الأسير حسام بدران ..عطاءات وتضحيات قسامية

الأسير حسام بدران ..عطاءات وتضحيات قسامية

الوزير الأسير وصفي قبها
2010-04-21

جدول عادي من الطبيعي لعشاق القمم ورواد الذرى وهو حال وما يميز أبناء الحماس أن يكون انتماؤهم الدعوي أصيلا يتألقون حيثما وجدوا من مواقع العمل والعطاء وبأي مكان كانوا ومن الطبيعي…

من الطبيعي لعشاق القمم ، ورواد الذرى ، وهو حال وما يميز أبناء الحماس أن يكون انتماؤهم الدعوي أصيلاً ، يتألقون حيثما وجدوا من مواقع العمل والعطاء ، وبأي مكان كانوا ، ومن الطبيعي لهؤلاء الذين رفضوا السجود إلا لله أن يرفضوا الدنيا وملذاتها ، هؤلاء هم من يصرون أن تبقى هاماتهم مواتية للشمس في خدرها ، هؤلاء هم من لا يتوقف عطاؤهم على كل الأحوال وفي كل الظروف ، لو أن تلقى أخاك بوجه طلق – هؤلاء الصقور من أبناء الشعب الفلسطيني الذين تميزوا بانتمائهم الدعوي الأصيل ، فكانت عطاءات وتضحيات حمساوية وقسامية ، هم أصحاب الهمم العالية ، هم كالغيث أينما وقع نفع ، هؤلاء الرجال الرجال الذين فتحوا أمام الشعب الفلسطيني بل وأمام الأمة الإسلامية جمعاء أبواب الأمل في ظل طموح وتحد يتقد في نفوسهم ، ما أروعهم !! وأرواحهم تفيض بالعزة والإصرار ، وتتعمق في نفوسهم الثقة والعزيمة .. ما أجمل سربهم !! إنه سرب المجاهدين .. سرب الحماس المرصّع والمزيّن برجالات القسام ، فالعيش معهم وبينهم يقربك من الله أكثر ويعينك على الإكثار من العبادات ، لأنهم وطنوا أنفسهم وروضوها على الإكثار من العبادات المختلفة وخاصة تلك التي تؤدى في جوف الليل والناس نيام ، قيام الليل ، صلاة الضحى ، الصوم كل يوم اثنين وخميس ، صلاة التراويح في رمضان ، صوم يوم عاشوراء ، صوم ستة أيام من شوال ، صوم الأيام البيض ، جلسات الاستغفار والتسبيح ، قراءة الأذكار والأوراد المختلفة الصباحية منها والمسائية ، أبناء الحماس ورجالات القسام ، لهم مع القرآن الكريم جلسات منها لتعليم الترتيل والتجويد ، وأخرى للتفسير والنظر في الآيات والتأمل فيها ، تراهم يجتهدون في حفظ القرآن ، هؤلاء هم طيبة وحسن في المعاملة ، تستشعر لديهم ومعهم لذة الخشوع ، أما في شهر الخيرات ، شهر رمضان فالأمر أجمل وأجمل وأجمل ، تلمس عندهم الجد والاجتهاد حيث الطمع والتنافس في العبادات والتقرب إلى الله بالنوافل ، قال لي أحدهم وهو من الذين حفظوا كتاب الله عن ظهر قلب " عشت في قسمٍ فيه مائة وعشرون مجاهداً غالبيتهم من أصحاب المحكوميات العالية ، خمسة وثلاثون منهم يحفظون كتاب الله وأكثر من عشرين من هؤلاء قد حصلوا على السند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجال يمشون على الأرض وكل واحد منهم قرآنا .

 

فالقرآن نور الله .. أهم مصدر وأقوى مولد للطاقة الإيمانية والله إنه لسرب جميل ، وصف طاهر ونقي ، يتشرف من ينتمي إليهم ووالله إن قلبي هو الذي يتكلم ، وأشواقي وعواطفي وحبي لهم هي التي تباشر الإملاء على لساني وقلمي ، فهنيئاً لهؤلاء الرجال بالحماس وهنيئاً لحماس بهؤلاء الرجال ، هؤلاء الرجال أمثال الثلة التي عشت معها محنة التحقيق في عسقلان عام 1994 وعلى مدار أكثر من أربعة شهور تعرضنا خلالها لأبشع أنواع التعذيب من ضرب وهزٍّ عنيف وشبح متواصل وحرمان من النوم لأكثر من خمسة أيام وموسيقى صاخبة على مدار أيام التحقيق ، يرسفون اليوم بقيودهم ويربضون خلف القضبان في سجون الاحتلال الصهيوني ، هؤلاء الرجال نجوم لمعت في سماء فلسطين فزينت بعطائها وتضحياتها تلك اللوحة الجميلة والمشرقة لحركة المقاومة الإسلامية – حماس ، لوحة فنية رائعة حمساوية بامتياز جاءت انعكاساَ لضمير الشعب الفلسطيني وهاهي حماس اليوم ضمير الشعب وأمل الأمة .

 

لقد عشنا قصصاً وحكايات في أقبية التحقيق وزنازين التعذيب ، حيث كان مركز تحقيق شكيما ( عسقلان ) مسرح الجريمة التي ارتكبت بحقنا ، قصص ألم وعذابات ، كنا نتعالى عليها بابتسامات النصر حيث تناطح المعنويات عنان السماء ، يومها كانت ضربة قوية لحماس في جنين وطولكرم جاء صداها في نابلس ، حيث طالت الاعتقالات وشملت أكثر من أربعين مجاهداً حيث جاءت الاعترافات وكشفت الخيوط وكانت الإدانات ، ولكن هناك من بين هذه الثلة من تألق وكان كالصخرة لا ينبس ببنت شفة ، كان هناك كل عملاق من عمالقة الحماس الذين طالتهم يد الاعتقال الصهيونية ، كانت هناك قيادات معروفة ، كان الشهيد القائد جمال منصور ، كان المهندس عباس السيد الذي يقضي الآن حكماً بالمؤبد خمسة وثلاثين مرة ، كان الأستاذ رأفت ناصيف الناطق لحماس في طولكرم وأحد قادتها السياسيين في الضفة الغربية ، كان الأستاذ خالد الحاج الناطق باسم حماس في جنين وعضو القيادة السياسية أيضاً وكلاهما الآن في الاعتقال الإداري في سجن النقب الصحراوي ، كان إبراهيم جبر من قيادات جنين ، وكان الشيخ مصطفى أبو عرة رئيس بلدية عقابا المنتخب ، وكان الشيخ رياض رداد عضو المجلس التشريعي وكان .. وكان .. والقائمة تطول .

 

وللتاريخ أكتب أن هناك من تميَّز بصموده وصلابته في التحقيق ما فتَّ من عزيمته ، وما لانت له قناة ، ولا انكسرت له عزيمة ، ولا فترت له همة ، وعهداً لئن طال بي العمر بإذن الله أن أكتب عن هؤلاء العمالقة أكتب عن القائد القسامي الكبير المهندس عباس السيد الذي يرفض الاحتلال الإسرائيلي أن يكون اسمه ضمن القائمة التي قدمتها حماس للإفراج عنهم مقابل إطلاق سراح شاليط ، عباس الذي وقف أمامه رئيس وأعضاء طاقم التحقيق وأدوا له التحية على صموده وصلابته وقوة تحمله ، عباس الذي طوقته الاعترافات يومها فأنكرها جميعاً ، وكان هناك نجم آخر وهو محور هذه الحلقة في الذكرى الثامنة لاعتقاله ونجاته من محاولة الاغتيال ، كان هناك بطل حمساوي أصيل وقسامي تميز بعطائه وتضحياته وبصموده الأسطوري ، حيث عندما التقيته في أقبية التحقيق كان قد مضى علينا أكثر من سبعين يوماً ، وكانت أشكالنا مخيفة وتنبعث منا روائح أسابيع من عدم الاستحمام ، حيث عدم السماح بالاستحمام أو تقصير الشعر أو تهذيب اللحية جزءاً من التحقيق والتعذيب النفسي حتى يتضايق الأسير من رائحته ، وفي مرحلة ما يُحضر المحقق مرآة ويسمح للأسير النظر إلى شكله في المرآة وعندها يبدأ المحقق باستخدام كلام بذيء وسافل مثله من أجل إغاظة الأسير والنيل من صموده ومعنوياته ، نظرت إليه وإذا به لم يبقَ منه إلا العظم ، لقد سطر يومها الأسير المجاهد حسام عاطف علي بدران صوراً رائعة ومواقف بطولية من عبادة المراغمة حيث وكما أغاظهم عباس السيد ، أغاظهم حسام الذي كان كالصخرة الصماء أمامهم ، ينظر إليهم نظرات سخرية واستهزاء من همجيتهم ووحشيتهم وساديتهم التي يمارسونها على أجساد الأسرى من أبناء الشعب الفلسطيني ، وحال حسام بدران هو حال الأسير القائد محمد جمال النتشة والقائد القسامي إبراهيم حامد اللذين جمعني بهما قيد الألم والتعذيب في سجون بني جلدتنا في أريحا وبيتونيا ، واليوم إبراهيم حامد يربض في إحدى قبور العزل الانفرادي بمؤبداته التي زادت عن خمسة وستين مؤبداً ومنذ اعتقاله في أواسط عام 2006 وترفض سلطات الاحتلال أيضاً إدراج اسمه ضمن قائمة المفرج عنهم لإتمام صفقة التبادل بشاليط .

 

هؤلاء الرجال هم أبناء المدرسة الدعوية الإخوانية التي جاءت حماس من صلبها ، إنهم الزمرة المؤمنة ( العصبة المؤمنة ) الذين لبسوا على الطهر والعفة والتجرد والجهاد والعطاء والتضحية الثياب ، وهم الذين يسيرون على سنن الهدي ، فسيرهم وتاريخهم وشتى ألوان أنشطتهم المتنوعة ومساهمتهم في خدمة المجتمع ، عن وضعهم وحالتهم الاعتقالية وكل ما تقدم تؤكد على أنهم أبطال القرن ، إنهم ألمع الرجال ، فحجم عطاءاتهم وتضحياتهم هي من تدفعنا لحبهم والتقرب إلى الله بهذا الحب ، هي من تجعلنا طوعاً ندعو لهم بظهر الغيب ، بل وننثر لهم وعليهم الورود والأزهار ، ونفرش لهم البساط الأحمر ، ونضع على رؤوسهم التيجان ، عباس السيد ، خالد الحاج ، رأفت ناصيف ، مصطفى أبو عرة ، " محمد جمال " النتشة ، إبراهيم حامد ، إبراهيم جبر وحسام بدران منارات هدى ومآذن فلسطين الشامخة عزةً وفخاراً بما قدمت وغيرهم من أبناء الحماس الميامين ، والقساميين الذين لم توهن من عزائمهم المحن والابتلاءات ، الشباب المجاهد الذين عشقوا ثرى فلسطين وأُترعوا المسجد الأقصى ، فكانوا بحق فرسان المسجد الأقصى وحماته وهم الأسرى من أجل المسرى ، " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير " ، ها هم القساميون أمثال حسام بدران يحتفظون بأصالتهم وحيويتهم ، ويقاربون ويسدون كل الثغرات التي يتنبهون إليها وهم سائرون في درب الأشواك ، درب العزائم ، درب الجهاد والمقاومة وحقاً لقد جمع الله في هذه الحركة ، حركة المقاومة الإسلامية – حماس من الرجال الأخيار ، الرجال الأطهار ، الأنقياء ، الأتقياء فكانوا وبحق قدوات ومنارات هدى ، وأسوة حسنة ، ونجوماً بأيهم اقتديتم اهتديتم حيث الطريق الأقصى إلى مرضاة الله عز وجل.

 

لقد ولد فارس هذه الحلقة المجاهد حسام عاطف بدران " أبو عماد " بتاريخ 11-1-1966 في مخيم عسكر لأبوين طيبين وبسيطين جداً ، في نهاية الثمانينات من أعمارهما أمدها الله وأحسن لهما الخاتمة ، وقد حرص الوالدان على تعليم كل الأولاد والبنات ، وكان فضل الله ومنّه وكرمه أن تخرج الجميع من الجامعات وأنهوا دراساتهم الجامعية البكالوريوس وبعضهم الدراسات العليا .

 

لقد تفتحت أعين حسام في أزقة مخيم عسكر القديم ، فعاش اللجوء والتشرد من خلال معاناة أهالي المخيم ، حيث تحرم الطفولة من حقوقها الإنسانية .

 

كبر حسام وكبر معه حب الوطن ، كبر حسام وهو يتابع ويرى ويسمع معاناة اللاجئين ، فوالده جذوره تنحدر من مدينة اللد حيث هُجِّرت العائلة قسراً .

 

في مدارس المجتمع أنهى أبو عماد مرحلتي دراسته الابتدائية والإعدادية ، وليس غريباً على من يعرف حسام بدران أن يعرف عنه تميزه في دراسته في كل المراحل ، أما المرحلة الثانوية فقد كانت في المدرسة الثانوية الإسلامية في مدينة نابلس ، وكان لنشأته في كنف أسرة متدينة عاملاً مساعداً لصقل شخصيته الإسلامية من خلال الدفع بها في محاضن التربية المسجدية ، ونظراً لما كان يميز هذه الطالب الذي يتقد حيوية وحركة وحباً للإسلام والوطن ، ولما كان يتصف به من ذكاء وفطنة وسرعة بديهة فقد برزت ملكاته القيادية فانضم إلى صفوف الإخوان المسلمين وهو لا يزال على مقاعد الدراسة الثانوية ، وكان من نشطاء العمل الطلابي في المدارس وأصبح من قادة العمل حيث أبدع في مجالات الحوارات والمناظرات والإقناع والاستقطاب ، وكان يتميز بشخصية ذات جاذبية ، حيث أن مواقفه التي تعبر عن وطنية عالية ورفض للاحتلال تعكس قوة شخصيته وجرأته حيث لا يعرف الخوف أيام مواجهات الطلبة مع جنود الاحتلال المدججين بالسلاح الذين كانوا يتصدون لجموع الطلبة وهي تصعِّد من احتجاجاتها ضد المحتل وخاصة في المناسبات الوطنية ، كذكرى النكبة وغيرها .

 

أبو عماد سمع من والديه قصصاً وحكايات عن اللد وأراضي فلسطين المحتلة عام 1948 ، أصغى باهتمام إلى والديه وهما يرويان له تلك المجازر التي ارتكبتها العصابات اليهودية والصهيونية كالهاغاناة ، والأرغون وشتيرون ، استمع إلى قصص وحكايات التهجير والتطهير العرقي ، وما رافقها من جوع وفقر ، فمنذ أن وعيَ حسام على الحياة وتلك القصص تبعث في نفسه كره المحتل والمستعمر وتزيده عزماً وإصراراً على التمسك بحق العودة .

 

 إن تربية الفلسطيني لأبنائه ، وتربية حماس لشبابها قد أسقطت تلك المقولة الصهيونية    " بأن الكبار يموتون ، والصغار ينسون " لقد أثبت الشعب الفلسطيني وحركته المجاهدة وبعطائها المتميز وبنوعية شبابها وكادرها التنظيمي بأن هذا شعب أصيل ، ومتجذر الحب لأرضه ، وعميق الانتماء لأقصاه وتعبر عن آماله وتحمل همومه ومنها حق العودة ، حركة عظيمة تشكل ضمير هذا الشعب ، لقد انقلب السحر على الساحر وإذا بالكبار يورثون الصغار حب الوطن ، ويحفظونهم تاريخ وجغرافيا الوطن بكل تضاريسه ، وإذا بالأمهات يرضعنَ مع حليبهن حب الوطن وتراب الوطن ، إن نكهة ثرى فلسطين ممزوجة بحليب أمهات فلسطين يتذوق طعمها الأطفال مع أول رضعة ووجبة غذاء في هذه الدنيا ، وإذا بهم يكبرون ويترعرعون ، وإذا بحب الوطن يكبر معهم ويتعمق في وجدانهم ويستشعرون ثقل وحجم الأمانة عندما يستلمون الوصية من أيدي الكبار ، وهم على فراش الموت ، هذه الوصية التي يحملها كل فلسطيني لاجئ في مخيمات الشتات أو المهجر في دول العالم ، يحملون مفتاح البيت ووثيقة الطابو التي تؤكد ملكيتهم لأرضهم ، وحسام بدران ابن مخيم عسكر القديم الذي يحب فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها قد عرف عمق الجرح الذي ما زال مفتوحاً ، جرح النكبة ، جرح النزوح والتشرد ، جرح اللجوء ، هذا الجرح ما زال يبحث عمن يضمده ، هذا الجرح هو أيضاً جرح الأقصى السليب ، جرح حفر في القلب فأدمى هذا القلب ، جرح غائر يحتاج إلى جنود وفرسان الحق من أبناء حماس وكل المناضلين الشرفاء ليضمدوه معاً ، وتأتي ذكرى النكبة كل عام وها هو حسام لا زال في الأسر وتمر عليه وعلى الحركة الأسيرة هذه الذكرى الأليمة ، وقلبه ينفطر حزناً وألماً ، وخاصة وهو يتابع جرح الأقصى الذي ينكأ كل يوم ، ها هو قلب الأمة يطعن كل يوم بالاستهداف والتهويد والحفريات ومنع المسلمين من الوصول إليه والأمة كلها تنظر وكأن المصاب في كوكب آخر ، ويصرخ أبو عماد من بطن الحوت من سجنه حيث الجدران الإسمنتية العالية الصماء تحيط بعلب إسمنتية صغيرة تضم بين جدرانها خيرة أبناء الشعب الفلسطيني الذين تذوب زهرات شبابهم وتمضي سني أعمارهم ويزداد ألمهم وهم يشاهدون ويتابعون الدماء النازفة من هذا الجرح ، إلى متى هذا الصمت ، فكم من الطعنات تريدون يا حكام الأمة ، أيتها الشعوب المقهورة متى تستيقظوا ، أما تسمعون صوت الأقصى وهو يصرخ في وجوهكم ووجوه كل المتخاذلين من أبناء الجلدة الذين يمنعون الحماس حتى من الخروج في مظاهرات احتجاجية ، أما سمعتم صوت ونحيب الأقصى وهو يستغيث ويذكركم أنا قبلتكم ، أنا عقيدتكم ، أنا شرفكم ، وامعتصماه صرخة قد لامست أسماعهم ولكنها لم تلامس نخوة المعتصم ، واأسفاه لقد أصمّت ترهات الغرب ووعود أوباما آذانهم ، هاهم يحكمون الضفة الغربية ، ضفة العياش وأبي هنود ، والجمالين ، بأوامر دايتون ، ينصاعون للغرب ، وتعليمات الأنكل سام وقد غشيَ على أبصارهم حتى لكأنهم أصبحوا يرون الصواريخ التي تقصف بها فلسطين ورداً ، ألم يوزعوا الحلوى عندما استشهد سعيد صيام ونزار ريان ، وزعوها شماتةً يا للعار ..! .

 

إن أبا عماد وهو يتابع ويقف على محاولات طمس الهوية ليدور على الأقسام محاضراً وواعظاً ومذكراً ومحذراً من أن ينتزع الحنين إلى الأرض من القلوب فتراه يحث الأسرى على التمسك بالحق وبضرورة تجذر المقاومة بكل أشكالها .

 

إنه حسام بدران " أبو عماد " رجل ليس ككل الرجال ، التحق بجامعة النجاح الوطنية وحصل على شهادة البكالوريوس ، ونظراً لتميزه وحبه للعلم وتشجيع دعوته له التحق ببرنامج الماجستير في التاريخ ولكن المجاهدين لا يُتركون مستقرين ، فالملاحقات والتضييق عليهم والاعتقالات كلها إشكالات تحول دون أخذ الشهادة بسبب عدم استكمال رسالة الماجستير التي عنوانها " الفقهاء والسلطة في الدولة الأموية " ، دراسة فكرية تاريخية وعلى مدار سنوات دراسته الجامعية كان أبو عماد أحد نشطاء الكتلة الإسلامية في الجامعة وأحد محاور نشاطاتها وقادتها ومنظّريها ، فلمع اسمه في أوساط الطلبة وذاع صيته وهو الذي يتمتع بثقافة غزيرة ، أبو عماد وحاله كحال كل المجاهدين والشرفاء والأطهار من أبناء الشعب الفلسطيني كانت رحلته مع الاعتقالات طويلة ومريرة بمرارة الاحتلال وهمجيته وجرائمه ، فقد كان أواخر عام 1990 الاعتقال الأول حيث تم التحقيق معه لمدة شهر وأمام صلابته وعدم اعترافه تم الزجّ به في الاعتقال الإداري لمدة ستة شهور في سجن النقب الصحراوي ، كما واعتقل ضمن حملة واسعة وشاملة بعد اختطاف جندي حرس الحدود نسيم طوليدانو على أيدي مجموعة قسامية حيث لم تطل به فترة الاعتقال ، وبعدها وفي عام 1993 اعتقل إدارياً لمدة 12 شهراً وفي نهاية العام 1994 وبداية العام 1995 تم التحقيق معه لأكثر من ثلاثة شهور في مركز تحقيق عسقلان " شيكما " وحيث كان حوالي أربعين شهراً في الزنازين وأقبية التحقيق في تلك الفترة كما ذكرت آنفاً حيث أمضى مائة وستة وعشرين يوماً في الزنازين والتحقيق ، وفي أواخر العام 1995 كان الاعتقال الخامس حيث تمّ التحقيق معه لمدة شهر وأمام صموده وعدم اعترافه للمرة الثالثة تمَّ تحويله إلى الاعتقال الإداري وكان طويلاً إذ استمر ثلاثة أعوام ، أما الاعتقال السادس والأخير فقد كان يوم 18-4-2002 وعليه فقد جاءت هذه الحلقة حباً ووفاءً للأسير المجاهد حسام بدران في ذكرى اعتقاله الثامنة حيث خضع هذه المرة للتحقيق السري حيث مكث فيه لمدة شهرين متتابعين منها أسبوع وحده حيث عزل في الزنزانة بعد أن فشلت كل أساليب التعذيب الجسدي والنفسي لكسر إرادته ، فكان التحدي وكان الصراع بين إرادة حسام بدران وبين جبروت جهاز التحقيق ، حيث جاءت الأساليب أكثر قسوة وشدة من تلك التي مرَّ فيها في السابق ، كما واستخدمت كل الأساليب النفسية ، حيث كان الشبح المتواصل والحرمان من النوم والموسيقى الصاخبة على مدار الساعة ، والضرب المبرح والهز العنيف وغيرها من عدم السماح بالاستحمام وتقصير وقص الشعر والأظافر .

 

وتجدر الإشارة أن التعذيب الذي مورس على حسام بدران في العام 2002 كان بقرار خاص من المحكمة العسكرية الإسرائيلية التي أقرته ما تسمى المحكمة العليا ، وخلال المحاكمة وجدت المحامية ليئا تسيمل ورقة في ملف حسام موقعة من الشاباك تؤكد على حدوث التعذيب وقد وقعت يومها عن طريق الخطأ في يد المحامية التي فجرت وأربكت الشاباك والمحكمة بعد أن نشرت هذه الورقة في وسائل الإعلام مما سبب إرباكاً ، حيث أن في ذلك اعترافاً صريحاً وبشهادة رسمية بحصول التعذيب ، ولكن بعيداً عن ملابسات جلسات المحاكم التي طالت كثيراً وبعد ثلاثة أعوام صدر الحكم القاسي جداً حيث لم يعترف أبو عماد بشيء ولكن تمَّ الحكم عليه بثمانية عشر عاماً فعلياً (18سنة ) حكم قاسٍ جداً ، ولكن وبدون شك فقد كان الصمود عنوان الصراع في التحقيق ، وقد تفنن أبو عماد وبالرغم من الألم في إغاظة المحققين وأذهلهم صمود هذا البطل الذي وعلى مدار فترات التحقيق كلها لم ينتزع منه الجلاد ما يريد وما يبحث عنه ، هذه المواقف ورغم أنها تركت في نفوس المحققين غصة إلا أنهم كانوا ينظرون إليه نظرة إعجاب في أكثر من مرة كما أن حجم الاعترافات على أبي عماد وخاصة في الأمور المالية فقد قال أحد كبار المحققين وتمنى لو أنه يوجد عندهم وفي دولتهم (كما قال ) سياسيون عندهم هذا الاستعداد من التضحية ولا يبحثون عن مصالح شخصية ، حيث استغرب المحققون كيف تمر مئات الآلاف من الدولارات من بين أيدي العاملين مع القسام وحماس دون أن تراود أحدهم نفسه لأخذ شيء منها برغم من فقر حالات الكثيرين المادية ، حيث عبر المحققون عن دهشتهم وإعجابهم بالمجاهدين حيث لا استغلال للأموال التنظيمية في الأمور الشخصية ولا شك أن حسام بدران كان مصدر إعجابهم أيضاً ، هذا الصقر القسامي الذي كان يحاور المحققين ويناقشهم في كل الأمور ، وقد حضر إليه في إحدى الأيام " يوفال ديسكين " مسؤول الشاباك حالياً وكان يومها نائباً للشاباك في عام 2002 وجرى بينهما نقاش مطول حول حماس ومستقبل حماس وقد حضر ديسكين يومها ليحاور حسام حول حديث دار بينه وبين رئيس طاقم التحقيق من أن حماس ستخوض الانتخابات التشريعية وستفوز بالأغلبية ، وقد أعاد حسام على مسمع ديسكين ما قاله للمحققين ، وكان ديسكين معني جداً للاستماع والإصغاء حول ما يعزز قناعة حسام وكيف سيكون ذلك ، وقد استغرب ديسكين يومها من تحليل حسام الذي جاء من شخصية جهادية واعية ومثقفة تدرك ما يدور حولها وتستشرف المستقبل وتبني رؤيتها بناء على تجربة وخبرة ومعرفة بواقع الشعب الفلسطيني وما تمثله حماس في ضمير هذا الشعب ، يومها احترم ديسكين وجهة نظر وتحليل حسام ولكنه لم يقتنع بها ، وما هي إلا أربعة أعوام حتى كان قرار الحركة المشاركة في الانتخابات التشريعية وتحقيقها أغلبية كبيرة من عدد أعضاء المجلس التشريعي 78 مقعداً من أصل 120 مقعداً .

 

وخلال فترات التحقيق المختلفة فقد وجهت لأبي عماد تهمة المسؤولية في حركة حماس حيث اعتبره المحققون مسؤول حماس في شمال الضفة الغربية بناء على اعترافات أحد الإخوة في العام 1994 ، وقبلها كانت توجه له تهم المسؤولية والنشاط والفعاليات في إطار حماس في محافظة نابلس .

 

أما الاعتقال الأخير فقد كانت التهمة هذه المرة المسؤولية الأولى عن كتائب القسام في الضفة وخاصة في شمالها ومن المضحك في تحقيقاتهم أنهم وجهوا إليه التسبب في مقتل أكثر من 120 صهيونياً وإصابة المئات ، وكانوا يتعاملون خلال التحقيق وكأن الأمر لديهم قناعات مسلم بها بالرغم من عدم وجود إثبات أو دليل واحد على ذلك ، حيث أن قناعاتهم جاءت من خلال تحليل البيانات والمواقف وطبيعة الاعترافات التي لاحقته ولم يعترف ، لذلك كان غريباً على الأمن الصهيوني ولأول مرة في تاريخ القضاء عندهم والمحاكم العسكرية أن توضع مواد سرية وتضاف إلى ملفه حتى يطلع القضاء عليها ، كما هو الحال وشبيه ما يحدث مع الاعتقال الإداري حيث أن الملف السري هو الأساس الذي يعتمد عليه القاضي في اعتماد تجديدات الإداري للأسير وقد استمرت المحاكمات بجلساتها الطويلة على مدار أكثر من عامين وأقل من ثلاثة أعوام وفي كل جلسة وفي الحالات النادرة أن يحقد مندوب رسمي من طرف الشاباك بشكل علني يجلس في المحكمة إلى جانب مسؤول الادعاء ( النيابة العسكرية ) والحضور خصيصاً لمتابعة ملف حسام بدران .

 

وقد تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية قصة الأسير المجاهد حسام بدران ، حيث تناوب التحقيق على أبي عماد أكثر من ثلاثين محققاً كانوا يتناوبون عليه على مدار الساعة دون السماح له بالنوم ، وقد قال وأكد أحد كبار مسؤولي التحقيق أنه يكفي من الإنجازات المهمة والكبيرة لعملية السور الواقي في العام 2002 عند اجتياح الضفة هو اعتقال حسام بدران وأنه تم حل لغز كلمة لسر " راشد " التي كانت تتداولها خلايا القسام العاملة ،  وهو اللقب الحركي لمسؤول القسام المجهول طوال تلك الفترة بالنسبة لهم ، حيث لديهم قناعات أن     " راشد " هو حسام بدران لذلك حاول الشاباك إدانته بمقتل المائة وعشرين وفق تحقيقاتهم .

 

وقد أشارت بعض الاعترافات بأنه كان مسؤولاً عن إعادة تأسيس خلايا القسام في المنطقة مع الأسابيع الأولى من تفجر انتفاضة الأقصى المباركة ، كما وكانت التهمة المسؤولية والإشراف على كل المطاردين في المنطقة الشمالية كما أكدت وسائل الإعلام الصهيونية ولائحة الاتهام الأولية ومن هؤلاء الشهداء الذين اتهم بمساعدتهم والمسؤولية عنهم الشهداء الكرام ، الشيخ يوسف السركجي ، محمود أبو هنود ، أيمن حلاوة ، نصر عصيدة ، مهند الطاهر ، علي علان ، طاهر جرارعة ، وقيس عدوان ، وآخرون من مناطق أخرى في الضفة الغربية ، وكان التواصل معهم وفق وسائل الإعلام ولائحة الاتهام يتم بطريقة أمنية محكمة عبر نقاط ميتة ومتقنة جداً ، أعجزت المحققين الذين لم يتمكنوا من كشف هيكلية العمل ولا وسائله .

 

لقد منح الله عز وجل أبا عماد عمراً جديداً ففي يوم اعتقاله 18-4-2002 نجا أبو عماد من محاولة اغتيال محققة شاركت فيها طائرات من طراز F-16 وأباتشي ووحدات مختارة من جيش الدفاع ، ففي منطقة القصارية حيث خرج إلى هناك حسام ولجأ إلى إحدى البيارات عندما اشتد الحصار والهجوم على نابلس وذلك برفقة بعض الإخوة وبعد يومين رنَّ هاتف الخلوي وما هي إلا لحظات حتى قصفت المنطقة بصاروخين من قبل طائرة من نوع F-16 ثم حلقت بعدها طائرات مروحية وواصلت مراقبة المنطقة وتوفير الحماية لعملية إنزال جوي حيث حوصرت البيارة ، حاول حسام الهرب وقد تمَّ اعتقاله من قبل وحدة خاصة عملت مع وحدة خاصة أخرى من جيش الدفاع الإسرائيلي وذلك بقيادة اثنين من كبار ضباط الجيش إضافة إلى رجال الشاباك ومنهم محققون في الشاباك .

 

وقد استشهد نتيجة القصف اثنان من أهل المنطقة أحدهم كان حارس البيارة الذي ليس له علاقة مباشرة وأصيب كل من عادل أبو خيط وعلي قطناني وأخ آخر من المنطقة بينما تمكن محمد قطناني من الفرار بعد اعتقال حسام مباشرة ، وما أن اعتقل أبو عماد حتى خضع لتحقيق ميداني مباشر تحت تهديد السلاح وقد تمت مداهمة بيته وهدم جزء من بيته وحرق بقية المنزل على يد الوحدة .

 

واليوم يرسف أبو عماد بقيوده في سجن النقب الصحراوي بعد أن تنقل بين عدة سجون ففي بداية الحياة في السجن تم قمع الأسرى في سجن الرملة وتم التركيز على حسام بدران وعلى عباس السيد بالتضييق والضرب نتيجة عمليات حصلت في الخارج ، وقد عاش أبو عماد وبقرار من الشاباك في العزل الجماعي ( الشمور ) لمدة سنتين .

 

وفي كافة السجون التي دخلها أبو عماد وفي كافة الانتخابات الداخلية التي كانت تجري في السجون ، كان تدفع بأبي عماد إلى مجلس الشورى والمكتب الإداري ، واليوم يضطلع أبو عماد بأمانة الأمير العام في سجن النقب الصحراوي حيث يوجد ثلاث قلاع يضم مجموعها أكثر من ألفين ومائتي أسير من كافة الفصائل تشكل حماس 40% منهم ، كما انتخب أبو عماد عضواً من الهيئة القيادية العليا للمرة الثانية على التوالي وقد أسندت له المهمات الإعلامية ويقوم بالخطابة حيث يعتبر خطيباً مفوهاً وشخصية جذابة كما ويعطي الدروس والمحاضرات في المواضيع المختلفة ويعطي المساقات التعليمية ويكتب أيضاً حيث أن قلمه كثيراً ما يسيل بقناعاته محللاً ومعلقاً وناقداً وقد استطاع إنجاز مجموعة من الكتب وهي :-

 

كتيبة الشمال وقد جاء هذا الكتاب ليروي تجربته في القسام في بداية الانتفاضة الأولى وهو أيضاً تقييم وعرض لتجربة غنية في مرحلة مهمة من مراحل مسيرة جهاد ونضال الشعب الفلسطيني وقد كتب الأستاذ خالد مشعل تقديماً للكتاب الذي سيرى النور قريباً بإذن الله حيث سيطبع في غزة خلال فترة قصيرة وهذا نهج أصيل في مسيرة حماس حيث أن لحماس وقفات تقييمية بعد كل مرحلة يقطعونها في مسيرتهم ، وهذه قناعات راسخة لدى القيادة في كافة المستويات بأن الوصول للغايات وتحقيق الأهداف يستوجب استخلاص العبر والفوائد من كل مرحلة حتى يتم تخطّيها وتجاوزها في المرحلة التي تليها ويبقى هذا النهج الأصيل حال ونهج حماس حتى تدرك مرادها وتحقق مصالح الشعب الفلسطيني .

 

وما أن خطت عصا الترحال بحسام بدران خلف قضبان الأسر وفرغ من عناء البوسطات والمحاكم حتى بدأ وشرع بكتابة " كتيبة الشمال " وفي وقفة تقييمية ودراسة مستفيضة لما جرى على مدار سنتين من الهجمة الشرسة لجيش الاحتلال التي استهدفت كل شيء فلسطيني ، وكيف تصدت القسام في الشمال للعدوان والجرائم الإسرائيلية حتى توضع بين أيدي الحركة والمعنيين بالعمل وبين أيدي الأجيال حتى تكون بها دروساً في مرات قادمة ، وليعرف الجميع أين نجحت كتيبة الشمال وتعزز وتطور نقاط نجاحها ، وليعرف الجميع أيضاً ما هي النقاط التي أخفقوا فيها حتى يأخذوها بالحسبان ويتم تلافيها بشكل جيد في مرات أخرى ، وهذا الكتاب أقرب منه إلى الأداء العسكري القسامي ومراجعات تقييمية .

 

أما الكتاب الثاني فهو تحت عنوان " مواعظ في القيد " وهذا الكتاب في السلوك والأخلاق والدروس والمواعظ خلف القضبان وقد كتب فضيلة الشيخ حامد البيتاوي عضو المجلس التشريعي وخطيب المسجد الأقصى المبارك ورئيس رابطة علماء فلسطين تقديماً لهذا الكتاب الذي هو الآن قيد الطباعة .

 

أما الكتاب الثالث فهو تحت عنوان " محاور في فقه السياسة والجهاد " ، والكتاب الرابع بعنوان " خطيب تحت المحراب " لم يطبع أي منهما حيث أن الكتابين مخطوطان .

 

أما الانجاز الخامس فقد جاءت مساهمة من أبي عماد في الترجمة والتعليق على كتاب " غزة أرض الموت " كما وكتب أبو عماد العشرات من المقالات وبعض قصائد الشعر .

 

هذه هي حماس التي لم تكن على مدار تاريخها الحافل بالعطاءات والتضحيات لتتأخر عن تقديم قادتها وكادرها شهداء وأسرى ، هذه حماس وهذا ما يميزها .. فما أروعها ..!

 

إنـا نقدم قبل الجند قادتنا *** إلى الجنان سباقاً نحو مولانا

 

علو في الحياة وفي الممات *** لعمري تلك إحدى المعجزات

 

إن قصة أبي عماد ليست بمعزل عن مسار المواجهة وطبيعة العلاقة مع الاحتلال حيث فهم أبو عماد الدرس جيداً وهو الذي يرى في شهر نيسان وما يحمله من ذكريات مؤلمة في تاريخ القضية الفلسطينية ففي الأول من نيسان من العام 1935 بدأ دخول ما يقارب مائة ألف يهودي وغريب إلى فلسطين بعد أن اتخذت الحكومة البريطانية قراراً يسمح لهم بذلك وهكذا كان الانتداب البريطاني يوفر الغطاء والحماية للمستوطنين الجدد من المغتصبين للأرض .

 

وتاريخ 2-4-1998 شيعت جماهير غفيرة من أبناء الشعب الفلسطيني جثمان القائد العسكري لحماس محيي الدين الشريف بعد مقتله في سيارة .

 

وبتاريخ 8-4-1948 استشهد القائد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل ، وفي 9-4-1948 ارتكب الصهاينة مجزرة دير ياسين ، وبتاريخ 1-4-1973 تمّ اغتيال ثلاثة كوادر من المناضلين في بيروت ، أبو يوسف النجار ، كمال ناصر ، وكمال عدوان وكان مسؤول وحدة القتل يومها ايهود باراك وزير الدفاع الحالي للكيان الصهيوني ، ويوم 15-4-1936 كانت إشارة البدء بالثورة الفلسطينية المجاهدة بقيادة الشهيد عز الدين القسام ، ويوم 16-4-1988 تم اغتيال الرجل الثاني في فتح خليل الوزير في تونس على يد الموساد ، ويوم 17-4-2004 أطلقت طائرات الأباتشي صواريخها على سيارة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي فاستشهد على الفور ، ويوم 19-4-1948 تم احتلال طبريا من قبل العصابات الصهيونية ، ويوم 20-4-1920 كان قرار مؤتمر سان ريمو يعلن الانتداب على فلسطين ، ويوم 22-4-1948 سقطت مدينة حيفا في أيدي الهاغاناة الصهاينة ، ويوم 29-4-1948 اعترفت بريطانيا بالكيان الصهيوني كدولة ، بريطانيا سبب مآسينا ومصائبنا ، هذه الأحداث المؤلمة يتذكرها أبو عماد وهو يستذكر يوم اعتقاله 18-4-2002 .

 

فلم يكن غريباً على مجاهد قسامي أن يطلق الدنيا ثلاثاً ، ويلبي نداء المنادي عندما صدح بأن يا خيل الله اركبي .. وحسام أعلنها صرخة مدوية ترددت صداها في كل أنحاء فلسطين والموت في سبيل الله أسمى أمانينا فكيف لهذا المارد القسامي أن يسكت عن ما يتعرض له شعبه من جرائم .

 

أبو عماد نذر نفسه لله ، وحرص على الموت فنجا من الاغتيال بأعجوبة وقد أصيب يومها صهر حسام الذي كان يتواجد معه ويُدعى علي بساقه وتهشمت عظامه ، يومها ارتوت أشجار البرتقال بدماء الشهداء والجرحى .

 

أبو عماد حمل روحه على كفه .. فداءً للوطن والأقصى وتمناها شهادة ولكن قدر الله أن تحط عصا الترحال ويستقر في بطن الحوت ، وفي ظلمة السجن يرسف بقيوده ويربض في سجون الطغيان الصهيوني .

 

لقد كان ميلاد هذا البطل هو بداية فصول رواية مجاهد قسامي وفارس مغوار ، تفتحت عيناه على الوجع الفلسطيني ، وعلى الألم الفلسطيني رأى البؤس والفقر في أزقة المخيم ، رأى سنين الانتظار بحلم العودة تجاعيد على وجوه والديه والأجداد والآباء ، أبو عماد عمل مدرساً لمادة التاريخ في مدراس نابلس الحكومية ، ولكن وجد نفسه بالصحافة حيث هوايته وملكاته فأدار مكتباً صحفياً في مدينة نابلس سرعان ما أغلقته السلطة الفلسطينية .

 

أبو عماد رجل مقدام لا يخشى في الله لومة لائم ، كان متفانياً ومخلصاً في علمه وفي كل المواقع ، قائد وأبعد ما يكون عن الأضواء وصخب اللقاءات والشهرة ، وعندما مارس العمل العسكري كان الأمر طيّ الكتمان ولم يعرف به حتى أقرب المقربين ، وهو يحظي باحترام وشعبية في مخيم عسكر قل نظيرها ، يعتبره الاحتلال مخزن الأسرار لأنه لم يعترف بالرغم من أنه مارس العمل الجهادي من خلال القسام وقناعات المخابرات أكبر بكثير .

 

عندما قرر الزواج وبدأ البحث عن شريكة الحياة من ذوات الدين حيث استكمل دينه عام 1993 بعد أن وجد ضالته بالمواصفات الإسلامية وفق وصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكان الزواج من نعمة قطناني من نفس المخيم – عسكر القديم وتحمل البكالوريوس في الشريعة وقد عملت في خدمة الأسرى وعائلاتهم في وزارة شؤون الأسرى والمحررين ، ولكنَّ الإقصائيين أنهوا خدماتها وإقصائها بطريقة لا وطنية ولا أخلاقية ، وهي من عائلة متدينة بفضل الله ، امرأة صابرة ومحتسبة ، هي الزوجة وهي وصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، صبرت ولا زالت صابرة على فراق زوجها المغيب في بطن الحوت ، دعمته وصبرت معه وعليه وهو يغيب عن البيت مطارداً أو أسيراً ، فدعمها لم يتوقف وكان مستمراً في كل المراحل وأثناء التحقيق وفي المحاكمات وفي الزنازين وفي السجن ، وهنا أجد لزاماً عليَّ أن أحيي صمود وصبر الأخت الفاضلة نعمة قطناني "أم عماد" على ما ابتليت به من ابتلاءات شريك حياتها الذي غيَّبه السجن قسراً عنها فصبرت واحتسبت ، فهنيئاً لأبي عماد بنعمة التي لها من اسمها نصيب ، وهي حقاً لأبي عماد نعمة من النعم التي منَّ الله بها على زوجها حسام ، هذه الزوجة الصالحة نعمة ونحسبها كذلك جاءت تجسيداً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاظفر بذات الدين ترتب يداك ، فلله درك يا أم عماد ، لله درك أيتها المجاهدة نعمة وحقاً إنك نعمَ الزوجة الصالحة التي تحفظ زوجها أبا عماد وتكسب الأجر والثواب من الله ويؤجر المرء رغم أنفه .

 

إن أم عماد اليوم هي مثال نساء فلسطين وخنساواتها ، مجاهدة نموذج قدوة وأسوة حسنة ، صبرت على بعد زوجها وصبرت على العمل الدعوي والجهادي لزوجها فصبرها هو دعم نفسي ومعنوي في كل المراحل سنة 1995أثناء فترة التحقيق القاسية واليوم هي ممنوعة من زيارته منذ ثماني سنوات وأحياناً تزور مرة واحدة سنوياً بعد متابعات مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية حيث التذرع بحجة المنع الأمني ، هذه الزوجة التي جاءت بكرها جمان التي تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً هي من اللواتي قال فيهن الرسول صلى الله عليه وسلم " خير النساء من بكرت بأنثى " .

 

وقد أنجبت لأبي عماد أيضاً ولده عماد الدين الذي يبلغ من العمر الآن ثماني سنوات وعندما نجا أبو عماد من عملية الاغتيال وتم اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال كان عمره يومها لم يتجاوز شهرين ، وقد رزق أبو عماد الابنة البكر جمان بعد ثلاثة أعوام من زواجه .

 

هذه هي أم عماد التي لم يتجاوز عدد السنوات التي عاشتها مع شريك حياتها حسام عن السنتين من أصل ثمانية عشر عاماً ، الأمر الذي يعكس معدنها الأصيل ، وحبها وانتماءها لفلسطين والأقصى ، وصبرها على فراق الزوج الذي انضم إلى الثلة المؤمنة الطاهرة ثلة الأسرى من أجل المسرى ، وهم حقاً رجال حول الأقصى ، وهذا ما يسرّي عنها ويزيد من صبرها واحتسابها فحق عليَّ أن أقف إجلالاً وإكباراً أمام هذه الخنساء التي طلقت الدنيا مع زوجها وهما يدركان أن ما عند الله خير وأبقى ، فلك يا أم عماد ولكل نساء فلسطين أمثالك والمجاهدات بطاقة وتحية عهد ووفاء أن يبقى المجاهدون أوفياء لفلسطين ، أوفياء للأقصى ، وأن يبذل الغالي والنفيس من أجل الأقصى ، أما أنت أخي حسام فكما عهدَتكَ دعوتكَ وحركتك كنت وما زلت رجل المهام الصعبة قبل وبعد التحاقك بركب الدعوة ، ركب الإخوان ، ركب الحماس ، ركب القسام ، فقد غُرِسَت في نفسك تلك القيم الإسلامية والوطنية في كنف والديك ، وصقلت في المدرسة الإسلامية وقد عكست نشاطك وحيويتك ، وعي وثقافة وحب وانتماء تجلّى ذلك بالإبداعات التي جسدتها على أرض الواقع ، وتجلت مواهبك القيادية وملكاتك الإدارية عندما بادرت في جامعة النجاح الوطنية وبالتنسيق مع إخوانك على إعادة إحياء نشاط الكتلة الإسلامية بعد انقطاع طويل نتيجة إغلاق الجامعة لسنوات وعدم انتظام الدراسة فيها نتيجة إجراءات الاحتلال التعسفية والإجرامية لتدمير الحياة التعليمية والثقافية في المجتمع الفلسطيني وقد قمت بترتيب أمور الكتلة عام 1991 والإشراف ومتابعة أمورها لأكثر من عام ونصف العام .

 

وعندما قام الاحتلال بحملة الإبعاد الشهيرة إلى مرج الزهور وتم الإفراج عنك يومها بعد اعتقال قصير وجدت نفسك وحيداً في الميدان وكان همك أن يوزع البيان الرسمي للحركة لأن الانقطاع يعني نجاح الاحتلال وقد كان يومها تحدياً كبيراً وقد استبشر الناس خيراً بأن حماس بألف خير بعد حملة الإبعاد حيث وزع بيان الحركة الرسمي في كافة المدن والقرى والمخيمات وفي موعده وذلك وبفضل الله ثم بفضل جهود الجنود المجهولين أمثال حسام بدران الذي كان يبعد يومها كثيراً عن الأضواء ويكفيه أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يقوم به أبو عماد ، كما وعمل في التربية وأداء مكتب الصحافة ، وقد كان عضواً في لجنة الطوارئ المشرفة على عمل حماس عند تأسيسها في نابلس ويكفيه فخراً ما قام به عند بدء انتفاضة الأقصى المباركة من ترتيب لخلايا القسام والتواصل فيما بين هذه الخلايا من خلال نقاط موثوقة وسرية تامة وفق ما وجهت له من لوائح اتهام حتى أنهم يظنون بأنهم عندما اعتقلوا حسام قد اعتقلوا" راشد " كلمة السر الذي يدور حولها مسؤولية القسام وفق ما تجمّع لدى الأجهزة الأمنية من بيانات واعترافات .

 

أبو عماد الذي عبر عن موقفه في كتاب كتيبة الشمال عن الجهاد والمقاومة وسيرى النور قريباً اقتبس منه " إن الجهاد لا يعادله شيء ، ولن يعرف قيمته إلاّ من جرب ولن يستشعر بركته إلا من قاتل فتدرب ودرب ، وكان الانتماء لحماس خير كله ، ولكل عامل فيها فصل ، ولكل فرع فيها من الخير نصيب ، وإن الله أكرمني فشاركت في لجان حماس كلها وعلى مستويات مختلفة من العمل التربوي والثقافي إلى التنظيمي والإداري ، وفي قطاع الطلاب والجامعات والميدان الإعلامي ، ونشاط المؤسسات والجمعيات ثم التحرك الجماهيري العلني ، والإطار السري الداخلي ، وفي مجال السياسة ، وفي الآليات الشعبية لمقارعة الاحتلال ثم العمل الاجتماعي والخيري والإغاثي واستمر ذلك كله سنوات طويلة .

 

غير أن المشاركة في العمل الجهادي المباشر له مذاق خاص وطعم مميز تحس بالبركة من حولك وتزيد من إيمانك وتفتح أمامك أبواب الفهم والوعي وتهذب خلقك وتقربك من ربك .

 

فالجهاد خير كله ، رغم ما يصيبك من تلف وضرر ، ومن ذاق عرف "

 

لله درك يا أبا عماد ما أورعك وما أجملك بهذا الانتماء الأصيل وبهذا الحب للحماس وبهذا التفاني من أجل أبناء شعبك ووطنك والأقصى ، لله درك وأنت تجيد وتبدع بالعمل في كل المواقع والمجالات .. لله درك وأنت تراغم أعداء الله .. ولله درك من قسامي وفارس حاد وجاد قدم العطاءات والتضحيات ، وهنيئاً لكِ يا أم عماد بهذا الرجل ونعم الرجل ، رجل المهمات الصعبة ، زوج وشريك حياة أفنى زهرة شبابه من أجل الأقصى وها هو اليوم أسير مع ثلة الأسرى من أجل المسرى ، وهنيئاً لك أبا عماد الزوجة الصالحة نعمة التي تحفظك في غيبتك وحقاً أن أبا عماد القسامي والفارس الأصيل حسام بدران غيث أينما وقع نفع .

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026