جدول عادي في الحديث عن منظومة القوة العسكرية ل إسرائيل لا بد من تناول الموضوع من خلال حقيقته لا من خلال الأمنيات الشعاراتية ولا التهويل المصطنع هذه المقاربة المنطقية هي التي تكفل…
في الحديث عن منظومة القوة العسكرية لـ(إسرائيل) لا بد من تناول الموضوع من خلال حقيقته لا من خلال الأمنيات (الشعاراتية) ولا التهويل المصطنع .
هذه المقاربة المنطقية هي التي تكفل للمتابع والمهتم فهم طبيعة الكيان الصهيوني وتركيبته البنيوية التي انتصرت في أكثر من حرب وفي أكثر من جبهة مع العرب ، واستطاعت تشييد جيش وأمن ظل في نظرهم الرعب الذي لا يهزم ولا ينتكس .
في كتابتي عن الموضوع حرصت على الاطلاع على حجم القوة النارية وأنواع السلاح والتجهيزات البحرية والبرية والجوية التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي ، والتي كفلت له رعباً وزعه على المنطقة العربية ونتج عنه قراءة سياسية ظلت تحكم الحراك العربي الرسمي ما يزيد عن نصف قرن نتج في ملخصه وضع (إسرائيل) على هرم الدول الفاعلة في الشرق وأسس لما يعرف في الثقافة الرسمية وأجندتها ( السلام والمبادرة العربية له ، التطبيع ، الانفتاح ، المفاوضات ) وغيرها من الديباجات التي انقلبت على شعارات الثورة والتحرير .
القوة الإسرائيلية لا يختلف أحد على أنها حقيقة موجودة لكنها مضخمة مهولة عن قصد للردع الهادئ ، هذا ما يفسر الحديث المتتالي عن القدرة النووية الإسرائيلية في الشهور الثلاث الماضية والتي بدأت من خلال تسريبات عن صفقة بيع نووية لجنوب إفريقيا ثم الحديث عن مئات الرؤوس النووية التي تختزنها (إسرائيل) من خلال تقرير أمريكي وآخر ألماني وآخرها الضجة التي تبعت اعتقال فعنونو العالم النووي الإسرائيلي الذي اتهم بحديث للصحافة عن تقديراته حول مفاعل ديمونا والذي أضيف له في الشهر الماضي هالة فضائية من خلال ما كشف عن قمر التجسس القادر على رصد طهران وسوريا دون عوائق .
في الحديث عن الترسانة العسكرية وحجمها يمكن الإفادة من كثير الدراسات والرجوع إليها والتي تتوفر على الشبكة العنكبوتية بعدة لغات والذي يصعب لمقالتي تلخيصها لضيق سطورها و لأظل في سياق العنوان (إسرائيل) وقدرتها على الانتصار ) هذا الحديث برغم ما تقدم من إشارات عن قدرة (إسرائيل) إلا أن حالة من النقاش الداخلي الإسرائيلي وخاصة في الأوساط العسكرية عن مدى القدرة التي تمتلكها القاومة وعن جاهزية الجيش الإسرائيلي هذا الحديث جعل القناة العاشرة الإسرائيلية أول من أمس تفرد تقريراً مطولاً عن الجبهة الداخلية والفشل الذريع الذي رافق حملة توزيع الأقنعة الواقية على كافة مواطني (إسرائيل) ثم ليلمز معد التقرير البنية التحتية للملاجئ ، والذي جاء في سياق اعتراف من قائد الجبهة الداخلية عن فشل ذريع في هذا السياق ، والذي نذكر معه موجة الانتقاد الحاد لبعض المختصين في الشأن العسكري حول نقطة تحول أربعة والتي فشلت في طمأنة الجمهور والكيان السياسي من قدرة الجبهة الداخلية والجيش على إدارة مواجهة آمنة وسهلة .
في متابعتي للشأن الإسرائيلي حرصت على تلخيص ما كتبته التقارير الرسمية عن حرب لبنان وغزة ومواجهة البحر مع مرمرة التركية والتي تجيء ثلاثتها وباعتراف (إسرائيل) الدولة عن فشل مهم في تحقيق أهداف كل عملية مع تفاوت بين كل عملية وأخرى.
لنبدأ بحرب لبنان والتي لخص فينوغراد الفشل في البنية المؤسساتية التي تدير الجبهة الداخلية بالإضافة إلى الروح القتالية لدى وحدات الاحتياط والمقرونة بالجاهزية القتالية والتي بدورها ترافقت مع انعدام تنسيق بين القيادة السياسية وساحة المعركة.
أما في حرب غزة والتي حرص المستوى السياسي والعسكري على قيادة حرب منظمة تفادت فيها أخطاء لبنان وقعت في معضلة الإنجاز الذي بدد الأهداف السرية للحرب كما قال أولمرت في إحدى مقابلاته عن حرب غزة ، والتي كان سببها التوجس الكبير في وزارة الحرب الإسرائيلية من الدخول في معركة حسم ضد بنية المقاومة في غزة ، والتي كانت تفيد التقديرات بأن النتائج ستكون كارثية .
كما يمكن للمتابع إضافة ما جرى من تحولات في المزاج الدولي ضد (إسرائيل) ، والذي ظهر على شكل تقارير مهمة ساهمة في عزل (إسرائيل) كدولة ومجتمع .
أما في الحديث عن أحداث أسطول الحرية فأترك الحديث لتقرير ايلند الضابط الإسرائيلي المتقاعد ، والذي كشف عن أخطاء مهمة وقعت على مستوى رئيس الوزراء وخطة الاقتحام ووحدات الاستخبارات وسلاح البحرية ومسؤولية وزير الحرب وأضيف ما تحدث عنه بعض الخبراء في مجال العسكرية والتخطيط الاستراتيجي من أخطاء على مستوى الرؤية ، وقراءة الواقع والانعكاسات الجوهرية على (إسرائيل) .
هذه الثلاثية والتي تترافق مع عملية اغتيال المبحوح وإدارة ملف العلاقة الخارجية مع حلف استراتيجي مثل تركيا جعل الاستنتاج الممكن يخلص إلى نتائج مهمة عن قدرة (إسرائيل) المهولة وهي على النحو التالي :
1. الدعم الدولي الصريح المباشر لأي حرب إسرائيلية قادمة بات محل شك خاصة من دول أوروبا التي تعيش حالة متزايدة في التعاطف مع القضية الفلسطينية والأهم من ذلك هو ما دفعته من شراكتها في حرب العراق وأفغانستان والذي أطاح بأحزاب عن الحكم وكلف شخصيات مهمة اتهامات تمس استقلالية الدولة التي تحكم كما حدث مع بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية هذا بالتأكيد يجعلنا نذكر التصورات الأمريكية عن الصراع في فلسطين وما قاله باتريوس ، وأوباما ، وهيلاري كلينتون ، ومستشار أوباما في الشرق الأوسط والذي أكد على أن (إسرائيل) لا بد أن تنظر إلى مصالح أمريكا قبل أي عمل في الشرق ، هذا الحديث يجعل (إسرائيل) في هاجس التخلي عنها في ساعة المواجهة غير المتكافئة والمفتوحة مستقبلاً .
2. الجاهزية القتالية ، العقيدة العسكرية ، والبنية العسكرية للجندي المقاتل ، والتي ظلت محل شك في الدوائر الضيقة في (إسرائيل) والتي ذكرت في التقارير التي عقبت حرب غزة ولبنان وشوهدت في سفينة مرمرة ، والتي عبرت كلها عن التحولات في البنية المجتمعية التي ترفد الجيش والتي تتلخص رؤيتها لـ(إسرائيل) على أنها موطن الذهب والاستثمار الآمن ، وهذا يفسر حالة الجبن وعدم الإنجاز في أرض المعركة .
3. هالة القدرة في الاستخبارات والقوة العسكرية وكم النار الذي بات محل شك في قدرته على الإنجاز وهذا يبرز من خلال تحليل ما جرى على متن سفينة مرمرة ، و انعدام معرفة ما يجري على أرض غزة من مكان شاليط والقيادة العسكرية وكيفية حركتها ، وهذا ما يمكن أن يتطابق مع ما هو قائم على جبهة لبنان التي جهل الإسرائيلي عن بينة مقاومته الكثير مما كلفه خسائر فادحة ومهمة .
4. مؤسسة الدولة وقدرتها على حماية الجبهة الداخلية وتعبئتها وتنسيق مهماتها وتحويل أولوياتها ثم تسويق حروبها ، والتغطية على الصورة الإسرائيلية الإجرامية ، وقبل كل ذلك قدرتها على حشد جمهورها خلفها في حرب قادمة كل ذلك يظل محل شك في (إسرائيل) اليوم .
هذا الحديث لا نعزله عن تحول في المنطقة العربية التي خبرت الحرب مع الإسرائيلي الذي وجدته ضعيفاً رغم قدرة ناره ، مما أسس لديها جاهزية للمقاومة بأساليب مكنتها من الصمود وضرب العمق الإسرائيلي في مواطن ضعفه الكثيرة والتي لن تصمد أمام اتساع جبهات تتكهن (إسرائيل) اشتعالها في زمن سيكون صعباً بلا شك على الجميع لكنه سيظل أصعب على من لا يمتلك العمق .
وبذلك يظل السؤال مفتوحاً لدى (إسرائيل) هل ظلت قدرة الانتصار لدينا قائمة في الحرب مع العرب ؟