السياسة فن التمسك بالثوابت وليست فن التراجع

السياسة فن التمسك بالثوابت وليست فن التراجع

د. عبد العزيز الرنتيسي
2003-03-17

السياسة فن التمسك بالثوابت وليست فن التراجع د عبد العزيز الرنتيسي لقد أصبحت عملية الإخراج الإعلامي للتراجعات السياسية تأخذ شكلا نمطيا ثابتا يبدأ دائما بعرض أمريكي يتمثل في ورقة…

السياسة فن التمسك بالثوابت وليست فن التراجع

د. عبد العزيز الرنتيسي

لقد أصبحت عملية الإخراج الإعلامي للتراجعات السياسية تأخذ شكلا نمطيا ثابتا، يبدأ دائما بعرض أمريكي يتمثل في ورقة أو خطة أو خريطة، تحمل في طياتها مطالبة الجانب الفلسطيني بتخفيض سقف التطلعات السياسية، فيأتي الرد الفلسطيني على شكل القبول المشروط الذين يعني الموافقة، بينما يأتي الرد الصهيوني على شكل قبول مع تعديلات كبيرة تعني الرفض، فتأخذ عوامل التعرية الصهيونية في نحت الخطة لتصبح شيئا آخر يتطلب تخفيضا جديدا للسقف الفلسطيني، فيتعزز الجانب الفلسطيني في البداية لكن سرعان ما يعلن عن الموافقة بدون شروط، ليبدأ التشدد الصهيوني من جديد، وهكذا يتم خفض السقف السياسي مرة تلو الأخرى، وما هي إلا أسابيع حتى يصبح ما تعتبره فصائل المعارضة كارثة سياسية مطلبا فلسطينيا وطنيا !!!.

واليوم يبشرنا بوش بالفتح المبين المسمى "خريطة الطريق"، ومن الغريب بمكان أنه يضع شروطا لقيامه بتنفيذها كتعيين رئيس وزراء فلسطيني يتمتع بصلاحيات فعلية، وكأن خريطة الطريق أصبحت غاية الغايات بالنسبة للجانب الفلسطيني، فهل تستحق أن يسيل لعاب الفلسطينيين  من أجلها؟ أم أنها كارثة سياسية، وطامة كبرى، وذل الدهر الذي يمكن أن يلحق بالأمة إن هي قبلت بها؟ ألم نر أن هذا العرض هو استخفاف بالعقول ينبغي علينا أن نرفضه حفاظا على آدميتنا التي كرمها الله سبحانه؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها على الشعب الفلسطيني أولا، ثم على الأمة ثانيا، ولكي نعرف أين يجب أن نقف من هذه الوثيقة تعالوا نسلط الضوء على مخاطرها.

أولا المرحلة الأولى تنص على (تعيين رئيس مجلس وزراء فلسطيني جديد، بصلاحيات واسعة، وإجراء التعديلات القانونية الضرورية لتطبيق هذه الإجراءات، ثم تصدر القيادة الفلسطينية بيانا واضحا لا لبس فيه يعترف بحق إسرائيل في الوجود بسلام واستقرار، ويدعو إلى الإيقاف الفوري للانتفاضة المسلحة وكل أعمال العنف ضد الإسرائيليين أينما كانوا، وتجميع قوات الأمن الفلسطينية في أجهزة ثلاثة تكون تحت مسؤولية وزير داخلية واسع السلطات)

 إن أخطر ما جاء في خريطة الطريق هو الاعتراف بحق ما يسمى "إسرائيل" في الوجود بسلام واستقرار، لأن في ذلك إلغاء لحق الفلسطينيين في وطنهم التاريخي، وإقرار باطل بأن الأرض هي لليهود، وتنكر لحقوقنا المشروعة، وتشويه لمقاومة شعبنا على مدى ما يزيد على قرن من الزمان ووصمها بالإرهاب، ولكل ذلك وقفت المعارضة الفلسطينية من "أوسلو" موقف الرفض، لأن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز لأي كان التنازل عن شبر منها، فخريطة الطريق إذن تعطي ما يسمى "بإسرائيل" شرعية البقاء على أرضنا المغتصبة، بينما أصحاب الأرض عليهم أن ينتظروا أن يمن عليهم المحتلون بدويلة مشوهة.

نحن نعلم أن ما يسمى "بإسرائيل" أصبحت أمرا واقعا، وأنها عضو في الأمم المتحدة، ولكن الجديد في الأمر أن على الفلسطينيين أن يمسخوا أنفسهم، وأن يزيفوا ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وأن يتنازلوا هم أصحاب هذه الأرض جملة واحدة عن حقوقهم التاريخية في وطنهم فلسطين، وهذا لا يمكن لنا أن نقبله سواء على الصعيد المعنوي أو النفسي أو الوطني أو العقائدي، فكرامتنا وعقولنا وشهامتنا ووطنيتنا وعقيدتنا تأبى علينا أن نقبل بذلك، لهذا السبب فقط وليس لما سيأتي من أسباب سيتصدى الشعب الفلسطيني لخريطة الطريق.

ثانيا إن المرحلة الأولى من خارطة الطريق تبشر أيضا بحرب أهلية، أو تهدف إلى ذلك، فدعوة الفلسطينيين إلى الإيقاف الفوري للانتفاضة المسلحة وكل أشكال المقاومة ضد الصهاينة أينما كانوا، مع عودة ا لتنسيق الأمني تشكل خطورة بالغة على مستقبل وحدة الشعب الفلسطيني، فمن أجل ماذا ينبغي علينا أن نوقف انتفاضتنا ومقاومتنا؟ هل نوقفها لكي نقر بشرعية الاحتلال ومن ثم التنازل عن حقوقنا التاريخية؟ وما الذي ينبغي على الصهاينة أن يقوموا به مقابل ذلك؟ كما أوردته النصوص فإن المقابل هو (مطالبة الكيان الصهيوني بتحسين الظروف الإنسانية للفلسطينيين، والكف عن المس بالمدنيين وأملاكهم)، إذن يريدون منا أن نوقف المقاومة والانتفاضة من أجل تحسين ظروفنا المعيشية، ولكي يتوقف الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين، هل رأيتم أوقح من هذه النصوص التي تعطي الاحتلال شرعية الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين لأن شعبنا يقاوم الاحتلال؟ ومن هنا يشترط بوش وقف المقاومة كي يكف اليهود عن المس بالمدنيين وأملاكهم، ويشترط للتراجع إلى حدود 28ايلول 2000 التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، وأعتقد أن أحدا لا يجهل أن هذا التعاون الأمني سيكون فقط لحماية أمن الاحتلال على حساب أمن وحقوق الشعب الفلسطيني، فأي مصيبة أفظع من هذه؟!!

على أية حال لم يعد يخفى علينا أن المرحلة الأولى يجري الآن تنفيذها خطوة خطوة، ولقد قطعت شوطا بعيدا مصحوبة بضجيج إعلامي يصم الآذان، ويعمي الأبصار، ويذهب بالعقول فلا ترى ما يدور.

ثالثا لقد جاء في المرحلة الثانية ما يلي (يعقد المؤتمر الدولي للجنة الرباعية بموافقة جميع الأطراف، مباشرة بعد نهاية الانتخابات الفلسطينية، ويهدف إلى دعم وإنعاش الاقتصاد الفلسطيني وتدشين المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول إمكانية إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة)، ونقول لمن لديهم الاستعداد للتنازل عن حقنا التاريخي في فلسطين لماذا تقبلون بذلك؟ هل من أجل إمكانية قيام دولة فلسطينية بحدود مؤقتة؟ ألم يروا أن كلمة إمكانية تعني أن هناك إمكانية أخرى وهي عدم قيام الدولة وهذه الإمكانية هي الأقوى بل الآكد خاصة عندما تحرق ورقة المقاومة والانتفاضة، ولكن حتى إذا ارتقى الأمر إلى درجة اليقين فهل يجوز لنا أن نتنازل عن فلسطين من أجل دولة بحدود مؤقتة أو حتى دائمة تقام على جزء لن يزيد بأي حال عن 22% من حقنا التاريخي؟!!! ولكنها على أية حال لن تكون مستقلة كما اشترط "شارون" الذي لا يرد له طلب، حيث أبلغت الإدارة الأميركية الصهاينة بأنها قبلت معظم تحفظاتهم على خطة خريطة الطريق.

رابعا وأما المرحلة الثالثة فقد نصت على ما يلي (يعقد مؤتمر دولي ثالث للتفاوض بين السلطة الفلسطينية والاحتلال حول الاتفاق الدائم والنهائي الذي يتعلق بالحدود، والقدس، واللاجئين، والمستوطنات، ومن ثم تنشأ علاقات طبيعية بين العرب والصهاينة)، وهنا نقول لو أن النص تحدث عن الاتفاق الدائم مقابل إقامة دولة كاملة السيادة في حدود ما اغتصب عام 1967، وعودة القدس كاملة، وإزالة المستوطنات، وعودة اللاجئين، والإفراج عن المعتقلين مقابل التنازل عن فلسطين لما قبلنا بذلك، فكيف إذا كان الحديث عن جعل تلك القضايا قابلة لحلول وسط وأنها في النهاية ستخضع لمفاوضات ابتزازية؟!! وهل يجوز أن نفتح الباب أمام الكيان الصهيوني ليقيم علاقات دبلوماسية وأمنية وثقافية وتجارية وغير ذلك مع كافة الدول العربية، وأن يكون ذلك كما يفهم من النص شرطا لتحقيق الاتفاق الدائم؟!!!

وبعد لقد كانت السياسة هي فن الممكن، فهل أصبحت اليوم فن التراجع؟‍‍‍‍؟؟ أما أنا فأرى أن السياسة هي فن التمسك بالثوابت. * هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026