جدول عادي للمفكر اليهودي ألفريد ليلنتال كتاب بعنوان وهكذا ضاع الشرق الأوسط تحدث فيه مطولا عن العوامل التي أدت إلى إنشاء إسرائيل كدولة في قلب الشرق الأوسط فكان من أهم تلك العوامل…
للمفكر اليهودي (ألفريد ليلنتال) كتاب بعنوان (وهكذا ضاع الشرق الأوسط) تحدث فيه مطولا عن العوامل التي أدت إلى إنشاء (إسرائيل) كدولة في قلب الشرق الأوسط، فكان من أهم تلك العوامل هي تمزيق المنطقة إلى دويلات متناحرة، حرصت القوى الكبرى أن تشعل في كل بيت فيها نارا، وتمتد تلك النيران لتحرق أي بادرة نهوض، وكل ثقافة استنهاض، حتى لا تتعرض (إسرائيل) يوما إلى خطر حقيقي، يؤدي بها إلى الزوال...
وقد رافق ذلك حملة إعلامية هائلة تظهر (إسرائيل) على أنها الدولة الحضارية الوحيدة في المنطقة، والتي تعتمد الديمقراطية كنظام سياسي وهو ما يضمن للإنسان فيها أن يتمتع بكل الحريات، وفي مقدمتها حرية الاختيار ، والتنافس الأمثل بين برامج حزبية سياسية تهدف إلى الارتقاء بمستوى الدولة في كل مجالات الحياة ، ولا يصل إلى القيادة إلا من يحقق طموح الشعب الإسرائيلي بكل مكوناته في تلك المجالات ، بلا تزوير أو تضليل أو خداع ، ويضمن سيادة القانون التي تضمن محاربة الفساد والعمل من أجل الدولة ، في الوقت الذي تعكس فيه ( الحملة الإعلامية ) المحيط العربي ( بهذه الدولة ) في أدنى مستويات الديمقراطية التي تؤدي إلى سحق حرية الإنسان وآدميته من خلال أنظمة شمولية ديكتاتورية طاغية...
ولا يصل أحد إلى القيادة فيه إلا عبر انقلابات عسكرية مستبدة وعميلة ، تضمن للزعيم البقاء في الحكم إلى الأبد ، وإلى ما بعد الأبد ، رغم ظلمه وفساده وهزائمه المتلاحقة في كل ميادين العمل والبناء، تلك التي يطمسها إعلام معد ومخطط له ، ودعاية تجعل من الزعيم ملهما حينا، ومخلصا فذا في كل حين ؛ فيتمزق نسيج الدولة ( المجاورة ) ولا تشكل خطرا على (إسرائيل).
وقد وضعت لذلك خطط واعتمدت ميزانيات هائلة لإظهار (إسرائيل) بصورة الدولة (السوبر) وإظهار النظام العربي في صورة النظام الفاسد المتخلف العدواني، الذي ليس له من هم إلا القضاء على دولة (إسرائيل)، وما حروب (إسرائيل) في المنطقة إلا للدفاع عن النفس أمام هذه الأنظمة الهمجية !! وقد أثمرت تلك المخططات قناعات - حتى في العقل العربي - أدت إلى هزائم نفسية كبيرة، لعل أبرز ملامحها يتمثل في النظرة إلى القيادات الإسرائيلية على أنهم لا يعملون إلا لصالح الدولة، ولا يتنافسون إلا في تقديم الأفضل، فلا يتآمرون ولا يكيد بعضهم لبعض، بل هي الديمقراطية، والقانون الذي لا يميز بين كبير وصغير، حتى إذا تشاجروا ولو في الكنيست فلأجل الدولة، وإذا انطلقت الدعاية الانتخابية فلأجل أمنها واستقرارها واقتصادها ورفعتها.
ولقد ساهمت الصحافة العربية مساهمة فاعلة في إظهار هذه الصورة، ولعب الصراع العربي الإسرائيلي دورا كبيرا في تحقيق أهداف الدعاية الإسرائيلية! إلا أن الصورة غير ذلك "بالمرة"، فالمجتمع الإسرائيلي من أكثر المجتمعات تمزقا وفسادا، وعلى حد قول ( ليلنتال ) فإن الصورة المتماسكة (لإسرائيل) يرجع السبب في إبرازها إلى ما يعرضه الإعلام ، ولكن الحقيقة غير ذلك ؛ فهناك السفرديم ( مجتمع العبيد المنحط المظلوم) في قاع السلم الاجتماعي، وهناك الإشكنازيم ( مجتمع السادة ) وما بين المجتمعين من أحقاد وبغضاء وشروخ، وقد أفرز مجتمع العبيد جماعات الفهود السود، التي نشطت في الستينيات في تخريب مجتمع السادة، وتدمير مصالحهم، واغتيال بعض أبرز مليارديراتهم، وليس الجيش عن ذلك ببعيد، بل هو صورة حقيقية عن ذلك المجتمع الممزق، فضلاً عن ثقافات متباينة جعلت من الأدمغة الموجهة في صراع دائم، وحبست نفسها في جيتوهات فكرية أو ثقافية للحفاظ على عاداتها التي حملتها معها من مواطنها الأصلية؛ الأمر الذي أدى إلى فشلها في الاندماج في هذا المجتمع الذي يمثل أسوأ صورة للمجتمع الإثني، مما أدى إلى انتشار الجريمة المنظمة، والمافيات المدمرة، إلى جانب الانحدار المتواصل في السلوك الأخلاقي والقيمي، فانتشرت الدعارة والاختلاس والرشوة والمخدرات، التي توشك أن تعصف في المجتمع الإسرائيلي، وبجيشه على وجه الخصوص، الذي يتفشى فيه الشذوذ، ويزداد فيه ( المثليون ) باطّراد، حتى بين كبار قادته وجنرالاته، ولم يسلم منه رؤساء الحكومات المتعاقبة، ولا رؤساء الدولة؛ بما يبشر بانحلال هذا المجتمع وتحلل دولته.
ويخلص ( ليلنتال ) إلى القول إلى أن العامل الوحيد الذي يطيل من عمر هذه الدولة هو الحروب ، والخوف الذي يجمع اليهود، ويظهرهم بمظهر المتماسك والقوي؛ ولذا فإن (إسرائيل) ستظل مشغولة لآماد بإشعال الحروب في المنطقة لتحفظ لنفسها البقاء، وإن السلام ليس في صالحها أبدا، فإذا ما هدأت المنطقة – ولو إلى حين – فإن حقيقة الصورة سرعان ما تقفز إلى الواجهة، وهو ما تشهده (إسرائيل) اليوم من حرب مستعرة بين جنرالاتها للوصول إلى منصب رئيس هيئة الأركان ، وهو موضوع الغد..