هل ندري معنى الاعتراف بإسرائيل؟

هل ندري معنى الاعتراف بإسرائيل؟

النائب د. ناصر عبد الجواد
2010-05-11

استوقفني كثير من الناس قائلين زهقنا خلاص اعملوا مصالحة حتى ولو كان الثمن الاعتراف بإسرائيل معتقدين أنه لا داعي لكل هذا التعنت وكل هذه التضحيات الناتجة عن رفض كثير من الفصائل الفلسطينية…

استوقفني كثير من الناس قائلين: "زهقنا خلاص"! اعملوا مصالحة، حتى ولو كان الثمن الاعتراف بإسرائيل. معتقدين أنه لا داعي لكل هذا التعنت وكل هذه التضحيات الناتجة عن رفض كثير من الفصائل الفلسطينية لهذا الاعتراف، وظانين أن هذا الاعتراف هو مفتاح الحل لجميع المشاكل التي تعاني منها القضية الفلسطينية. متجاهلين للنتائج الكارثية المترتبة على ذلك.

 

وبداية نقول: إن دولة الاحتلال والرباعية الدولية والغرب بشكل عام لا تريد اعترافاً لفظياً، بل تريد اعترافاً حقيقياً ورسمياً من فصائل المقاومة (وخاصة حركة حماس التي فازت فوزاً ساحقاً في الانتخابات التشريعية)، بشرعية الاحتلال وأحقيته في بناء دولة دائمة لليهود على أرض فلسطين، تنعم بالأمن والأمان والاستقرار والقبول في المنطقة،  اعترافاً ينهي الصراع مع الاحتلال، ويوقف المقاومة بل ويجرمها، وهنا مكمن الخطر...

 

وهذا يفسر حقيقة الإصرار العجيب من دول العالم (ومنها الرباعية الدولية) على ضرورة اعتراف حركات المقاومة بإسرائيل، مهما كان الثمن، ودون أي لبس أو غموض (اعترافاً كريستالياً). لأنهم يعتبرونه ضرورياً لتثبيت دولة الاغتصاب في هذه المنطقة. ولولا ذلك لما أصروا عليه واعتبروه شرطاً أساسيا للاعتراف بحركات المقاومة، والاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية ،وبالحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات، وشرطا أساسيا لفك الحصار وتدفق المعونات الإنسانية، وإعادة الإعمار لما دمرته الحرب الصهيونية في غزة والضفة...

 

أما ما يترتب على هذا الاعتراف والنتائج الكارثية المتوقعة فنجملها بالنقاط التالية:

 

1. إن هذا الاعتراف بالنسبة لهم له أهمية كبيرة، ويعولون عليه من أجل الحفاظ على هذا الكيان الغاصب في المستقبل. حيث أن هذا الاعتراف بإسرائيل يعني تنازل الشعب الفلسطيني باختياره عن حقوقه التاريخية والدينية والحضارية في فلسطين، وإن دولة الاحتلال دولة شرعية في المنطقة، بإقرار أهل المنطقة أنفسهم. خاصة إذا تم توقيع اتفاق يحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحت مظلة دولية، وبإشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وبحضور زعماء الدول العربية والإسلامية.

 

2. هذا الاعتراف يعني وضع عقبة كبيرة أمام الأجيال القادمة، إذا فكرت في العمل على استرداد حقوقها المسلوبة حين تتغير موازين القوى في المنطقة. فهذا العمل سيصبح إرهاباً في نظر المجتمع الدولي، وستقف دول العالم أمام هذا الفعل بكل قوة. وهذا ما تحرص عليه الآن الرباعية الدولية ودولة الاحتلال، يريدون انتزاع هذا الاعتراف من فصائل المقاومة، لأنه وبدون هذا الاعتراف سوف تبقى هذه الدولة دولة مغتصبة وشاذة في المنطقة، مهما قويت شوكتها وطال عمرها واعترف بها العالم، ومهما توسعت حدودها، وسيطرت على مقدرات المنطقة.

 

3. وهذا ما يريدونه في فلسطين، يريدون اعترافاً فلسطينيا كاملاً بإسرائيل، وتحت مظلة دولية، حتى يبرروا كل الجرائم والمذابح التي قامت بها دولة الاحتلال طوال المائة سنة السابقة، فبهذا الاعتراف تضمن دولة الاحتلال عدم معاقبتها على هذه الجرائم في المستقبل، وتضمن استمرار وجودها الشرعي على أرض فلسطين ما دام هنالك مجلس أمن دولي وهيئة أمم متحدة.  ونضرب مثالاً على ذلك: حين أرادت الولايات المتحدة غزو العراق في عام 2000م ، فإنها أصرت على استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي على هذا الغزو، ومشاركة الدول الكبرى في الحرب. لقد كانت الولايات المتحدة قادرة لوحدها على غزو العراق وما هو أكبر من العراق، بل قد تكون مشاركة الدول الأخرى في هذه الحرب عائقاً أمام العمليات الحربية الميدانية، ولكنها أرادت أن يكون لها تلك المظلة الدولية لعدوانها، حتى لا يحاسبها أحد في المستقبل على جرائمها في العراق، لأنها تمت تحت مظلة دولية، وبموافقة دول العالم وخاصة الدول المحيطة بالعراق. 

 

4.  كما أن هذا الاعتراف سيعزز الادعاء الصهيوني بأن الحروب التي خاضتها إسرائيل كانت حروباً دفاعية، ولذلك سمت جيشها (جيش الدفاع). وقد تطالب دولة إسرائيل بعد هذا الاعتراف في المستقبل، بالتعويض لها عن خسائرها بسبب عدوان الدول العربية عليها في حروب ال48 و56 و67 و73 و82...... لأن هذه الحروب في عرفها كانت عدواناً على دولة شرعية، كان الهدف منها القضاء على هذه الدولة المسكينة.

 

5. ثم إن الاعتراف بإسرائيل سيؤدي إلى انهيار القضايا الأساسية للقضية الفلسطينية، ومنها مشكلة اللاجئين، ومشكلة القدس، ومشكلة السيادة، ومشكلة الحدود، ومشكلة المياه... لأن الاعتراف بشرعية الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، يعني الإقرار لهم بالحق التاريخي والديني الذي يدَّعونه في هذه الأرض. خاصة أن دولة الاحتلال هذه دولة توسعية، وليس لها دستور يبين حدودها. وأدبياتهم تقول: إن أرض إسرائيل هي من الفرات إلى النيل. والعجيب أن دول العالم تريد اعترافاً من حركات المقاومة بإسرائيل قبل بيان حدودها، وقبل اعتراف إسرائيل بحركات المقاومة، على قاعدة: اعترف ثم ناقش!! ومعنى ذلك أن على هذه الحركات أن توقع على شيك بياض يخول اليهود بامتلاك كل أرض يدّعون أنها لليهود حسب نصوص تلمودهم وتوراتهم المحرفة.

 

6. كما أن الاعتراف بإسرائيل سيؤدي في النهاية إلى الاعتراف بيهودية هذه الدولة، وما يترتب على ذلك من آثار كارثية، ليس من أقلها منع عودة اللاجئين إلى بيوتهم وأرضهم، وتخويل اليهود لطرد فلسطينيي ال48، أو ما يسمى بالترانسفير، بل هناك خطورة على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، لأنها في نظر اليهود جزء من أرض إسرائيل التاريخية، وكذلك إعطاء الشرعية على هجرة يهود العالم إلى هذه الدولة، لأنها أصبحت باعتراف أصحاب الأرض ملكاً لليهود.

 

7. ولا ننسى أن الاعتراف بإسرائيل سيؤدي بالضرورة إلى التعاون الاقتصادي والثقافي والفكري بل والأمني مع هذه الدولة، وسيفتح المجال واسعاً للتطبيع بين العرب واليهود، والكل يعلم معنى هذا التطبيع، واسألوا الشعب المصري عما جناه بسبب هكذا تطبيع. كما أنه سيفتح المجال أمام العالم كله ومنه العالم الإسلامي لفتح علاقات سياسية ودبلوماسية مع هذه الدولة اليهودية، قائلين: لن نكون ملكيين أكثر من الملك، ولن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين الذين اعترفوا بإسرائيل وطبعوا معها، واعتبروها دولة شرعية على معظم أراضي بلدهم فلسطين التاريخية. بعد أن كانت هذه الدول تعتبر إسرائيل دولة استعمارية مغتصبة وشاذة في المنطقة.

 

8. وهنا نذكّر أن اعتراف م-ت-ف بالكيان الصهيوني في وثيقة الاستقلال عام 1988، والذي أعطى دولة الاحتلال الحق في إقامة كيانهم الغاصب على أكثر من 72% من أرض فلسطين. لم يأت بخير على الشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية، بل استغلته دولة الاحتلال في تكريس وجودها، وزيادة الاستيطان في الضفة الغربية أفقياً وعمودياً، وفتح الأبواب لدول العالم لإقامة علاقات دبلوماسية وطبيعية معه، خاصة الهند والصين واليابان، وفتحت المجال أمام دولة كالأردن للتوقيع على اتفاقية وادي عربة مع دولة الاحتلال.... والنتيجة أن دولة الاحتلال ستكون هي الرابح الأكبر من هذا الاعتراف. 

 

9. إن الاعتراف بشرعية الاحتلال الصهيوني في فلسطين، يعني أن على حركات المقاومة أن تحكم على نفسها بالإعدام، وأن تنهي وجودها، وأن تعتبر كل الجهود والتضحيات التي قدمها الشهداء والأسرى والجرحى وغيرهم، إرهابا وجريمة في حق دولة شرعية مسكينة معتدى عليها منذ أكثر من ستين سنة... فهل تقبل هذه الحركات بهذه النتيجة؟! إن هذا يعني الخنوع والاستسلام لشروط وإملاءات الأعداء، ودون مقابل يذكر، ويعني الدمار والخراب لمجمل القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني، التي هي قضية الأمة كلها. 

 

والنتيجة أنه لأجل كل هذه الحقائق ترفض فصائل المقاومة وخاصة حركة حماس الاعتراف بإسرائيل، ودفعت هذه الفصائل ولا زالت ثمناً باهظاً بسبب هذا الرفض، وهي محقة في ذلك كل الحق، فهذه الحركات برفضها الاعتراف بإسرائيل، تقف على ثغرة كبيرة من ثغور الأمة، وسيشهد التاريخ أن هذا الرفض سيكون ذخراً للقضية الفلسطينية في المستقبل، بل وذخراً للأمة العربية والإسلامية جميعاً.

 

وسيشهد التاريخ أن دولة الاحتلال بدون هذا الاعتراف ستبقى دولة مغتصبة، ودولة استعمارية، ودولة شاذة في المنطقة، حتى يأذن الله تعالى بفنائها، كما فنيت جميع الدول الاستعمارية في التاريخ، ابتداءً من مملكة الصليبيين في فلسطين وبلاد الشام، والتي استمرت حوالي مائتي سنة دون أن يعترف بها ، وانتهاءً بالاستعمار الأوروبي الحديث، الذي لم يعترف به أحد أيضاً. ونهايتهم جميعاً كانت حتمية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026