إلى اللقاء يا شيخ صالح العاروري

إلى اللقاء يا شيخ صالح العاروري

فؤاد الخفش
2010-03-30

لم يستطع الشيخ صالح العاروري وهو يغادر أرض الوطن أن ينظر إلى الوراء ومضى وفي عينيه ألف دمعة ودمعة ومر شريط الذكريات أمام ناظريه بما فيه من ذكريات وآهات وآلام وسجون ومعتقلات تذكر…

لم يستطع الشيخ صالح العاروري وهو يغادر أرض الوطن أن ينظر إلى الوراء ، ومضى وفي عينيه ألف دمعة ودمعة ، ومرّ شريط الذكريات أمام ناظريه بما فيه من ذكريات وآهات وآلام وسجون ومعتقلات تذكر وهو الوفيّ رفاقَ دربه من الشهداء عماد وعادل عوض الله ومحيي وجمال منصور وأبو النور دروزة وصلاح شحادة وأصابت صدره غصة وانقبض قلبه لمن أحبهم القلب لذكرى الدهر ولمن اختارهم الله شهداء.

 

عيونه التي اغرورقت بالدموع وهو يغادر أرض الوطن فضحت أمرَه وأظهرت مدى حب وعشق هذا الرجل الذي أمضى أكثر من نصف عمره في السجون لم يستطع أن يحبسهما وكان لسان حالمهما يقول لمن يقود الحافلة: الهوينى يا أخي ، دعني أمتع ناظري بربيع فلسطين وأتودع من هذه السهول والهضاب.

 

مضت قافلة القائد والرمز والشيخ صالح العاروري بجسده وبقي قلبه معلقاً بهوى وتراب فلسطين يتعدى نقاط التفتيش النقطة تلو النقطة ينظرون له يتفحصونه يتفقدون جسده بعيونهم وهو ينظرهم بذات النظرات ويتذكر كيف أن أصحاب هذه العيون سامته بيوم من الأيام ألوان وصنوف العذاب،  كيف كان يضرب وكيف كان يشبح وكيف حرم من النوم وكيف خاض الإضرابات عن الطعام وكيف تحدى الجلاد ، وماذا قال في المحاكم الإسرائيلية وكيف لقّن القاضي درساً في الديمقراطية.

 

الشيخ صالح العاروري مدرسة في الفداء والتضحية وحب الوطن أمضى ثمانية عشر عاماً متواصلة في السجون الإسرائيلية قاد خلالها الحركة الأسيرة الفلسطينية بعد أن وجهت له تهمة المشاركة بتأسيس الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس ـ خرج بعد ذلك لمدة 100 يوم بالتمام والكمال تزوج خلالها بمن انتظرته أكثر من عشرة أعوام فما أقر لها المحتل بالاً ولا جعلها تفرح بمن انتظرته كل هذه السنين فأعاد اعتقاله وحوله للاعتقال الإداري .

 

وبعد ثلاثة أعوام كان القرار إما الإبعاد لفترة محدودة وإما البقاء داخل الأسوار فقرر البقاء ورفض الإبعاد.. وأمام إصرار وإلحاح إخوانه ومحبيه ورفاقه قبل الرجل بالعرض ولكن بشروطه هو أن يكون الخروج لإكمال الدراسة ولمدة ثلاث سنوات فقط .

 

عشرة أيام تلك التي أمضاها الشيخ صالح العاروري خارج السجن وقبل سفره استقبل خلالها محبيه ومريديه من جميع الفصائل وكان بيته على الدوام مليئاً بالزوار والمهنئين ، وكان يزرع في نفوسهم الأمل ويبشرهم بالنصر القادم وبأن ساعات الظلمة إلى زوال ، التقى كل أطياف الشعب الفلسطيني واجتمع بالقادة من حركة فتح وحثّهم على الوحدة ورصّ الصف وتناقش معهم في سبل الخروج من هذه الأزمة ، ليس هذا فحسب بل إنه تم استدعاؤه من قبل إسرائيل وجلس معه ضباط برتب عسكرية عالية وطلبوا منه أن يساهم في حل مشكلة شاليط فقال لهم أعدكم بالمساعدة ولكن بعد أن ترضخوا وتنهوا مشكلة ثمانية آلاف أسير.

 

إنه العاروري أبو محمد المعروف بالشيخ صالح صاحب الشخصية القوية والرجل الذي يحسب له الجميع ألف حساب تُسمّيه إسرائيل " زعيم حماس القوي " شخصية لها حضور ومكان في قلوب كل من عرفه

 

وقفت يوم أمس لكي أودعه فعانقته وأسدلت رأسي على كتفه وشددت على يديه لعلّي أستلهم من صبره صبراً ومن عزيمته عزيمة ومن مضائه مضاءً فقابل عناقي بعناق وشدّ على يدي وأغمضت عيني ومضيت وقلت له لن أقول لك وداعاً ولكني سأقول إلى اللقاء وسكتُّ برهة وأكملت في قرارة نفسي إن لم يكن فوق الثرى فبجنة رب السماء.

 

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026