عباس السيد رجل تفتقده في ثنايا هجوع الزمان وفي سكون الليل الجميل تشتاق له وأنت تستمع لزقزقة العصافير وتغريد العنادل وحفيف السنابل وشدو البلابل صورته تتراءى لك في أشعة الشمس الخجلى…
عباس السيد رجل تفتقده في ثنايا هجوع الزمان وفي سكون الليل الجميل .. تشتاق له وأنت تستمع لزقزقة العصافير وتغريد العنادل وحفيف السنابل وشدو البلابل .. صورته تتراءى لك في أشعة الشمس الخجلى وفي صفاء السماء وزرقة البحر وفي وجه القمر وفي صورة الشمس وفي جمال الربيع وفي قطرات المطر وخضرة الشجر وفي قوافي الشاعر وكلمات الحادي.
لقد اعتدت في مثل هذا اليوم من كل عام أن أكتب بعض الكلمات في ذكرى اعتقال الأخ والقائد والرمز عباس السيد وكنت في كل مقال من مقالاتي أقول إن موعد الفجر قريب وإني آمل أن يكون هذا المقال الأخير الذي أكتبه عن عباس على أمل أن يكون بيننا خلال العام ولكن إرادة الله أكبر وأقوى فبقي عباس حتى الآن في زنزانته وبقيت أنا أكتب عن فارس كبير ومناضل عريق وشتان ما بين من يصنع المجد ومن يكتب عن المجد.
عباس السيد دخل اليوم عامه التاسع في سجون الاحتلال بهمة عالية ونفس متوقدة وبيقين أن فرج الله قريب وأن ساعات الليل إلى زوال وأنه على موعد مع الحرية إن لم يكن اليوم فإنه من المحتّم بعد علم الله أنه في الغد القادم مع وعود الرجال الذين أقسموا أن لا إفراج لشاليط إن لم يكن السيد عباس على رأس الصفقة.
السيد عباس كما يطيب لي أن أكتب عنه هو صاحب النظرات التي تأسر السجان وتخيف من يقف على باب زنزانته، يحسب له سجّانوه ألف حساب وحساب صموده الأسطوري في زنازين الاحتلال وتحديه للمحققين وحديثه مع الصحافة الإسرائيلية عن مواقفه وعن رؤيته للصراع وعن قناعته بكل ما قام به وعن نيته مواصلة درب الجهاد حتى خروج هذا المحتل من هذه الأرض كلها أمور جعلت إسرائيل تضع السيد عباس على رأس أخطر المعتقلين وأن لا مجال للإفراج عن هذا الرجل لأن خروجه يشكل خطراً كبيراً على أمن إسرائيل.
المهندس عباس السيد استطاع في يوم من الأيام أن يقلب معادلة المنطقة بأسرها بأعماله البطولية فكانت عملية عبد الباسط عودة وما تبعها من اقتحام للضفة في أكبر وأطول عملية اجتياح سمّيت في حينه السور الواقي ، هذا السور الذي استطاع عباس أن يخترق حصونه ويسربل أبطال الكرتون الذين تحصنوا بطائرات ودبابات وأثبت أن الحق أقوى من القوة وأن الكف يناطح مخرزاً.
عباس السيد شمس مشرقة في دياجير الظلم والهزيمة ، ومطر غيث في صحراء التراجع المقحلة ، صاحب قامة شامخة وقف أمام سجّانيه ذات مرة وقال لهم " أما أنا فإني خارج من هنا عما قريب وأنتم باقون هنا بين هذه الجدران وخلف هذه الأسلاك"
عباس السيد الرجل الذي أرعب إسرائيل والفارس الذي ترفض إسرائيل إخلاء سبيله وتصر على إبقائه في السجن إلى ما لا نهاية رجل صاحب قلب حنون كبير ، تصفه زوجته بأنه نبع الحنان رقيق سمح حنون وفيّ لرفاقه يوصي زوجته أن تبقى على اتصال بأهالي من كان معه في رحلة جهاده واختارهم الله شهداء رفيقه عامر الحضيري ، وفواز بدران ، وعبد الباسط عودة.
لعباس السيد ابنة اسمها مودة آية في الجمال والخفة والطيبة وله ابن اسمه عبد الله شكل أبيه وعينا أبيه ونظرات والده وذكاؤه وفطنته، قالت لي في يوم من الأيام حماة عباس السيد عن عباس أنه ليس صهرها وحسب بل هو روحها وابنها وأنها تتمنى من الله أن يطيل عمرها حتى تراه حراً طليقاً.
عباس السيد متواضع حتى تظن أنه مستسلم لكل شيء ، شامخ أبي حتى تخال أنه لا يقدر عليه شيء فتخشع في محراب تواضعه وتصغي له طواعية دون ملل أو إكراه.
عباس السيد في عامك التاسع أملي أن يكون هذا المقال الأخير الذي أكتبه عنك وأنت خلف القضبان وإلى أن نلقاك خارج أسوار سجنك تقبّل مني هذه الكلمات التي لن توفيك حقك يا سيد الرجال ولك مني كل الحب والاحترام والتقدير.