جدول عادي ليس من عادة الشعوب أن تحتفل بآلامها وأوجاعها فالشعوب تحتفل عادة بأفراحها وأعيادها غير أن للواقع الفلسطيني مع النكبة وآلامها وأوجاعها خصوصية توجب الاحتفال السنوي بل…
ليس من عادة الشعوب أن تحتفل بآلامها وأوجاعها ، فالشعوب تحتفل عادة بأفراحها وأعيادها ، غير أن للواقع الفلسطيني مع النكبة وآلامها وأوجاعها خصوصية توجب الاحتفال السنوي ، بل واليومي أيضاً ، لأننا حين نتذكر الألم نخرج إلى العافية ، وحين نتوجع نبحث عن الخلاص . (نحتفل ، ونتذكر ، ونتألم) لنحطم أسطورة النسيان التي أقام الصهاينة على أساسها دولتهم في فلسطين المحتلة .
الاحتفال بالمؤلم الموجع ليس خطابة وإن كانت الخطابة بعض أدواته ، وإنما الاحتفال بالنكبة وتداعياتها المؤلمة هو محاولة جادة لاستعادة الوعي الفلسطيني الراشد ، من ناحية ، وكي الوعي الصهيوني الغاشم ، من ناحية أخرى . فمن احتفالات النكبة خرج الأبطال والشهداء ، ومن النكبة خرجت المقاومة والفصائل ، ومن النكبة كان التاريخ وكانت الجغرافيا .
في الذكرى الثانية والستين للنكبة أحسب أن شعبنا يعيش وعياً أفضل بقضيته ، ويتقدم نحو الأمام باتجاه التحرير وتقرير المصير ، وأحسب أن المحتل يعيش واقعاً أسوأ في وعيه ، حيث لم تمنحه سنون النكبة استقلالاً أو استقراراً ، ومازال يبحث عن الأمن الوجودي والأمن الشخصي ، والهدوء النفسي المفقود.
اثنان وستون عاماً قرأها الشعب الفلسطيني قراءة دم وفداء ، منحته عبراً ودروساً افتقر إليها يوم حدثت النكبة ، غير أنه ما يزال يعاني من ضعف القيادة ، وانفصالها عن إرادة شعبها ، واستقوائها بالأجنبي للبقاء في الزعامة .
(شعب عظيم ، وقيادة فاسدة ) ، معادلة صعبة ، تستهلك جهود المخلصين في المدافعة الخيرة نحو الخلاص . شعب عظيم وقيادة تنسق مع الاحتلال مؤامراتها ضد المقاومة معادلة معقدة . شعب عظيم وقيادة تفاوض المحتل مع بقاء الاستيطان في القدس ، معادلة تشرّع الاستيطان وتنعى القدس . شعب عظيم وقيادة تفتح السجون للمقاومين والسياسيين معادلة غير مفهومة في ظل التحرير . شعب عظيم وقيادة مغتصبة لكرسي القيادة تحاصر غزة وتدعى وصلاً بليلى (وبها) ، معادلة تدعو إلى الانتفاضة وتنظيف النفس من عيوبها .
الشعب يحتفل بالنكبة سنوياً ليراجع ملف معادلاته ويصحح المنحرف المعوج منها ، ومن هذا المعوج غير ما تقدم ( مشروع التوطين ) و ( مشروع الوطن البديل ) و ( حل مشكلة اللاجئين بالتوافق) و( مشروع اختزال فلسطين ) بأجزاء من الضفة وغزة ، و ( مشروع اختزال القدس) بأبي ديس والشيخ جراح ، و ( مشروع اختزال تقرير المصير ) بدولة بدون سيادة ، واختزال الحرية بمعابر وتسهيلات للشخصيات المهمة ؟!
في الذكرى الثانية والستين نتفاءل بالقادم لأن حركة التصحيح تعمل في الوعي الفلسطيني كما يعمل مبضع الجراح في إزالة الورم الخبيث ، إذ لا عافية ولا شفاء إلا باستئصال الفساد من جذوره ، لنلقى عدونا ونحن بعافية ثمينة صهرتها الآلام والأوجاع ومنحتها المناعة ضد الانكسار والانحناء ، وعندها يكون النصر قريباً .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع