من وحي تجربتي الاعتقالية نائب مع وقف التنفيذ

أ. محمود مصلح
2010-04-20

إن ما سنصل إليه لو فزنا في الانتخابات أو لم نفز لن يتعدى أمرا من أمرين الاعتقال أو الاغتيال هذا ما كنا ننبه إليه أذهان الجماهير أثناء اشتغالنا في الحملة الانتخابية ومع ذلك كنا نحثهم…

"إنّ ما سنصل إليه لو فزنا في الانتخابات أو لم نفز لن يتعدى أمراً من أمرين: الاعتقال أو الاغتيال ". هذا ما كنا ننبه إليه أذهان الجماهير أثناء اشتغالنا في الحملة الانتخابية. 

ومع ذلك كنا نحثهم على الاقتراع لصالحنا باعتبار الفوز يمهّد لمرحلة من مراحل المواجهة الحتمية مع اللاهثين وراء سراب عملية التسوية، متهالكين على بقاء سلطة الحكم بأيديهم، الحالمين بالاستيلاء على المال والثروة، الواثقين من قدرتهم على مواصلة سياسة الهيمنة والاستبداد، المراهنين على قوة عسكرهم كضمانة لكل أوهامهم وأحلامهم المريضة بالحفاظ على ما كانوا وما زالوا يعتبرونه أهم إنجازاتهم ومكتسباتهم.

وقد كان الجمهور يستغرب منا هذا اللون من الدعاية، ومع ذلك كانوا يهتفون ويصفقون عندما كنا نختم تلك الدعاية بقولنا : "نحن مقبلون على معركة شرسة، فهل أنتم معنا ؟! وإن كنتم كذلك فإيّاكم والنزول عن الجبل "!!

لقد كنا على ثقة مما ستؤول إليه العملية الانتخابية. ولم نكن نمنّي جمهورنا أبداً بما سنحققه لهم من بعض ما يأملون به ويحلمون بإنجازه ويتوقعون حصوله.

ولم يكن ذلك منا تشاؤماً أو شكلاً من أشكال اليأس والقنوط، وإنما كان إحساساً كإحساس المحارب بمتطلبات معركة بدأ استعداده لخوض غمارها دفاعاً عن خياراته في مقاومة المحتلين الغاصبين من ناحية، وانتزاع حقوق الجماهير من براثن الفاسدين من ناحية ثانية، إضافة إلى كشف اللثام عن زيف إدعاءات رسل الديمقراطية الذين يمنّون الناس بالحرية والأمن والرّخاء في ظل أجواء ديمقراطيتهم التي لا يتورعون عن ذبحها من الوريد إلى الوريد عندما تسفر عن نتائج لا يرغبون بحصولها.

إنه إحساس المحارب الذي لا يقبل الهزيمة سواء أَقُتِلَ أم أُسِرَ أم تمكن من خصمه وأخضعه للقبول بمنهجه وخياراته. وهو تعبير المحارب عن إقدامه ومواصلته معركته حتى وإن قتل أو وقع في الأسر.

وهو قدر المحارب أن يسلم الراية لمن يتأسّى به ويترسم خطاه مستيقناً بالظّفر طال الزمان أم قصر وسواءً أعشنا لنرى النصر بأعيننا أم نلنا الشهادة فنراه بأعين الأبناء والأحفاد. لقد كانت هذه هي أحاسيسنا ومشاعرنا ونحن نخوض حملة الدعاية الانتخابية نحو الفوز، وهي نفسها أحاسيسنا ومشاعرنا عند انتقالنا إلى مقاعدنا تحت قبة مجلسنا التشريعي بعد الفوز، كما أنها نفس المشاعر والأحاسيس يوم كبلت أيدينا وأرجلنا بالأغلال يوم الاعتقال والوقوع في الأسر، وهي نفسها مشاعرنا وأحاسيسنا اليوم بعد التحرر من القيد والانعتاق من الأسر ولسان حالنا ينطق بما نطق به العزيز المتعال : " وإن عدتم عدنا ".

 كان بعضنا أثناء الأسر يتوهم أن الحبس لن يطول، وكانوا كثيراً من تنتابهم الهواجس أن صفقة تبادل الأسرى ستبرم بين عشية وضحاها، وكنت أداعبهم فأقول: "إن الصفقة لن تتم لأنّ (شاليط) أشهر إسلامه "، فيردون مداعبين : "لا قدّر الله " !! وعندما كنا نتحاور في المسألة كنت أؤكد أن (شاليط) ليس هو السبب في احتجاز عدونا لنا، وإنما سبب ذلك هو ما أسفرت عنه نتائج تجربتنا الديمقراطية باعتباره وسيلتهم لإجهاض التجربة وشل عمل المؤسسة التشريعية، ولذلك فإن مدة الاحتجاز ستطول لتشمل كامل مدة ولاية المجلس. وكنت أثناء ذلك كله مستيقناً من أن هواجس الفكاك من القيد والتحرر من الأسر أشد إيلاماً على نفس الأسير من الأسر نفسه. ولذلك أمضيت فترة أسري وحتى لحظة الفكاك والانعتاق في محاربة تلك الأوهام وتلك الهواجس، مذكراً بأن آلامنا وأوجاعنا في الأسر لن تزول بعده وأن الأسير لن يشعر بالحرية إذا أخلي سبيله بل عندما يطهر وطنه من رجس الاحتلال ويعود المشرد إلى بيته وينجز الله للمحارب وللشهيد وعده.

لقد كنت قبل الأسر وأثناءه وبعده أديم التساؤل:

ألا يسبب تهويد الأرض وتشريد الأهل وقتل الأطفال والنساء وهدم المنازل وقلع الأشجار آلاماً أشد من ألم الأسر؟!

أوليس نير الاحتلال قيد ؟!

وهل وقوف بعضهم حائلاً بينك وبين محاربة عدوك خدمةً لهذا العدو إلاّ مصيبة دونها كل المصائب والكوارث ؟!

وهل قدرك أينما كنت في سجن صغير أم سجن كبير إلاّ أن تحارب ليس حتى آخر نفسٍ من أنفاسك، بل حتى آخر نفسٍ للأجيال من بعدك ؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026