م إسماعيل ابو شنب تمر خمسة وخمسون عاما على ذكرى النكبة والامة ما تزال غائبة عن الوعي وتعيش حالة من العجز ومن الحروب المجهضة والارادات السياسية العاجزة والتشتت والضياع تتقاذفنا…
م. إسماعيل ابو شنب
تمر خمسة وخمسون عاما على ذكرى النكبة والامة ما تزال غائبة عن الوعي وتعيش حالة من العجز ومن الحروب المجهضة والارادات السياسية العاجزة والتشتت والضياع تتقاذفنا رياح العولمة من كل جانب وتلقي بنا في مجاهل التاريخ وفي المقابل تزداد الهجمة الصهيونية شراسة واستعلاء واستكبارا.. فالمطامع الصهيونية في فلسطين لا تتجاوز حدود الارض وابعاد الحاضر والمستقبل فحسب، ولكنها تريد ان تحتكر لنفسها تاريخ البلاد وتفريغ فلسطين من شعبها وتاريخها وحضارتها.
ولن نكون مبالغين اذا قلنا ان المخططات الصهيونية الجديدة تشير اشارات عديدة لتسويغ الترانسفير القادم وما من موضوع راهن يحتشد حوله اجماع قومي اسرائيلي اكثر من موضوع المحافظة على الطابع اليهودي الصهيوني لدولة اسرائيل حتى بات هذا الاجماع - مع استمرار انتفاضة الاقصى - يؤجج حدثا متواترا حول الخطر الديمغرافي ، الامر الذي دفع الباحث الامريكي رونالد بلير لان يكتب في مجلة "ميدل ايست بوليس" مقالا بعنوان الطرد التالي للفلسطينيين هل اقترب خطوة اخرى؟!
ويعزز ذلك الفهم ان المتفحص لجوهر الفكرة الصهيونية يجد انها تقوم اساسا على الترانسفير (أي الترحيل) وهذه الفكرة مستحكمة في اساس التفكير السياسي المؤدلج بالصهيونية واذا كان الشعب الفلسطيني يحتفظ بحلمه في العودة فان المخططات الصهيونية تسخر من هذا الحكم وتخطط لنكبة جديدة.
وفي ظل هذا الوضع الراهن المفعم بالمبادرات السياسية من خارطة الطريق والحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة ابو مازن وكذلك المبادرة السعودية التي تبنتها القمة العربية.. في هذه الاوضاع تغيب عنا بديهيات الصراع وبديهيات القضية الفلسطينية فالشعب الفلسطيني الذي يخوض جهادا ونضالا شرسا من اجل حقه في الحياة الحرة الكريمة والحفاظ على هويته يجد نفسه مشدودا الى هذه المشاريع التي تغيب جوهر قضيته . فقد ورد في مشروع خارطة الطريق ، الذي نرى تهافتا فلسطينيا شديد الاندفاع نحوه ، تطبيقه يتطرق الى الوضع الفلسطيني من الزاوية الانسانية اذ يطالب الحكومة الاسرائيلية بان تقوم بخطوات لتحسين الاوضاع الانسانية للفلسطينيين.
اما رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد ابو مازن فيقول ، امام المجلس التشريعي في خطاب الحكومة الجديدة ، بانه يرى ان نضال الشعب الفلسطيني ينبغي ان يترجم الى انجازات سياسية تمكننا من إقامة دولتنا المستقلة وتوفر امكانية فعلية لحل قضية اللاجئين . وفي موضع اخر يطالب بحل عادل ومتفق عليه ومنصف ومقبول للاجئين.
اما سري نسيبة مسئول ملف القدس فانه يطلق حملة سياسية يسميها المبادرة الشعبية للسلام يقول فيها اعترافا بمعاناة وتشريد اللاجئين الفلسطينيين يعمل المجتمع الدولي واسرائيل ودولة فلسطين على تأسيس ودعم صندوق دولي خاص لتعويض اللاجئين . ويسقط من المبادرة أي حق للعودة الى المدن والقرى الفلسطينية التي هاجر الفلسطينيون منها بالمذابح والمجازر والارهاب. كما يقترح عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارض السلطة الفلسطينية فقط وعودة اليهود الى دولة اسرائيل ويقترح على المجتمع الدولي تعويضات وتسهيلات لتحسين اوضاع اللاجئين في اماكن تواجدهم.
ان غياب البديهيات واضح في هذه المبادرات ، فالقضية الفلسطينية من اول ابجدياتها انها قضية ارض مسلوبة وشعب مشرد وملاحق قتلا وتشريدا وتدميرا ، والحق الفلسطيني هو حق مقدس لا يسقط بالتقادم وهو غير قابل للتصرف فهو حق شرعي ولا يزول بالاحتلال ولا تجوز فيه الانابة أو تلغيه الاتفاقات. وتشكل قضية اللاجئين جوهر القضية الفلسطينية وجوهر الصراع … انها قضية الهوية والمصير وليست اشكاليات تفاوضية أو مسائل سطحية … ففلسطين التي يرى اليهود فيها ارضا موعودة ليست موعودة لهم.. انها ارض وقف اسلامي اختلطت بتربتها الغالية دماء الصحابة الفاتحين من عهد عمر الى صلاح الدين … الى يومنا هذا.
والشعب الفلسطيني لم ينصب محرقة لاحد حتى يكون الانتقام الصهيوني بكل هذه الجرائم بحقه.. ولشد ما ادهشني في خطاب ابو مازن الوزاري انه يقول إننا لا نتجاهل عذابات اليهود عبر التاريخ!! فهل نحن المسئولون عن عذابات اليهود؟! … وهل سجل التاريخ يوما ذاق فيه اليهود الاضطهاد على ايدي الفلسطينيين !! وهل نصب الفلسطينيون المحرقة للشعب اليهودي !! ان هذه التساؤلات تأخذنا في مسار يعزز فكرة غياب البديهيات عن قضيتنا الاساسية أو بالاحرى تغييب لهذه البديهيات … من اجل سلام زائف أو دولة وهمية .
ورغم انها البديهيات الا اننا - وفي ظل تغييب هذه البديهيات - مضطرون الى التذكير ان النكبة هي مأساة شعب طرد من ارضه فقد تم تدمير 531 قرية ومدينة فلسطينية عام 48 وتم طرد اهلها منها ليهيموا على وجوههم في صحاري التيه والشتات فأصبح 70% من هذا الشعب يعيش حياة اللجوء في مخيمات اللاجئين ويصل هذا العدد اليوم الى حوالي 5.5 مليون فلسطيني.
وما لم نواجه الخطر الداهم على قضيتنا المتمثل في هذه الحلول الخادعة التي تخفي وراءها تشريعا صهيونيا لنكبة جديدة على غرار نكبة عام 48 تغذيها سياسة الترانسفير التي تطل من بين ثنايا التصريحات الصهيونية..
هذا الخطر القادم يجب ان ينبه شعبنا الى العودة الى بديهيات الصراع وابجدياته ويدفع نحو النظر الى الاهمية الاستراتيجية لقضية اللاجئين في الصراع الدائر على ارض فلسطين، ولما كانت العقود الخمسة الماضية قد شيبت جيل النكبة وطوت شيوخها فان عامل الزمن يجب ان يبقى يعمل لصالح القضية من خلال استراتيجيات التربية والتعليم الفلسطينية التي يجب ان تركز على تجديد الذاكرة الفلسطينية واحياء الوعي الفلسطيني بالنكبة وبالارض السليبة ارض الآباء والاجداد … والمقدسات . ان عرس معاني التواصل التاريخي بين الابناء والاباء وبين جيل النكبة الاول واجيال الشعب الفلسطيني اللاحقة لهو مسئولية تربوية ثقافية على مؤسسات التعليم الفلسطيني لتبقى حيفا ويافا وعكا وكل المدن والقرى الفلسطينية المحتلة حية في ذاكرة الاجيال محمية من النسيان محفوظة من الطمس والتزوير . انه النداء الدائم لكل جيل كي يحمل القضية ويتابع المسيرة … مسيرة الجهاد والمقاومة .. متمسكا بالحقوق الثابتة ومجاهداً في سبيلها ومدافعا عن كل ذرة تراب من تراب الوطن المغصوب .. حتى يحين يوم النصر والعودة والتحرير.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع