م اسماعيل أبوشنب تخضع أمتنا العربية والإسلامية اليوم بكاملها للعدوان الصهيوأمريكي فلم تعد فلسطين فقط هي مسرح الصراع بين الأمة وعدوها الأول من الصهيونية المحمية والمدعومة أمريكيا…
م.اسماعيل أبوشنب
تخضع أمتنا العربية والإسلامية اليوم بكاملها للعدوان الصهيوأمريكي فلم تعد فلسطين فقط هي مسرح الصراع بين الأمة وعدوها الأول من الصهيونية المحمية والمدعومة أمريكياً في تحالفاستراتيجي وثيق. ومع دخول الجيوش الأمريكية والبريطانية على بغداد والسيطرة على العراق تكون المنطقة العربية قد خضعت عسكرياً بشكل مباشرة أو غير مباشر للعدوان الأمريكي. فالوجود الصهيوني في فلسطين من جهة والوجود الأمريكي في العراق من جهة أخرى يشكلان طوقاً صهيونياً أمريكياً حول المنطقة العربية.
والتهديدات الأمريكية هذه ليست موجهة إلى المنطقة العربية فحسب بل تتعداها إلى المنطقة الإسلامية فالجيوش الأمريكية في أفغانستان تهدد باكستان ووجودها على أرض الخليج العربي فإنها تحاصر إيران من الشرق والغرب وتصريحات المسئولين الأمريكيين تطال إيران كما تطال سوريا وفي نفس الوقت رسالة إلى كل الجيران.
و أمريكا لا تخفي هذا التحدي والتهديد فقد أفصح الرئيس الأمريكي في خطاب أمام الكونجرس 29/1/2002 عن الخطط المستقبلية للسياسة الأمريكية في العالم العربي والعالم الإسلامي حيث يقول" إن حال الاتحاد المسيحي اليهودي الأبيض والثري قوية تماماً ولم يحدث أبداً في تاريخنا أن كانت القوة الأمريكية والهيمنة الأمريكية والقيم الأمريكية قوية مهابة ومحترمة ومقبولة في العالم كما هي اليوم. فاليوم يوجد العلم الأمريكي والقوات المسلحة ووكالة الاستخبارات CIA ومكتب التحقيقات الفيدرالي في أكثر من 100 دولة لضمان السلام والإذعان والتحرر من الخوف والإرهاب ... وعلى الرغم من أن الحرب في أفغانستان توشك على نهايتها فإن أمامنا طريقاً طويلاً ينبغي أن نسيره في العديد من الدول العربية أو الإسلامية ولن نتوقف إلى أن يصبح كل عربي مسلم محرراً من السلاح ... إنني آمل أن أكون قد حافظت على إرث آل بوش حيا بمحاربة العرب والمسلمين طيلة عشر سنوات لضمان استمرار الفوضي في بلادهم ... !!
ومع الحملة العسكرية فإن العدوان الأمريكي على العراق والأمة العربية والإسلامية يحمل معه حملة ثقافية فكرية ذات قيم أمريكية كما ذكر بوش في خطابه ومدعومة بالحرب الإعلامية الهائلة والتي تفوق في تأثيرها قوة الجيوش العسكرية كما لا يغيب عنا البعد الاقتصادي الذي يشكل أكبر الدوافع وراء هذه الحملة الصهيوأمريكية على أمتنا.
لقد صفق المؤتمر الرابع والخمسين لمنظمة الإيباك الصهيونية المنعقد في 31/مارس/2003 لكلمات وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذي قال أنه جاء إلى المؤتمر من أجل أمن إسرائيل واستقرارها ومن أجل تعزيز البنية العسكرية والمدنية للدولة العبرية وقال إن دولتينا مرتبطتان بنفس القيم ليتأكد لنا قوة هذا الحلف الصهيوأمريكي واعتماده على فرض إرادته بالقوة من أجل الثروة ومن أجل الأمن الإسرائيلي مصطحباً معه قيمه الفاسدة وديموقراطيته الزائفة في حملة صليبية بكل ما تحمل الكلمة من الإرث التاريخي والحقد الصهيوني والتخريب المغولي والسلب والنهب والسطو بعقلة الكاوبوي الأمريكي.
وما يؤكد على البعد الديني لهذه الحرب أن الرئيس الأمريكي بوش دعا مجلس الشيوخ الأمريكي لإقرار يوم صلاة وصوم بمناسبة الحرب وهو الذي يفتتح اجتماعات ديوانه ومجلس حكومته بالصلوات مع استخدامه للتعبيرات الدينية الأصولية. وفي هذا الصدد يقول إدوارد سعيد إن التدين الأمريكي تدين إشراقي نبوئي بيقين لا يتزعزع برسالة ذات طابع قيامي. فالمنطق الامبراطوري الأمريكي اليوم يصدر عن فكرة الاصطفاء التورانية والإيمان القوي بالخلفية الرسالية حتى ولو كانت سمته البراعمانية جلية. وتتجه أمريكا اليوم بإتجاه عقيدة المثاليين الأحاديين من المسيحية الصهيونية الذين يرون بضرورة فرض المثل والقيم الأمريكية بقوة السلاح.
وإزاء هذه الحملة الصهيوأمريكية تقف أمتنا اليوم أمام تحديات جسيمة وخيارات صعبة ومسئوليات جسام ... هل نستسلم للقدر الأمريكي ؟ ! هل نواجه هذا الخطر ؟! أم نسير في ركابه ؟! هل نتحدى ونقاوم ؟! أم نهرب ونختفي ؟! كل هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها على عقلنا وواقعنا وتصرخ في وجداننا ... بل وتصدمنا بفعل قوتها من شدة هول المأساة.
إن السياسة الأمريكية ترمي إلى تأسيس واقع تجزئيي دائم في المنطقة ودفع بإتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني والمصالحة معه وإنهاء القضية الفلسطينية بإنهاء المقاومة وفرض التسوية من خلال مبادرة خارطة الطريق وإخماد الصحوة الإسلامية ليؤسس للفوضى التي أشار إليها الرئيس بوش من جهة واستمرار الهيمنة والسيطرة على مدار عقود قادمة من الزمان.
ولنا هنا وقفة مع خياراتنا الممكنة الخيار الأول الخضوع لهذه السياسة والسيطرة الأمريكية إذ هو الطريق الأقل ضرراً لأن موازين القوى لا تعمل في صالحنا وأن المجابهة لن تجدي نفعاً حيث أن صورة الوضع في العراق وقبله في أفغانستان تكفي الأخذ العبر والدروس في عدم جدوى المواجهة. هذا الخيار يمثل خطأ فادحاً إذا ما أخذت به الأمة في تعاملها مع الأحداث على أرض الواقع لأن أمريكا ببساطة لا تطلب منا حلولاً وسطاً أو شراكة وإنما القبول بتنفيذ ترتيبات وإجراء تغييرات تولد وقائع لا تسمح بالنهوض ناهيك عن المخطط الصهيوأمريكي لإعادة ترتيب المنطقة وفق المنظور الأمريكي وتنصيب قيادات جديدة ومختلفة تقبل أن تسير وفق الأوامر الصادرة لها من البيت الأبيض والقادمة من تل أبيب.
أما الخيار الثاني فيتمثل في خيار المواجهة والمجابهة إذا كان لا يجدي الخضوع فالارتفاع إلى مستوى التحدي يصبح مهمة مفروضة وخياراً لا مناص منه وفي هذا الشأن لابد للأمة أن تبحث عن مكامن قوتها فتستخرجها وتستفزها للنشاط والنهوض وعليها أن تستجمع كل طاقاتها لتسخرها في هذا الطريق وتبحث عن كل السبل التي نستلهم منها رفع الروح المعنوية والتعبوية من خلال صحوة راشدة ووقفات شجاعة وترتيب ذكي لأوراق المواجهة على شتى الصعد وفي كل الميادين.
إن أمريكا اليوم هي التي تفرض الصراع ، والصراع يفرض علينا كأمة واحدة متطلباته التي تدفع بالضرورة بإتجاه الفعل المقاوم وليس المستسلم والخاضع. وكلما اشتد ألم الصراع فإن الأداء العربي والإسلامي مع مواجهة أمريكا وجيوشها سوف يتطور كما يحدث اليوم على أرض فلسطين ... إن عبرة السنين الماضية في عصرنا الحاضر وفي عصورنا التاريخية توضح أن الأمة العربية المسلمة لم تخضع ... ولقد كان الإسلام دوماً منبع الثورة وملهم الأمة ومفجر طاقاتها ومحور التقائها وسر قوتها حيث بقيت منطقتنا ثابتة في وجه الرياح الصليبية والمغولية والصهيونية. فحقائق التاريخ والتحدي المضاد للهيمنة والطغيان هي أقوى وأكبر من هذه القوة القادمة من وراء البحار ولا غرابة في ذلك فقد حذر كيسنجر أمريكا من هذه المغامرة في كتابه هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية بقوله " يحث بعض الأمريكيين ، مبتهجين بقوة بلدهم على التوكيد الصريح لسيطرة أمريكية، لكن هذا الطموح سيلقي على أمريكا عبئاً لم يستطيع أي من المجتمعات تحمله بنجاح لفترة زمنية غير محدودة ، فالإصرار الواضح على التفوق سوف يوحد بالتدريج دول العالم ضد أمريكا مما سيجعلها في النهاية معزولة ومستنزفة.
وما من شك أن المرشح الرئيسي للعب دور حاسم وفعال في هذه المرحلة هو الإسلام بعد أن جربت أمتنا كل المبادئ الأرضية فلم تستطع الصمودفلم يبق أمامها إلا هذا الطريق الذي يجمع الأمة العربية والإسلامية تحت لواء الإسلام. إنه الخيار الذي لا مفر منه لصد العدوان والتصدي لهذه الحملة الصهيوأمريكية الظالمة وهو الأمل اذي سيزغ فجره من جديد.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع