كنت معهم في الأسر

كنت معهم في الأسر

ثامر سباعنة
2010-08-16

جدول عادي قدر الله سبحانه وتعالى لي أن ألتقي خلال فترة وجودي في السجون الصهيونية بكوكبة مميزة من رجالات هذا الوطن الكبير كوكبة من بناة هذا الوطن وحماته وكانت هذه الكوكبة نواب المجلس…

قدّر الله سبحانه وتعالى لي أن ألتقي خلال فترة وجودي في السجون الصهيونية بكوكبة مميزة من رجالات هذا الوطن الكبير ، كوكبة من بُناة هذا الوطن وحُماته ، وكانت هذه الكوكبة نواب المجلس التشريعي وبعض وزرائه ورؤساء وأعضاء بلديات فلسطين. سابقا كنت أراهم عبر التلفاز ببدلاتهم الرسمية ووسط الإجراءات الحكومية والبروتوكولية ، لكن الرؤية لهم عن قرب والعيش معهم وبينهم وسط اقسي الظروف الا وهي السجن يجعلك تتعرف اليهم اكثر وتكون اقرب إلى حياتهم وواقعهم وسرائرهم.

بالرغم من قسوة الأسر وصعوبته الا انك تجدهم صابرين صامدين محتسبين الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى ، فلا تسمع على السنتهم شكوى وتألما أو تأففا ، إنما تسمع الدعاء والتسبيح وذكر الله وشكره ، بل انك تجدهم يسارعون إلى رفع معنويات بقيه الأسرى ومن كل الفصائل الفلسطينية ، ويدعونهم للصبر والثبات والتحمل، بل انك ودون حتى ان تسمع منهم ما يُصبرك يكفيك ان ترى الشيخ حامد البيتاوي وقد تجاوز عمره السبعين لكن ذلك لم يمنعه من ممارسة الرياضة كل صباح ، بل انه لم ينس دوره كداعية حتى في السجن فمارس عمله على الجنود الصهاينة وهم ينقلونه إلى العيادة الصحية يوميا بأن كان يشرح لهم الإسلام ويطلب منهم الدخول في هذا الدين العظيم ، والدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي والمحاضر في جامعة النجاح رغم كل تلك المكانة إلا انك تجد التواضع والحب لإخوانه الأسرى الشباب ،فتجده يمازح هذا ويرفع معنويات آخر، رئيس بلديه نابلس عدلي يعيش ذلك الرجل الرائع في تواضعه والمبادر للعمل مهما كان العمل فتجده يطبخ ويكنس ويغسل أواني الطبخ دون تردد، أبو أنس البوريني وقد أعياه المرض في استراحة العيادة يأبى أن يجلس طوال الوقت على الكرسي لأن إخوانه من الأسرى واقفين .. فكان يقف ليجلسهم مكانه علما أن أعمارهم في العشرينات، اذكر كيف ان الدموع انتصرت علينا وسالت عندما تقابل الوزير وصفي قبها مع اخيه المسجون منذ اكثر من سبع سنوات لم ير ايُّ منهم الاخر،رأيت كيف وقف النائبان عمر عبد الرازق و عبدالرحمن زيدان في وجه إدارة السجون الصهيونية ورفضوا السماح لهم بنقل الشيخ حامد البيتاوي إلى الزنازين ،فما كان من إدارة السجن الا قمعهم وتفريقهم في السجون،سمعت القرآن الكريم بصوت الشيخ خالد سعيد الذي يدخل إلى القلب دون حواجز ، كبار السن الدكتور حاتم جرار وفتحي القرعاوي ورغم المرض يتسابقون لتوزيع الطعام و لغسل الصحون بعد الانتهاء من تناول الطعام،سمعت ورايت الكثير الكثير والذي يطول بي الحديث عنه.

رغم القيد والحرمان إلا انك تجدهم قريبين من همّ الشعب وألمه ، يتابعون أخباره بترقب وانتظار وتحليل ، يضعون الحلول والاقتراحات التي – من وجهة نظرهم – تفيد قضية فلسطين وتخفف عن شعبها، فهم كالطبيب الخبير الذي يفحص جسد المريض بحرص باحثا عن المرض ليجد له السبيل المناسب للشفاء بعون الله ،هم بالرغم من الأسر ومنعهم من القيام بدورهم الذي انتخبوا لأجله الا أنهم لا يزالون يحملون عبء تلك الامانة ولا يفرطون بها رغم قيدهم. كبر اعمارهم وكبر مكانتهم إلا انك تجد التواضع ولين القلب لاخوانهم ،تجدهم يسارعون في العطاء والبذل ، لا يترددون في خدمة إخوانهم الأسرى ، بل تجد أيديهم أول الأيدي المتحركة للعمل، هم فعلا استحقوا تلك المكانة في هذا الشعب ، فهم لم يجيئوا للجلوس على الكراسي واستلام المناصب ...إنما جاؤوا للتضحية والعمل والبناء حيث كانوا ووجدوا ، حتى في السجون.

هم فعلا استحقوا تلك المكانة في هذا الشعب ، فهم لم يجيئوا للجلوس على الكراسي واستلام المناصب فلا يرون في الكراسي إلا الخشب، إنها حكاية في الصمود يرويها هؤلاء القادة الأبطال بعزائمهم التي تنير الظلام وتطلق فيه شهبا من الأمل القادم لفلسطين ، فهم القوم الذين رست فيهم العزة وجرت مجرى الدم في العروق ، وإن قيدت السلاسل معاصمهم البيضاء ستبقى أرواحهم محلّقة في سماء المجد وتطول القائمة وتطول ولا يتسع المجال للتعبير . فهنيئا لهذا الشعب بهؤلاء الرجال. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026