شهر رمضان في المعتقل.. تعبد ووجع

شهر رمضان في المعتقل.. تعبد ووجع

علاء الريماوي
2010-08-26

جدول عادي في الأسر الصهيوني لا تقف المعاناة عند حد بل تتجاوز في تفاصيل وجعها الذات إلى الأسرة جميعها دون مراعاة للعمر أو المناسبة و المكان في إسرائيل تتفنن مؤسسة السجون البحث عن…

في الأسر الصهيوني لا تقف المعاناة عند حد، بل تتجاوز في تفاصيل وجعها الذات إلى الأسرة جميعها دون مراعاة للعمر أو المناسبة و المكان.

 

في (إسرائيل) تتفنن مؤسسة السجون البحث عن الأذية بأسلوب علمي وتجربة بطول عمر الاحتلال، حتى أن تعدادها يزيد عن تعداد الأسرى أنفسهم، فلكل واحد منهم تجربة خاصة مع الوجع ينفرد فيها دون غيره برغم العيش في نفس المكان.

 

في الحديث عن وسائل القمع الصهيوني للأسرى نذكر العزل الانفرادي، ومصادرة الاحتياجات الأساسية، وإغفال العلاج، ومنع الزيارة، والقمع المستمر، والاعتداء المباشر، ومحاولة المس بالحرمات، وتشتيت المعتقل في أولوياته، والتفتيش العاري، والتحقيق الأليم الذي نعيش فيه منع النوم، والهز العنيف، والضرب المبرح، والمساومة الرخيصة وغيرها من الوسائل التي أبدعتها حالة السادية والفاشية التي تعيشها أدوات الاحتلال في ثقافتها.

 

هذا الكم من المعاناة التي تتربع في زنازين السجان تظل القدرة على مقاومتها عالية برغم الوجع.

لكن تجربة الأسر علمتني أن الصمود والجلد والتحدي لا يلغي مشاعر الأسير ولا ينسي في واقعه الذاكرة.

 

في الأسر نعيش تفاصيل الفرح، والحزن، والذكريات، نعرف أن في الأيام عيداً وزواجاً، وورداً، وقمراً، ونفهم أن وداع الأحبة صعب كميلاد البكر من غير مخدر.

في حديث المشاعر أذكر شهر رمضان والكيفية التي تمضي الساعات فيها داخل المعتقل.

 

في من عرفت تجاوزوا في صومهم ثلث قرن من الزمن داخل المعتقل ، لم يشاهدوا فيها لا ولداً ولا زوجة، ولا ساعة السحور ولا الإفطار، ولم يعد كثير منهم يتذكر انتظار الأذان (ولمة العزائم) والإفطارات الجماعية والعائلية وما يصحبها من الحب والدفء.

 

بل إن كثيراً منهم أضحت الكبسة، والقطايف والكنافة، واللحم، والكبدة، والقمر دين، وحبات التمر، والبندورة، والفجل، والبصل الأخضر وغيرها من أصناف الطعام حلم ليل يبدده الفول المسوس والفاصولياء التي لا تنضج، وشيء يسمونه لحما يدوم في القدر عاما حتى تستطيع تقطيعه ليسهل بلعه.

 

في جلسة سمر بعد التراويح في سجن نفحة الصحراوي، دار حديث الذكريات بين الأسرى الذين ذكروا من أيامهم وفاة الأم والوالد، وبعض الأعمام والأخوال الذين كانوا زينة رمضان في الخارج.

بعضهم تنهد في حديثه عن المساجد وأنس الصلاة في الأقصى، والدور في الإمامة والوعظ (قبل تقدم تقنية الصوت ورفاهية المساجد).

أما الكثير فكان يغالبه الدمع على أمنية الشهادة في رمضان حين كانت مجموعاتهم تطلب الشهادة بعد صلاة القيام في معاركهم البطولية مع جنود الاحتلال ومستعمريه.

 

في الحديث عن الصور المشاهدة احتاج إلى مجلدات للتوثيق كي يكتمل مشهد رمضان داخل المعتقل.

لكني سأكتفي من بين تلك المشاهد بصورة تظل في الذاكرة فصولها لهيب إيمان، ودمع تهجد، وصلاة ليل، وكم من الذكر، وشفافية روح باكية مع الترتيل.

 

هناك ترى في زوايا المعتقل قياماً لا ينقطع وسجوداً لا يفتر، لكن لسجن عوفر مذاق خاص شاهدته في برناج جماعي في العشر الأواخر في العام 2005.

بعض الإخوة أراد لصلاته اقتحام ظلمة المعتقل ليساند الأمة في نهضتها وتحررها وتمكينها، فتوزعت ركعات التهجد والدعاء في التركيز مع كل ركعة على محنة تعيشها الأمة من خلال الدعاء.

 فبدأ البرنامج بالعراق ثم أفغانستان، ولبنان والصومال، والشيشان، والشباب، والجهاد، وأخيرا كان الدعاء للأمة في وحدتها وقوتها ونصر مجاهديها.

 

غابت في الليالي العشر حظوظ النفس ومحنة الأسر، ووجدت في كل خيمة و زنزانة،  ساجدا ومتضرعا ببكاء، وجدت الحب يغطي المكان، وسمعت في الأرجاء تزاحم الرجاء.

لمسنا في الأيام تلك البركة، وشعرنا أن لطف الله ورحمته والمعية وتحرس جنبات الأرض.

 

هذه الروح لم تعجب السجان والتي معها مارس سياسة النقل والقمع، والتضييق، فنشر مجنداته لعمل الفاحشة على مرأى من أقسام المعتقل ظناً منه أن وحل الشهوة قد يغلب رقي الروح.

 

في ختام رمضان جاء عيده وفرحته وكان موعدنا مع تفاصيل كثيرة عشناها  قد تكون أشد على الأسير من غيرها لنتركها لمقال آخر.

 لكن قبل الختام للأمة... في الأوراق الإسرائيلية يحرصون على تفتيت الأمة ويتناقلون تصنيفات تعزى للقرب منهم ، لذلك نقرأ في كل ساعة مخططا ونلمس في كل يوم جريمة قد يكون الرد  عليها في رمضان تجربة الأسرى مع الإضافة إليها سعة الحر وقلب المجاهد، حينها قد نحسن الخلاص. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026