معركة

معركة "الأمعاء الخاوية".. مطالب آنية وأبعاد إستراتيجية

محمد حسين
2010-04-17

لم يطفئ نائل البرغوثي شمعته الثانية والثلاثين في بطن بئر السبع بل أشعل شمعة الأمل الثالثة والثلاثين مدشنا بها عامه الجديد في الأسر ومتلقيا هدية تتويجه عميدا للأسرى كأقدم أسير…

لم يطفئ نائل البرغوثي شمعته الثانية والثلاثين في بطن "بئر السبع"، بل أشعل شمعة الأمل الثالثة والثلاثين، مدشّناً بها عامه الجديد في الأسر، ومتلقّياً هديّة تتويجه عميداً للأسرى، كأقدم أسير سياسي في العالم، اعتُقل شابّاً في 4\4\1978م، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وخلف القضبان تجرع حسرة وفاة والديه، فلم يرخِ رأسه على كتف أمّه الحنون، بل أسنده على سفح باب السجن الغليظ، الذي بدّلته إدارة السجن ثلاث مرّات على مرأى الأسير البرغوثي، بسبب الرطوبة التي نهشت حديد الباب، وظلّت عاجزة أمام إرادة السجين الذي دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية!.

 

العميد نائل البرغوثي "أبو النور"، بدأ مع أكثر من ثمانية آلاف أسير فلسطيني إضراباً عن الطعام، في خطوة تصعيدية تأتي في إطار احتجاجٍ عالي المستوى على ظروف الاعتقال والممارسات الصهيونية بحقّ المعتقلين الفلسطينيين، دون أن تنفصلَ عن السياق العام لدور الحركة الأسيرة في مقاومة المحتل.

 

هذه الخطوة ليست بدعاً في عرف مقاومة الأسرى؛ فقد سبقها أكثر من 16 إضراباً، لم يكن أولها إضراب سجن الرملة عام 1969م والذي استمر 11 يوماً، مروراً بإضراب 1976م الذي استمر 45 يوماً، ولن يكون آخرها إضراب 2010م، لأن الساديّة الصهيونية لن تؤمنَ بالحق الفلسطيني، ولأن حاملي الحق الفلسطيني – والأسرى جزء أساس منهم – لن يكفّوا عن المطالبة بحقّهم في دحر الاحتلال.

 

خاب ظنّ سلطات الاحتلال عندما اعتقدت أن الزج بأكثر من 11 ألف أسير فلسطيني سيخلّصها من صوتهم إلى الأبد، وخاب ظنّها ثانيةً عندما اعتقدت أنّ صوتهم سيبقى في إطار الصراخ المخنوق وأنّه لن يترجم غضباً يدخل دائرة الفعل، وأنّ "مصلحة السجون" الصهيونية تستطيع "تدجين" الأسرى وتطويع إرادتهم بأساليب قمعية مزّقت كل عرف إنساني فضلاً عن مواثيق حقوق الإنسان الدولية.

 

ففي قانون سجون دولة "إسرائيل" فقط؛ يعتمد التعذيب بأبشع أساليبه كسياسة مصادقٍ عليها من أعلى مستويات الدولة السياسية والأمنية، وفيه فقط يحرم الأسير من النوم أياماً، ويحبس في غرفة ضيقة جدّاً لا يستطيع الجلوس على أرضها أياماً، ويتعرّض للسحل والصعق والخنق والشبح أياماً، وفيه فقط يكون الأسير الفلسطيني حقل تجارب للمستحضرات الطبية!!.

 

في قانون سجون دولة "إسرائيل" فقط؛ يكون إفطار الأسير الفلسطيني 4 حبّات زيتون، وملعقة من المربّى، في حين "يكرمونه" في وجبة الغداء بـ 4 ملاعق أرز معها نصف كوب من "الشوربة".

 

في قانون سجون دولة "إسرائيل" فقط؛ يحرم ذوو الأسرى من زيارة أبنائهم المعتقلين كإجراء عقابي تتخذّه مصلحة السجون بين الحين والآخر، بينما يحرم ذوو الأسرى الغزّيين من الزيارة بالمطلق، وفيه يعتقل الرجل وزوجه حامل، تضع مولودها الذي لم يقل مرة في حياته كلمة "بابا" إلا عندما يسأل أمّه عن معناها، وبعد سنين تسمح سلطات السجون بزيارة الأم وطفلها للأب المعتقل، يدخلون البهو، قلب الأسير يحترق شوقاً ليرى ابنه وزوجه، وخطوات الأم تتبعثر في أقبية السجن هارعةً لإتمام أوراق الزيارة، وعندما نودي على اسمها مع ابنها، التصق الطفل بحائط السجن يبكي، ورفض الدخول خوفاً من مجهولٍ لم يحتمل عقله الصغير وجودَه.

 

في قانون سجون دولة "إسرائيل" فقط؛ يبلغ عدد الأطفال المعتقلين 350 طفلاً، و 150 مصاباً بمرض عضالٍ مزمن، و35 أسيراً في العزل الانفرادي، منهم - كالأسير حسن سلامة - من أمضى سبع سنوات في المنفردة، أمّا عدد الشهداء الأسرى فوصل إلى 198 شهيداً.

 

في قانون سجون دولة "إسرائيل" فقط؛ عدد النساء المعتقلات بلغ 35 أسيرةً فلسطينية، مرّت على عميدتهنّ "آمنة منى" تسعة أعوام، والقيود لا زالت تأكل معصمها، فيما ذاقت أكثر من عشرة آلاف سيّدة فلسطينية تجربة الاعتقال منذ عام 1967م، لم تتورّع سلطات الاحتلال من ممارسة أبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي بحقّهن، فضلاً عن محاولات الإذلال وتدمير الحالة النفسية للأسيرات بأساليب لم تبدأ بالإهمال الطبي المتعمّد، ولن تنتهي عند سياسة التفتيش العاري، واقتحام "الجنود" الصهاينة لمهاجع المعتقلات دون أدنى مراعاة لحرمتهنّ.

 

أمام هذا الصلف الصهيوني بحق الأسرى والذي لم يتّسع المقام إلا لعرض أمثلةٍ بسيطة وقليلة منه، اتّخذ الأسرى الفلسطينيون قرار التصعيد في وجه السجّان الذي تجاوزت انتهاكاته كل الخطوط الحمراء، وأعلنوا بدء معركة الأمعاء الخاوية، مستعدين في سبيل تحصيل حقوقهم للجوع والإعياء والمرض والاستشهاد، وأبلغوا إدارات السجون أنّهم سيُرجعون كل وجبات الطعام التي يقدّمها السجن، ما لم تتحقق مطالبهم التي تتمثل عناوينها الرئيسة بالرفض القاطع لسياسة المنع الأمني الذي يحرم أهل الأسير من زيارة ابنهم، والمطالبة بإنهاء سياسة العزل الانفرادي لكثير من الأسرى الذين تجاوز بعضهم السبعة أعوام، إضافةً إلى السماح بالدراسة وتقديم الامتحانات وإدخال الكتب والصحف وإعادة بث قنوات الأخبار الفضائية، والتشديد على ضرورة العلاج الطبي وإجراء العمليات الجراحية في حينها دون تأخير.

 

ولعلّ الأبعاد التي تحملها "ثورة الأسرى الجياع" تتجاوز أضلاع الصورة المعلنة المحدّدة بالأهداف المذكورة آنفاً، وتنتقل من المطالب المرحلية إلى إستراتيجية متجدّدة تقوم على ترسيخ الصورة الذهنية لمقاومة الحركة الأسيرة في وعي الأجيال القادمة.

 

فإضراب الأسرى عن الطعام تأكيد جديد على حضورهم الأساسي في مجمل المشهد الوطني الفلسطيني، وأن القضبان والسجون الممتدة أمتاراً تحت الأرض إن استطاعت تغييب أجسادهم فإنها ستظلّ عاجزة عن تغييب دورهم النضالي؛ وأنّهم جزء لا يتجزّأ من المقاومة الوطنية الفلسطينية، فهم الذين وضعوا وثيقة الوفاق الوطني برؤيتها الأولى، ليتم تعديلها وتصبح مرجعية أنهت الانقسام الفلسطيني عام 2006، كما رفعوا صوتهم إبان الحرب الصهيونية البربرية على قطاع غزة، وكرّسوا حضورهم الفاعل وما زالوا تجاه الاعتداءات الصهيونية على القدس والمسجد الأقصى وضمّ المقدسات الدينية الإسلامية إلى ما يسمّى "قائمة الآثار الصهيونية".

 

كما وجّه الإضراب رسالة إلى دولة الاحتلال الصهيوني مفادها أنّ الأسير الفلسطيني يملك زمام المبادرة، وأن التضييق الممارس عليه يدفعه إلى اتخاذ قرار التصعيد في الوقت والشكل الذي يحدّده الأسير نفسه، وأن أساليب التعذيب والإذلال التي يستخدمها السجّانون والمحققون لدفع الأسير إلى التنازل لم تكن نتيجتها مزيداً من الصبر فحسب بل رفعاً للسقف السابق، وتكريساً لمعادلات جديدة يكون فيها الأسير الفلسطيني حرّاً بقراره السياسي وخطواته النضالية.

 

الصبر والصمود وامتلاك الأسرى أوراق قوة كالإضراب؛ أكّدت أنّ كل المحاولات الصهيونية الهادفة لتثبيط معنوياتهم وقتل آمالهم بالإفراج باءت بالفشل الذريع؛ فقرار الأسرى خوض معركة الأمعاء الخاوية أعطى تسليماً ممهوراً بالجوع للمطالب التي تريدها المقاومة الفلسطينية الآسرة للجندي الصهيوني جلعاد شاليط لإتمام صفقة التبادل، وشدّد على ضرورة التمسّك بهذه المطالب وعدم التنازل عنها تحت أي ضغط.

 

وعلى الصعيد الإستراتيجي المترع إنسانيةً، أثبت الإضراب أنّ التعايش مع المحتلّ السجان غير وارد مهما طال الزمن، وفي الوقت ذاته أثبت أنّ التعايش مع السجن وقضبانه وقيوده وظلامه بالصبر والاحتساب والصمود والثبات والتحدّي هو واجب وطني، لأن الأسر محطّة في درب التحرير، وحريّة الأسير الفلسطيني بعضٌ من حرية الوطن التي لا تتجزّأ.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026