هل سيستمر الحرم الإبراهيمي في الصمود؟

هل سيستمر الحرم الإبراهيمي في الصمود؟

النائب:د.حاتم قفيشة
2010-03-16

تصدر الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل هذه الأيام كافة الدوائر السياسية والمنية والدينية والتراثية والشعبية وذلك بعد القرار المشؤوم للحكومة الإسرائيلية والقاضي بضم الحرم…

تصدر الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل هذه الأيام كافة الدوائر السياسية والمنية والدينية والتراثية والشعبية وذلك بعد القرار المشؤوم للحكومة الإسرائيلية والقاضي بضم الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل لقائمة التراث اليهودي بالإضافة لبعض المقدسات الإسلامية في بيت لحم والقدس وأكثر من 150 موقع آخر مرشحة لضمها للتراث اليهودي.

 

وان يصدر هذا القرار من رئيس حكومة الاحتلال وبإجماع الحكومة الإسرائيلية فلذلك مدلولات سياسية إستراتيجية يجب التوقف عندها وتسليط الضوء عليها خاصة وأنها تتزامن مع الذكرى ال 16 لمجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف في الخامس عشر من رمضان 1414هـ الخامس والعشرين من شباط عام 1994م.

 

ويقف في مقدمة هذه المدلولات والتي تتعلق بالسياسة الإسرائيلية المتبعة ضد الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة المحيطة به,وان جميع الأعمال التي يقوم بها المستوطنون والجنود في المنطقة تأتي ضمن خطة منهجية طويلة الأمد تحمل في طياتها مضامين واضحة تهدف إلى صبغ المنطقة بالطابع اليهودي الذي يخضع إلى هرطقات وخزعبلات حاخامات متطرفين تلقى الدعم والتأييد من الحكومات التي تدعي العلمانية والليبرالية ليصبح المشهد تكاملي في الإجراءات الميدانية,فغلاة المستوطنين هم من يبدأ بالفعل الميداني والذي سرعان ما يتم استنكاره إسرائيليا لامتصاص أي ردة فعل فلسطينية, لكن بعد ذلك وبالشكل الرسمي يجرى تبني تلك الأفعال من خلال الإجراءات على الأرض وتوفير الحماية الكاملة لها بالإضافة لدعمها بقرارات رسمية ومن أعلى دائرة صناعة القرار ومن الحكومة الإسرائيلية والكنيست أيضا.

 

وإذا عدنا للوراء قليلا نرى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة شجبت وأدانت العمل الإجرامي الذي ارتكبه السفاح "الطبيب" اليهودي والجندي في الجيش باروخ غولدشتاين والذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي قبل 16 عام وقتل 29 مسلما أثناء تأدية صلاة الفجر في الخامس عشر من رمضان 1994م لكن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية على الأرض تختلف كليا عن تلك المعلنة والمنددة للمجزرة فهي قامت على الفور بإغلاق الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل واتخذت إجراءات للتضييق على السكان للوصول إلى تفريغ البلدة القديمة وإبعاد أهالي الخليل عن الحرم الإبراهيمي الذي خضع بدوره لقرار ما يسمى بلجنة "شمغار" التي تم تشكيلها للتحقيق في المجزرة والتي كانت قراراتها الظالمة تتمحور حول إيجاد حق دائم لليهود في الصلاة في الحرم الإبراهيمي بحجة توفير الأجواء الكفيلة بعدم تكرار المجزرة , وتم بالفعل تقسيم الحرم الإبراهيمي إلى كنيس لليهود على الساحة الكبرى وحصر الصلاة للمسلمين في مساحة لا تتسع لأكثر من 450 مصلٍ من المسلمين في مكان يتسع لأكثر من سبعة آلاف مصلي!؟

 

ولم تتوقف الإجراءات الصهيونية ضد الحرم من انتهاكات للمكان المقدس وإقامة طقوس واحتفالات تخلو من الأدب والحياء إضافة لإدخال الكلاب واحتفالات الإعراس الماجنة وشرب الخمور في داخل الحرم,ولا استطيع أن اعدد تلك الانتهاكات لقدسية هذا المكان الذي يرقد فيه أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام إضافة لنبي الله اسحق ويعقوب وزوجاتهم ومقام لنبي الله يوسف عليهم جميعا الصلاة والسلام.

 

ليصل الجميع إلى ذروة هذه الإجراءات وليتم وضع النقاط على الحروف من أن تلك السياسة كانت مبرمجة وممنهجة وتهدف للوصول إلى غايتهم وهي تهويد الحرم الإبراهيمي ومنع المسلمين من الصلاة فيه ضاربين  بعرض الحائط القوانين الدولية والتي تلزم دولة الاحتلال بحرية العبادة والوصول إليها إضافة لتنكرها للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني الذي بان ضعفه وانكشفت عورته خاصة باتفاقية الهليل عام 1997م وفي ظل حكومة نتنياهو الأولى ليفتضح أمر المفاوض الفلسطيني الذي أعطى السيادة الأمنية لليهود على الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة والمنطقة الجنوبية من مدينة الخليل.

 

وحتى أن الدول التي تدعي رعايتها للمفاوضات لم تعمل شيء من اجل لجم الاحتلال وثنيه عن اتخاذ مثل تلك القرارات الخطيرة فهو يكتفي بالطلب من الضحية بعدم الانجرار خلف "استفزازات" الحكومة الإسرائيلية وكأن مثل هذه المواقف الهزيلة يستمد منها الاحتلال مؤشرات تجعله يواصل من غطرسته وعجرفته وغروره.

 

ففي ظل هذا الواقع الأليم والمرير,فهل يستطيع الحرم الإبراهيمي ومآذنه وأروقته وساحاته من الصمود ,أم انه سينهار ويستسلم كما جرى له في العام 491 للهجرة 1089للميلاد وذلك أثناء الهجمات الصليبية عندما تعرضت الخليل لمذبحة كبرى ذهب ضحيتها عدة آلاف من أبناء المدينة ويقوم الغزاة الصليبيين بتحويل الحرم الإبراهيمي إلى "كاتدرائيه"لصلاة المسيحيين وأطلقوا عليها"كاتدرائية سانت أبراهام"واستمر ذلك لمدة 90 عام,حتى قيض الله البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي على رأس جيش من الفاتحين المسلمين الذين حرروا البلاد والعباد وأعادوا المقدسات كرامتها في العام 588 للهجرة 1187 للميلاد وفي ذلك العام احضر القائد صلاح الدين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف"منبر صلاح الدين" ليعود المسجد إلى كنف الإسلام بعد أن علق جرس الكنيسة على مآذنه ما يقارب من قرن كامل,وليبقى هذا المنبر والذي يعتبر غاية في الجمال والفن الإسلامي والتحفة الفنية النادرة شاهدا على عزة الإسلام وتحرير المسلمين لهذه الأرض من الغاصبين المحتلين فهل يعيد التاريخ نفسه.أم يأخذ الحرم الإبراهيمي الشريف عبرة من احتلال الصليبيين ويرفض الاستسلام ويبقى صامدا في وجه المجازر والمؤتمرات.

 

نسال الله ان يحمي هذه المقدسات وان يقيض لها من يحررها من أيدي الغاصبين المحتلين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026