لا تستعجلوا.. فالظلم إلى زوال

لا تستعجلوا.. فالظلم إلى زوال

النائب عبد الرحمن زيدان
2010-04-05

جدول عادي ليست هذه مقالة سياسية ولا موعظة دينية ولست من فرسان أي منهما ولكنها نبضات قلب محزون ودمعة تترقرق أسى على معاناة شباب كالورود اخلصوا لله جهادهم وثبتوا على الحق أمام بطش…

ليست هذه مقالة سياسية ولا موعظة دينية, ولست من فرسان أي منهما, ولكنها نبضات قلب محزون ودمعة تترقرق أسى على معاناة شباب كالورود, اخلصوا لله جهادهم, وثبتوا على الحق أمام بطش عدوهم, قضوا ردحا من أعمارهم في سجون الاحتلال ما زادهم إلا عزما ومضاء, ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام حالة تجعل الحليم حيران, يسجنهم ويعذبهم رفاق الأمس دون ذنب اقترفوه أو جرم ارتكبوه, فقدوا الدليل حيث قادتهم ومرشدوهم مغيبون في السجون بأنواعها, والأحداث تمر من حولهم تفتت قلوبهم لأنهم لا يملكون أن يؤثروا فيها, يقتلهم الشعور بالعجز, والأخطر من ذلك بذور شك وبوادر ضعف ثقة بقيادتهم بدأت تتسلل إلى نفوس البعض منهم بفعل فاعل أو بسبب الانقطاع عن إخوانهم خوفا من العيون الراصدة... لهؤلاء اخط كلمات خرجت من أعماق قلبي, وكتبت بالدم والعرق, لعلها تلامس قلوب إخواني وأبنائي وتحيي الأمل في نفوسهم الصافية.

 

 ينتقل بنا المشهد إلى ما قبل 1440 عاما ..... النبي صلى الله عليه وسلم متوسد بردته في ظل الكعبة, وأصحابه يمتحنون في دينهم على رمال مكة الملتهبة, توضع على صدورهم الصخور ويجلدون بالسياط, يُحبسون دون ماء أو غذاء ويُقتلون غيظا تحت التعذيب, يهاجر بعضهم سرا ويحاصَرُ آخرون حتى لا يبيعهم أو يشتري منهم أو يزوجهم أحد, حتى بلغ بهم الجهد مبلغا....

 

يأتيه خباب بن الأرت, ... أتذكرون من هو خباب؟ أتذكرون ذلك الصحابي الذي اختبأ عندما سمع طرقات عمر العنيفة على الباب وهو يعلِّم فاطمة بنت الخطاب وزوجها آيات من القرآن الكريم, لقد انخلع قلبه من الخوف ولكنها لحظات مزلزلة انفرجت عن إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يديه.

 

نعود إلى ظل الكعبة وخباب يشكو إلى نبيه: "يا رسول الله ألا تستنصر لنا, ألا تدعو لنا؟" ....فيجلس النبي صلى الله عليه وسلم مُغضَباً .....

 

طلب بسيط من خباب ... لم يطلب معجزة ... والله قادر على أن يجري على يدي نبيه ما يدمر به قريشا ... ألا تذكرون العودة من الطائف وجبريل عليه السلام يقول للنبي صلى الله عليه وسلم "هذا ملك الجبال, مُره فليطبق عليهم الأخشبين (وهما جبلان).

 

لم يطالب نبيه بإعلان ثورة مسلحة, لم يتذمر حتى... أو يتهم نبيه بالعجز أو التقصير أو خذلان أصحابه المعذَبين (وحاشا له ذلك)....

 

لكن حتى هذا الطلب البسيط كان كافيا لإغضاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي اعتدل ليعطي خبابا وأحفاد خباب ... يعطينا جميعا دروسا في الصبر والثبات والثقة بالله وسننه في الدعوات الربانية..."قد كان ِمنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين, ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه! "

 

الهي ما أبشع الظلم والجبروت والغطرسة والحقد على دعاة دين الله, وما أروع من خالط الإيمان قلوبهم وسمت به نفوسهم فوق آلام الجسد ونوازع النفس وروابط المصالح المادية ... لا يصده عن دينه الخوف على الراتب أو الزوجة أو الأولاد أو التجارة, ولا العذاب أو الأذى والشبح والضرب والعزل والزنازين الباردة دون فراش أو غطاء, ولا قسوة السجان وغلظته, ولا تنكر الأرض له وتضييق الحصار عليه في رزقه ولا فصله من وظيفته ... صبر وثبات وثقة ... ثقة بوعد الله أن العاقبة للمتقين, ولكنها لحظات ... وإن طالت... بعدها ينبثق الأمل ويتحقق الفرج ...

 

من أين؟ وكيف؟ ... لا ندري, حتى النبي الموحى إليه لم يكن يعلم حينها بأنه سيلاقي أهل يثرب ... وأنهم سيبايعونه ... وأنهم سيعودون في العام القادم يجددون ويوسعون البيعة لتشمل من الأوس والخزرج ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتان ...وأنهم سيحفظون عهدهم وميثاقهم ...

 

وأنه سيهاجر إليهم ويقيم دولة الإسلام ويفتح الفتوح ... لم يكن يعلم ذلك عندما قال لخباب بكل ثقة " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه"

 

لم يكن يعلم كيف سيتم ذلك, ولكنه كان واثقا موقنا بوعد الله ثقة لا يخالجها شك ولا تردد ولا ضعف ولا خور ولا تخاذل,

 

أين العلة يا رسول الله؟ ماذا حل بنا؟ ما الذي يضعف ثقتنا بالله؟ "ولكنكم تستعجلون"

 

رغم الأذى الذي يهون أمامه القتل ... إلا أن الله هو المقدر وهو العلام الخبير ... يعلم وحده أين الخير ومتى يكون الفرج,

 

ويعلم صدق النفوس وثباتها وصبرها, ويبتلي كلا على قدر إيمانه, وقد يستعجل البعض فيضعف أو يسقط... قد يتأفف ويجزع ويصيبه اليأس وينزوي ... وقد ينقلب, ويا للعجب, ناقدا ناقما ليبرر ضعفه ... فيسقط وحده! ولكن لا يعلم متى تستحق الأمة الفرج إلا الله

 

ألم نقرأ " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ..." يوسف 110

 

استيأسوا بعد أن بذلوا غاية جهدهم, وصبروا على الشدائد, وانقطعت بهم السبل رغم مثابرتهم, وعجزوا عن الفعل, ولم يدخروا حيلة فأعذروا إلى الله,

 

ذلك حين يستشري الظلم وتكون له سطوة , ويظن الظالمون أنهم يستندون إلى قوة لا تغلب, وإنهم اقتربوا من القضاء على المؤمنين واقتلاعهم من جذورهم, حين يظن الظالمون أن الله عاجز عن الانتصار لعباده المؤمنين (حاشا لله القدير) حين يتبجح أغبياؤهم أنهم قد وضعوا المنتقم الجبار في الجارور (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا) حينها نستبشر بقرب الفرج "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"

 

  "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم" الروم 5

 

"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" الشعراء 227

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026