتوقف عن المفاوضات، وعن حجم قضية منع الاستيطان في وجدانهم، وعن حدود الدولة التي يؤمنون أنها حق للشعب الفلسطيني.. ولنا أن نتساءل أيضاً: عندما اتخذوا قرار الانحناء للضغوط الصهيونية والأمريكية وخالفوا الإجماع الشعبي والفصائلي الفلسطيني هل كانوا يتوقعون التصادم مع مسألة الاستيطان ولم يأخذوها على محمل الجد؟ (وهذا في حد ذاته مصيبة تتعلق بفهمهم للواقع وأوليات العمل السياسي وأخلاق وتاريخ العدو)، أم أنهم توقعوا التصادم مع الاستيطان ولكنهم لم يفكروا في البدائل ولم يقرروا حيال هذه القضية شيئاً حتى حل المحذور ووقع المحظور (فتلك مصيبة أكبر من سابقتها لأنها تعني أنهم يستخفون برأي شعبهم ومصالحه العليا وأنهم يفتقدون أبسط معاني الإحساس بالمسؤولية تجاه أمر هو أشبه باليقين ويتطلب أقصى درجات الجدية والمسؤولية) أم أنهم توغلوا في المفاوضات بصرف النظر عن الاستيطان.. (هنا نسألهم فلماذا إذن يرجئون القرار إلى يوم 4 / 10 وإلى اللجنة العربية أو اللجنة التنفيذية للمنظمة؟).
الخلاصة أن عباس ومنظمته وسلطته عادوا للمفاوضات، وتركوا وراءهم الاستيطان ولن تكون عودتهم للجنة العربية أكثر من ترحيل للمشكلة وغطاء أمام شعبهم ومنتقديهم، ولن تكون معارضتهم أكثر من تسجيل موقف للمناورة الإعلامية، ولن ينسحبوا من المفاوضات لأي سبب وفي أي وقت وهو ما أصبح لازمة سياسية ودبلوماسية لهم.. والسؤال: هل هم بهذا التنازل قد حلوا أزمتهم أو أزماتهم؟ أو بصيغة أخرى: هل قبولهم بالاستيطان قد أقر عين نتنياهو واسترضاه عنهم - ولو مؤقتاً – ليقدم لهم رشاوى سياسية ربما ترمم شيئاً من صورتهم المهشمة في وجدان الشعب؟ وهل تلك الرشاوى ستقنع الناس ويتقبلونها كثمن للاستيطان؟ ثم بالنظر للحل النهائي الذي يتفاوضون حوله ويتوهمون أن العدو سيمنحه لهم هل صار هذا الحل قريباً؟ وهل حلوا بهذا التنازل أزمتهم المالية ليسكتوا فئة ممن في طواياهم لسان حالهم يقول: (أعطني خبزاً أعطيك سكوتاً)؟
وأقول: إن أزمة القوم تزداد وتتضاعف كل يوم وهم يرزحون تحت أزمات لا أزمة ؛ أزمة انغلاق الخيارات، وأزمة التشرذم والانقسام، وأزمة التنسيق والتعاون مع العدو وما يستتبعه ذلك من تحديات واحتمالات، وأزمة الثقة بمهنيتهم، وأزمة الرواتب وأزمة القدرة على التسكيت والتستير.. وكل ذلك فوق أزمة شرعيتهم الوطنية المختلف عليها، وأزمة شرعيتهم الانتخابية التي صارت ماضيا، وأزمة شرعيتهم الثورية التي انقلبوا هم عليها، وأزمة شرعيتهم التغلبية القائمة على السيطرة الميدانية التي صارت لا تثبت إلا في ظل الاحتلال، وأزمة شرعيتهم الأخلاقية المتبددة.. وجاءت أزمة الاستيطان أخيرا لتزيد مشهدهم قتامة وأوضاعهم الداخلية والخارجية وكل أداءاتهم انحشاراً..
هذه الحالة الاحتقانية تشبه إلى حد بعيد الحالة الانغلاقية التي سبقت الانتفاضة الأولى والأخرى التي سبقت الانتفاضة الثانية.. فإذا كان السؤال هل من انتفاضة ثالثة والحال هذه؟ فأقول: ولم يستبعد أحد ذلك إذا كانت كل الأمور قد صارت مهيأة لها ومعززة بالاحتقان واليأس والإحساس بالتلاشي والقهر والكبت والتعديات والتحديات التي يفرضها الاحتلال والتي لا تنقطع ولا تتوقف لحظة.. أعتقد أن الانتفاضة الجديدة قد اقتربت جداً وربما حدث صغير يكون ويكفي شرارة لها.. كما حدث في الانتفاضة الأولى التي انطلقت باستشهاد أربعة عمال دهستهم شاحنة صهيونية، وكما حدث في الانتفاضة الثانية التي انطلقت بدخول شارون إلى ساحات المسجد الأقصى، هذه الشرارة بدأت بوادرها تلوح من حي سلوان والبستان ومن خارج نطاق عمل قوات دايتون.. أي من القدس ذاتها!
منظمة فتح ومعها السلطة ربما أزاحوا بموافقتهم على الاستيطان أزمة واحدة من أمامهم؛ ولكنها إزاحة مؤقتة وإلى جهة الأمام الأبعد، أي أنهم يرحلون أزمتهم ولكنهم يراكمونها على أزمات كثيرة انتهت حتى الآن إلى هزائم سياسية وميدانية وإلى المزيد من الانحشارات السياسية؛ فلماذا يعتقدون أن الشعب الفلسطيني سيسكت عليهم إلى الأبد وبالأخص مع استمرار الاستيطان؟ وإذا انتهت مفاوضاتهم بعد كل هذه التراجعات والتنازلات والانهيارات إلى صفر كبير وفضيحة أكبر! وإذا استمر فوق ذلك ومعه وبعده كل ما بينهم وبين العدو من تعاون أمني وسياسي. والسؤال الأهم والعملي والأساسي هل هذا التوقع (أو التحسب) هو ما قادهم إلى اقتناص فرصة التقارب مع حماس هذه الأيام؟ وإذا كانت لهم مصلحة في توقيت هذا التقارب فهل لحماس فيه مصلحة مكافئة أو زائدة عن مصلحتهم؟ وهل في هذا السياق يأتي كلام عضو اللجنة المركزية لمنظمة فتح - جمال محيسن – من "أن فتح معنية بإنجاز المصالحة الوطنية خاصة في هذه المرحلة السياسية الصعبة".
آخر القول: إن المسار الذي انطلقت فيه منظمة فتح ثم سلطتها لا يوصل إلا إلى نتيجة واحدة ليست هي التحرير ولا الوحدة ولا القبول الشعبي؛ ولكن إلى أزمات كثيرة ومتوارثة.. تراكمت وتكاثرت وحتماً ستؤدي لانتفاضة جديدة صارت قاب قوسين أو أدنى..