الجندي الأمريكي بين رحيلين إلى أمريكا أو إلى القبر الجندي الأمريكي بين رحيلين إلى أمريكا أو إلى القبر فهل ينقذه عبدة الشيطان د عبد العزيز الرنتيسي عندما يقول أحدهم أن أمريكا دولة…
الجندي الأمريكي بين رحيلين إلى أمريكا أو إلى القبر.. فهل ينقذه عبدة الشيطان؟!!
د. عبد العزيز الرنتيسي
عندما يقول أحدهم أن أمريكا دولة عظمى، وتملك من القوة ما تستطيع أن تدمر به الكرة الأرضية، وأنها قطب أوحد، وأنه لا توجد دولة على وجه البسيطة قادرة على مواجهتها، نقول له صدقت ولكنك لم تأت بشيء جديد يجهله الناس، فكلنا ندرك ما أدركت، وكلنا نؤكد على حقيقة ما ذكرت، ولكننا نخالفك الرأي عندما يكون الحديث عن المقاومة الشعبية وليس عن الجيوش النظامية، فأمريكا بما تملك من قوة هائلة تمكنت بفضلها من سحق الجيش النظامي في العراق في أيام قلائل لا تستطيع أن تهزم مقاومة شعبية دافعها الرئيس إرادة التحرر من الاحتلال المذل للعراق، والمقاومة في فلسطين خير شاهد على ما ذهبتُ إليه.
ومن هنا خشيت ليلة الكارثة العظمى، ليلة سقوط بغداد أن تغيب هذه الحقيقة، وأن ينخدع الناس بمعتقدات عبدة أمريكا الذين ينشرون الإحباط واليأس، فلا يرون مجالا للنهوض ومواجهة الغول الأمريكي، فتحت عنوان "واهم من ظن أن المعركة قد انتهت" بتاريخ 10/4/2003 كتبت قائلا " ولكن هل أسدل الستار على معركة العراق؟ وهل هذا الذي نشاهد هو نهاية المعركة؟ وهل انتهى الأمر بهزيمة ساحقة للعراق؟ الواقع الأليم أننا ونحن نعيش حالة الصدمة والذهول قد تنتابنا تلك الهواجس، وقد نظن الظنونا، ولكن سرعان ما نفيق من وقع الصدمة لنرى أن الذي حدث مرحلة من المعركة وليس كل المعركة، فكلي يقين أن الذي جرى حتى الآن نهاية نظام كان يحكم العراق بخيره وشره، ولكن لا يعني ذلك نهاية شعب ما عرفناه إلا شديد المراس قوي الشكيمة، شعب يشهد له ماضيه وحاضره أنه لا يقبل بالذل والهوان، ولذا فإن هذا الشعب لن يستسلم للغزو المهين لبلاد الرافدين، كما أن الشباب المسلم الذي يتحرق شوقا للجهاد في سبيل الله لن يمهل الغزاة طويلا، نعم سنرى من اختلط عليه الأمر فرأى في دخول الغزاة فرصة للتخلص من نظام كان يبغضه، ولكن سرعان ما سيكتشف هؤلاء أن الذي أصابهم غشاوة حجبت عن عيونهم الرؤية الصحيحة، وغدا لابد ستنجلي تلك الغشاوة ليكتشفوا حجم المأساة التي حاقت بشعبهم، وستغلي نار الثورة في عروقهم لرؤية هذا الاستعلاء الصهيوني الأمريكي، وسينتصرون حتما لكرامتهم، ولن يبقى في ركاب الاحتلال الأمريكي إلا الذين باعوا أنفسهم وضمائرهم وخانوا شعوبهم وهؤلاء ستلفظهم وتعزلهم الجماهير تماما كما هو الحال في فلسطين حيث يعيش العملاء غربة قاتلة في مجتمع كانوا ينتمون إليه"، وأضفت قائلا "إن كل المعطيات تقول أن المعركة لم تنته بعد، فالمقاومة الإسلامية ستشتعل حتما عما قريب، ولن ترضخ الشعوب لهذا الغزو الأمريكي الصهيوني، وإن المقاومة التي أجبرت أمريكا على الفرار من الصومال ولبنان قادرة على تطهير العراق من هذا العار الذي لحق به، فليضحك الأمريكان والعملاء ملء أفواههم ولكن عليهم ألا يغيب عن أذهانهم أنهم لن يضحكوا طويلا بإذن الله".
وها نحن نرى أن أمريكا العظمى تترنح أمام ضربات الشباب المسلم في العراق، هاهي أمريكا في كل يوم تشيع قتلاها زرافات ووحدانا، لقد أيقنت أمريكا اليوم أنها أمام خيارين اثنين إما مغادرة العراق إلى غير رجعة، أو استمرار المواكب الجنائزية في الولايات الأمريكية، أي أنها أمام خيارين إعلان الهزيمة بمرارتها، أو معايشة الهزيمة والصبر عليها والتأقلم معها بمرارتها أيضا.
هذا وقد خفت صوت أمريكا الذي كان هادرا بعد سقوط بغداد مباشرة، لم نعد نسمع التهديدات الوقحة للدول العربية، ولم تعد تؤذي مسامعنا النغمة النشاز التي أطلقها الأمريكان يوم خدعوا أنفسهم كما خدعوا عبيدهم فقاولوا "سنعيد رسم خارطة المنطقة وفق المصلحة الأمريكية"، ولم نعد نسمع التبجح الوقح في معاداة الإسلام، وإعلان الحرب على المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بحدته الأولى كما كان الحال غداة سقوط بغداد، لقد أصيبت أمريكا يومها بجنون العظمة، ولكنها اليوم ربما أدركت أنها كانت واهمة، مما جعل زعيم الحرب وسفك الدماء "بوش" في مهب عاصفة سياسية.
إننا نعيش اليوم واقعا جديدا مختلفا عن واقع ليلة سقوط عاصمة الخلافة، ليلتها بشرنا عبدة الشيطان أنه لم يعد أمامنا إلا أن نستسلم، وأخذوا يخذلون الشعوب العربية والإسلامية خاصة شعبنا في فلسطين وهم يبثون روح الهزيمة بطريقة يندى لها الجبين، لقد كانت الرؤية لديهم رؤية العبيد الذين تجردوا من كل معاني الحرية وقيمها، ويا ليتهم سكتوا ولكنهم أخذوا يكيلون التهم للأحرار الذين ينظرون إلى الأمور بمنظار الإيمان والعقيدة، فكأن كتاب الله يصفهم وهو يقول (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) (المطففين29، 30)، ولقد تبدل الحال الآن وقد اشتد عود المقاومة الباسلة في العراق، وكل الدلائل تشير أن المستقبل يحمل في طياته الجحيم للأمريكان في عراق الشموخ، ولكن يبقى السؤال هل سيقبل الأمريكان بالمعادلة الحالية والتي لسان حالها يقول أيها الأمريكان سترحلون من العراق إما إلى بلادكم أو إلى القبر؟ أم أن أمريكا ستبحث عن حل آخر تخرج فيه من المأزق، وتحاول من خلاله أن تحقق أهدافها في نهب خيرات العراق على أقل تقدير بعد أن تبخرت أحلامها في إعادة صياغة المنطقة وفق الرؤية الأمريكية؟
من الواضح أن هروب أمريكا من العراق بعد هذه المعركة باهظة التكاليف التي أدت إلى احتلال العراق يعتبر نهاية مرحلة الهيمنة النفسية على أقل تقدير من الجانب الأمريكي على الشعوب المستضعفة، وفي ذلك تراجع أمريكي يهدد مخططها الهادف إلى أمركة العالم، وبقاء الاحتلال الأمريكي أيضا سيكون باهظ التكاليف، لأنه سيستنزف أمريكا اقتصاديا ومعنويا ونفسيا، بل وسيمرغ هيبتها في طمي الفرات، ومن هنا ستبحث أمريكا عن عبدة الشيطان، أصحاب الأهواء والشهوات، لتواصل من خلالهم احتلالها للعراق، ولتصنع من أجسادهم سواتر تحمي الجندي الأمريكي المدنس بوجوده أرض العراق، ستزودهم أمريكا بالسيارات الحديثة، وأدوات القمع، وستقوم بتدريبهم على وحشية التصدي للشعب، ستفتح لهم مراكز التدريب تماما كتلك التي فتحت هنا في مدينة "أريحا"، وكما فعلوا هنا سيقوم السيد الأمريكي بعملية غسيل الأدمغة، ليشاهد الشعب العراقي بعد ذلك نماذج من المنتسبين إليه تقول له المصلحة الوطنية العليا تكمن في حماية الاحتلال، والخير للعراقيين في بقائه ووجوده، فهو الذي يحضر لنا الدقيق والزيت والسكر، وهو الذي بدونه لن نرى الماء والكهرباء والوقود، وهكذا تتحول قضايا الأمة من احتلال يجب أن يزول إلى بطون جائعة غاية أصحابها أن تتدلى كروشهم، فتغيب الكرامة في تلافيف وتجاويف الأمعاء، فما أروع القرآن وهو يصف هؤلاء العبيد فيقول (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون4)
ومن هنا فعلى العراقيين وهم يقاتلون الشيطان أن يأخذوا حذرهم من عبدته.
21/7/2003
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع